نور روح الله: سـورة التوحيـد: بشارة آخر الزمـان مع إمام زماننا: القضـاء فـي المدينـة المهدويّـة (*) كيف نربّي جيلاً ولائيّاً؟ من ولايتهم عليهم السلام: التوسّل بهم من ولايتهم عليهم السلام: اتّباعهم الجيوش الإلكترونيّة.. ساحة حربٍ من نوعٍ آخر حول العالم آخر الكلام: يكفي ظلّه مع الإمام الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجاد عليه السلام مع إمام زماننا: كمال العقل في الحكومـة المهــدويّة (*)

ها هو اليتيم بعين الله


(النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الولادة إلى البعثة)
حوراء حمدان


تأليف: محمد رضا سرشار
تعريب: بتول مشكين فام



هي الأخلاق صِنْو البقاء، بها التّفاضل والتّمايز والارتقاء. لأجلها بعث الإله الرسل، وأتمّهُمْ كمالاً بنور شاخصٍ مُسَمّىً في الكتاب محمّداً. هو المصطفى محمّد بن عبد الله، سراج الله المنير، والدليل إليه في اللّيل الأليل(1). لذا، قال الله تعالى في مُحْكَم كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِر (الأحزاب:21).

*النور الإلهي
"ها هو اليتيم بعين الله" رواية أدبيّة، ذات بنية سرديّة، يتحدّث فيها الكاتب الإيرانيّ "محمد رضا سرشار" عن سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومسير النور منذ الولادة إلى البعثة. وأَبَانَ من خلالها الوضع العربيّ، الأخلاقيّ والاجتماعيّ السائد في ذلك الوقت والأجواء التي عاشها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوّة. أهدى الروائيّ عمله إلى نادرة العصر روح الله الخميني قدس سره وقائد الثورة الإمام القائد الخامنئي الذي أشاد بهذا العمل(2). أصدر الرواية دار التراث العربي، وفيما يلي لمحة موجزة عن مسيرة النور الإلهيّ.

*رؤيا عبد المطلب
يبدأ الراوي السرد من الرؤيا التي تراءتْ لعبد المطلب والأمر بحفرِ بئر المضنونة (3) لسقاية الحجيج وحلّ أزمة القحط التي أصابت مكّة. وعبد المطلب بن هاشم هو سيّد قريش وسادن الكعبة.

تناوشت قريش، طويلاً، حول مَأْرَب عبد المطلب من الحفر، إلّا أنّهم لم يحيطوا علماً بما عَلِم. فقد كانت رؤياه التي شغلت باله طويلاً حقيقيّةً صادقة، فها هو يقوم بأعمال الحَفر بنفسه. إنّها بئر زمزم ضالّته المنشودة بئر النبيّ إسماعيل، تلك التي طُمست معالمها على يد خزاعة.

وقريش هذه لم تقفْ عند هذا الحد، فقد أصرّت على مخاصَمته فيها. اعتقد عبد المطلب أنّ القوم استضعفوه لقلّة الولد والسند، فما كان منه إلّا أن نذر لربّ الكعبة أن يُضحّي بأحد أفضل أولاده إن رزقه عشرةً منهم. فتتحقّق آماله وينجيه الله من التضحيَة بابنه عبد الله بفداء مئة من الإبل. بعدها تزوّج عبد الله من آمنة بنت وهب.

*الولادة واليُتم
رحلة اليمن والشام هي رحلة الشّتاء والصّيف. وإيلاف قُريش، رحلةٌ سَنّها هاشم جدّ عبد الله. أعدّ عبدُ الله العدّة للمسير إلى هذه الرحلة، إلّا أنّ القدر كان ينتظره في طريق العودة؛ ألمّت به وعْكة صحيّة ومات متأثّراً بها.

فَقَد عبد المطلب ريحانته الغالية وتَيتّم حفيده قبل أن يولد. وعبد المطلب ما فَتِئ يدين بدين إبراهيم حنيفاً رغم كلّ الأوضاع المُتفَشّية في مكّة. فقد استفحل التهتّك والتحلّل في أوصال مدينة الله والظروف كانت حرجة للغاية فهل للرحمة من سبيل إليها؟ كلّ العلامات كانت تشير إلى ذلك، تلك العلامات التي ذكرها نبيّ الله عيسى للحواريّين والمذكورة في التوراة. وفي منتصف ربيعٍ الأول، عند الفجر، ولد محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وبَزَغَ فجر البشريّة من جديد.

أرْضَعته حَليمة السعديّة التي عُرفت بالحكمة والعفاف والفصاحة، والتحق بجدّه عبد المطلب وله من العمر خمس سنوات. كان محمدصلى الله عليه وآله وسلم يُحِبّ جَدّه حُبّاً جمّاً فلا يطيق فراقه لِما عوّضه عن الأبوّة الغائبة.

أخذته الوالدة مرةً إلى زيارةِ قبر والده في يثرب، يثرب الخضراء الحنون. وفي طريق العودة إلى مكّة فَقَدَ أمّه فأضحى يتيم الأب والأمّ. ويصف الراوي لحظات الحزن والفجيعة على قلب محمّد ذي الست سنوات.

*حديث عام الفيل وقصّة اليمن
لم يكن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مثل أقرانِه يتلهّف إلى لهو الأطفال، لا سيّما بعد أن تضاعف يُتمه. كان قلبه يمتلئ بالدعة والارتياح إذا ما أغاث ملهوفاً أو أعان مسكيناً. كان حسن المخالطة -في ساعة اللعب وغير اللعب- طيّب الخُلق وليّن السيرة(4)، منشغلاً في التأمّل والتفكّر.

ولدى سؤالها عن صنعاء، أجابته بركة (حاضنة محمّد): "اليمن أطيب مدن العالم وأروعها جمالاً.. أهلها من العرب ويتحدّثون كافّة بالعربية.. لهم قرابة بعيدة بقريش وإليها رحلة قريش في الشتاء"(5).

يسرد الراوي قصّة عام الفيل وأبرهة الحبشي الذي عقد العزم على تدمير الكعبة فأتاه حصب جهنم من السماء. كما يذكر موقف عبد المطلب الذي بقي وحيداً في مكّة وقوله لأبرهة: "أنا ربّ إبلي وللبيت ربّ يحميه".

*وصايا عبد المطلب وكفالة أبي طالب
كان عبد المطّلب يتيماً منذ الصغر كحال حفيده. عاش ما يقارب المئة سنة. لم يُشرك بربّه قطّ ولم يشرب الخمر وحرّم الزنى ونساء الآباء على الأبناء. كان على الدوام ينهى الناس عن الفحشاء والمنكر ووَأْد البنات. وقد خيّم الغمّ والحزن على مكّة حين وفاته، أمّا حفيده الصغير فقد كان مفجوعاً حاسر الرأس غامراً في غمرات الكروب(6). أوصى عبد المطّلب أولاده جميعاً برعاية حفيده محمّد وكفّله لأبي طالب.

هوّن عليه اليتم في جنب أبي طالب، فكان له أباً عطوفاً وملجأً وثيقاً يستند إليه. وحينما حان المسير إلى الشام، خرج محمّد صلى الله عليه وآله وسلم معه فما كان يطيق صبراً على مفارقته. أثناء الرحلة، كان شوق المعرفة يحدو به رغم وطأة الحنين للديار فيطيل النظر إلى السماء متأمّلاً النجوم ومتدبّراً في أمرها. كان يتساءل في قرارة نفسه عن سبب رغبة القوم عن ملّة إبراهيم وتشمئزّ نفسه من الأصنام.

*الصادق الأمين
دَعته السيّدة خديجة بنت خويلد للخروج في تجارتها، فاتّخذ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم سبيله إلى التجارة. كانت تجارته ناجحة رغم كل العوائق التي اعترضت طريقه، فهو الذي اعتصم بالله والله لا يخذل أولياءه من العباد(7). وقد تزوّج من السيّدة خديجة وله من العمر خمس وعشرون عاماً، هذه السيّدة التي لُقّبت بالسيّدة الطاهرة وكانت من خيرة نساء قريش وأكثرهنّ ثراءً.

كان الناس يتحاكمون إلى النبيّ قبل البعثة حتّى عُرف بالصادق الأمين لسموّ أخلاقه وصدقه وأمانته كما عُرف عنه الحكمة ورجاحة العقل. يذكر الراوي العديد من التجارب التي خاضها والتي تُبيّن بجلاء المكانة الاجتماعيّة التي حظي بها، كحلف الفضول ونصب الحجر الأسود(8).

*غار حِراء وحديث السماء
جبل النور(9) وغار حِراء كان ملاذاً لحيرته، يشُدّ السير إليه إذا ما رغب في الخلوة إلى نفسه والتأمّل وإجالة الذهن. هناك، حيث كان جدّه عبد المطلب يدأَب في الدعاء إلى الله والابتهال إليه، كان الرسول يشعر أنّ ثقل الأتراح يُخفّف عن كاهله. وكانت السيّدة خديجة وابن عمّه عليّ بن أبي طالب يزوّدانه بالزاد حينما ينقطع إلى الغار. عليّ عليه السلام الذي ضمّه الرسول إلى كنفه في سِنيّ الجدب كان يتبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه(10).

وحينما بلغ النبيّ الأربعين من العمر، تمثّل له الطيف النوريّ رجلاً مهاباً في هالة من النور السماويّ وقرأ عليه البيان الإلهيّ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ... * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ... * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

*خلاصة القول
اليوم، تغدو الحاجة مُلحة لقراءة السّيرة النبويّة الشريفة، والنّظر في محاسن أخلاق النبيّ وتربيته علّنا نُدرك أيّ حال أصبحنا عليه. فالجاهليّة التي عايش النبيّ مآسيها وويلاتها ما فتِئت ترزح فوق عالمنا بمسمّياتٍ أخرى ولبوس مختلف. فهي حالة الانحراف عن الهُدى وتحكيم الهوى والغرائز كما يعبّر السيّد الشهيد محمد باقر الصدر(11).

قدّم لنا الراوي في هذه الرواية الشيّقة نبذةً عن تلك الأخلاق، وبيّن من خلال تتبّع السيرة العطرة قبل البعثة كيف يمكن للنور أن ينبلج من الظلام. وهو قد اعتمد في رائعته السرديّة على جملة من الأحاديث الموجودة في كتب التاريخ والسيرة، حيث تكفّلت الشخصيّات بسردها ضمن قالب أدبيّ ونسق تسلسليّ. وقد تمكّن الكاتب بقدرته الأدبيّة من نسج شبكة قصصيّة تتلاحق فيها الأحداث وتتشابه الشخصيّات فيغدو الزمن فيها متّصلاً وسيّالاً.

ومع التأكيد على قدرة الكاتب العظيمة "الوصفيّة والأدبيّة" إلّا أنّ هذا لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات. من حيث البناء العامّ، تحتاج الرواية إلى بعض التدقيق للتمييز بين الشخصيات وإضافة عناوين فرعيّة لها. كما إن اللغة المُستخدمة من قبل المُعرّب تحتاج إلى بعض البيان والتوضيح ليتسنّى للجميع قراءتها وذلك على الرغم من القدرة اللسانيّة العالية. أمّا من حيث المضمون فكنا نتمنّى لو أنَّ الكاتب قد اعتمد على الروايات المُتفق عليها، ولم يأخذ بالجوانب المختلف عليها كقصة نبوْءَة اليهودي وعُمُر السيّدة خديجة ومسألة زواجها قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.


1- مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمّي، ص92، دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام.
2- ها هو اليتيم بعين الله، ص4.
3- المضنونة: اسم لزمزم. والضنّ: الشيء النفيس المضنون به.
4- م.ن، ص160.
5- م.ن، ص113 - 118.
6- م.ن، ص184.
7- م.ن، ص244.
8- تحالف بين قبائل قريش على نصرة المظلوم وقد شارك النبيّ فيه وله من العمر عشرون سنة. أمّا قضية الحجر الأسود فقد حلَّ الرسول الخلاف حول من سيرفعه ببراعة وحكمة، حيث وضعه على ثوبه وطلب من كل قبيلة أن تأخذ بطرف ثم رفعوه جميعاً. (دروس من سيرة الرسول الأكرم، جمعية المعارف الإسلامية، ص45).
9- يقع إلى الشمال الشرقيّ من مكّة وفي قمّته غار حراء.
10- م.ن، ص310.
11- أئمّة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلاميّة، محمد باقر الصدر، مجموعة محاضرات ومقالات، ص399.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع