منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

الدين والإسلام


صرف انتقال الدعوة الإلهية، والنبوة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم، إلى العلانية بعد سنوات من الدعوة السرية قريشاً عن جميع أمورها، وأضحى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بإفاضاته النورانية شغل أهل مكة الشاغل، فوقف أئمة الضلال والشرك في حالة من الحيرة، أمام هذه الديانة الداعية لتوحيد الله وعبادته، ونبذ ما دونه من الأوثان الخارجية والنفسية، الآمرة بالصلاة، والزكاة، والصيام، وإعانة الضعيف، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وقول الحق، وصلة الأرحام، الكافة عن المنكر والفواحش والبغي، وإساءة الجوار..  فلم يجدوا من طريق لردعها إلا بتوحيد قواهم في سبيل القضاء على هذه الديانة التي شكلت التهديد الأكبر لمصالحهم.. كيف لا، وهم أبناء البادية القاسية، والعصبية اللامحدودة...

دين... يحث على عبادة إله واحد كبير غير متناهٍ، وغير منظور،... فأين تذهب إذاً آلة قريش؟؟.. آلهة قريش التي كان لها الأثر الأبلغ في نهضتهم، تلك النهضة الحضارية التي فاقت مكة من خلالها أقرانها، وأنعمت عليها بضروب العز التي عاشتها، وألوان الثراء الفاحش التي ارتفع بها عدد من سادتها.

دين... أي دين هذا؟... دين قريش تجارتها.. هو كأي من السلع التي يجمعونها من أنحاء المعمورة لينقلوها إلى ربوع أخرى محتاجة إليها...
فوجود الكعبة، وتلك الآلهة في بلدهم حولهم حجاً ومقصداً لجميع وثنيي العرب، ورفعهم إلى مصاف السادات الأعلم بشؤون الحياة، وجعلهم الدم المندفع في عصب الجزيرة العربية،.. والآن يزول هذا كله، ويصبح الأمر بيد إله محمد الواحد!!..

لم تستطع قريش بجبروتها تحمل هذه الفكرة، فعمدت لسجن وتعذيب من لا قبيلة أو قوى مناصرة تمنعه ممن اتبع الدين الحنيف، فاستشهد عدد من المسلمين تحت سياط وأذية مستكبري قريش، وكان أول الشهداء ياسر وزوجته سمية.

ولم تستطع هذه المعاملة أن تثبط من معنويات المسلمين بل زادتهم تمسكاً بدينهم، وتشدداً بالدعوة إليه، غير عابئين بقريش وخيلائها، وآتاهم الله أجورهم، وأراهم ثمرة جهدهم، إذ كانت دعوتهم تزكو في أندية مكة، وتأخذ صداها في نفوس الجميع، فتعاظمت أعدادهم في ظل المبادئ الإلهية العظيمة، وقلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الطاهر، وروحه الهادئة تلقي عليهم دروساً خالدة في الجهاد الإسلامي، وتحمل المحن..

حاولت قريش استمالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للكف عن تسفيه أحلامها وشتم آلهتها، وعمدت لإحاطته بهالة من الجنون، أو الكهانة، أو السحر، أو الشعر... فما كان صلى الله عليه وآله وسلم ليعطيها الدنية في دينه، أو يرضخ لمزاعمها، وما استطاعت إسكاته أو النيل منه لمنع بني هاشم، وخاصة أبا طالب عليه السلام إياه، فلم تجد لحقدها منفساً إلا بالتذامر على المستضعفين ممن اتبع الإسلام، فوثبت عليهم زائدة من ألوان الفتنة والتعذيب، والجور والعسف والتضييق، إنما هذه المبادرات لم تكن لتعطي أي من الثمار، بل زادت تعملق روحانية هؤلاء، وصبرهم على الظالم، واحتسابهم بالله أمام بغي عمالقة قريش مع ما سهلته لهم من مواريث الفانية إن عادوا إلى جاهليتهم الجهلاء.

وما كان صلى الله عليه وآله وسلم بقلبه المرهف، وروحه الفائضة الشفافة راضياً عن ما يراه من مشاهد الحرقة والألم التي تصيب ذاته الروحية قبل الجسدية الصادرة عن قريش بمثالبها، وآذاها لأصحابه، ومع انتفاء الأمر الإلهي- في ذلك الوقت بالإذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا.. فوقف حائراً مؤرق العين، ملهب الفؤاد أمام مصاعب ومصائب من لا ناصر له إلا الله تعالى من أصحابه، فأشار عليهم بوحي رباني، وبما أُعطي من فطنة، وسعة صدر، وحكمة بالغة استوعبت المشكلة وطرحت الحل بالهجرة إلى الحبشة بملكها النصراني العادل..

فخرج المسلمون بأول هجراتهم لأرض الحبشة، تترأسهم بضعة هاشمية حازت على ثقة الله ورسوله في تحمل المهمات "جعفر بن أبي طالب" عليهما السلام، وبعدد قُدّر باثنين وثمانين رجلاً..
وسرى خبر هجرة المسلمين في نوادي مكة، فاتفق أقطاب الشرك على تدبير ضربة بوسعها كسر شوكة المؤمنين، وفل عضدهم، وذلك بعد أن وجدوا بالهجرة رئة التنفس، ومنجاة الأمان، ووجد حزب الشيطان بالقضاء على المهاجرين في الغربة، أو إعادتهم بحالة من الذل والهوان ما يحطم آمال اتباع الهداية، ويهد ظهورهم، فتذامروا بما لهم من عقود وعهود تجارية مع النجاشي عاهل الحبشة أن يرسلوا وفداً من قبلهم إليه يطالب برد المهاجرين، واستقر رأي قريش على "عمرو بن العاص السهمي".. فتوجه محملاً بالهدايا والنفائس، وكاد أن يقنع عظيم الأحباش بأن المهاجرين من المسلمين مجرد عبيد وغلمان قد سفهوا وخرجوا عن أمر سادتهم، وانضووا إلى بلاده، داعياً إياه لردهم معه مقرنين بالأصفاد.. لولا سكينة أُنزلت على قلب جعفر بن أبي طالب عليه السلام، وقوة بيان استطاع فيها رد مزاعم ابن العاص، وأيدها بآيات من الذكر الحكيم جعلت عيون ذاك الحبر النصراني وبطاركته تفيض من الدمع، فيصرخ قائلاً لابن العاص "إن هذا والذي جاء به موسى ويسوع ليخرج من مشكاة واحدة، انطلق فوالله لا أسلمهم إليك، -وقال مخاطباً جعفراً- ليس بين ديننا ودينكم أكثر من خط".
وبعد هذه الحادثة، قد يُطرح استفهام حاملاً في طياته عدداً من الأسئلة والاستفسارات...

وهو لما وقع اختيار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الحبشة دون غيرها من الأصقاع المترامية، وهل أخذ بذهنه، أو خطر بباله الشريف الخطر الذي قد يتجسد بتلك الدولة من جهة مواجهة أصحابه لمجتمع جديد، وأناس بتقاليد، ومعارف، وعادات، ومُثل جديدة قد تؤثر بهم بشكل أو بآخر، مع كون هذه الدولة تدين بالمسيحية، وجهة البعد الجغرافي عن القومية والقبيلة المُشكِلة بذلك الوقت الدرع الحامي للعديد من المهاجرين، بمقابل يد قريش الطولى بعقودها وتجارتها، إضافة للرد الحبشي على هذه الديانة الجديدة بممثليها القليلين..
ويبدو أن تأييد الله اللامتناهي، وذكاء الرسول المتقد، لم يتركا أي ثغرة قد تطرق أو تطال المسلمين في هجرتهم.

فمن جهة أولى كانت المناطق المعروفة آنذاك منقسمة إلى قسمين:
أولاً: مناطق عربية داخلية، وبدورها منقسمة إلى قسمين:
أ- مناطق يعيش العرب فيها حياة الفوضى والضياع، والسلب والنهب، مع تعصب شديد لوثنيتهم التي اتبعوها اتباعاً تقليدياً، وفهموها فهماً مشوهاً لا يرتكز على أسس صحيحة.. أما فكرة الإله فلم تتوضح بأنفسهم كل الوضوح، ولم ينقادوا إليها كل الانقياد، إنما كانت علومهم مستمدة من اختلاط النحل.. (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: 3) فبحال من الأحوال لم يجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ملاذاً لأصحابه في أي منها.

ب- مناطق تنعم بحالة معينة من النظام، وهي
 الممالك والمدن. أما الممالك- كالحيرة، وغسان، واليمن- فكانت ظلاً لامبراطورياتها دينياً وسياسياً، ولا تتقبل أو تستوعب أي ظاهرة جديدة إلا بعد إذن ملوك دولها الآمرة.

أما المدن- كيثرب، والطائف، واليمامة- فكانت منتشرة في أنحاء الجزيرة العربية، وتعيش حالة من الاستقلالية، والعصبية الدينية، وخاصة التجارية التي ترى المجتمع العام من خلالها فقد كانت تحسب لمكة وسوقها الجامع ألف حساب، فكانت بطريق أولى سترفض مؤرقي عين ومقلقي جفن قريش..

ثانياً: كانت القوى العظمى المستأثرة بالمرجعية السياسية لجميع البلاد في المنطقة منقسمة إلى امبراطوريتين، الفرس، والروم.. وكانت الحرب بينهما ممتدة لأجيال، وفي حالتي الكر والفر مع تسجيل انتصار وتفوق آني لا يلبث أن يزول، إنما انعكست هذه الحالة عليهم نوعاً من الضعف مهد للمسلمين مع الزمان تحقيق الوعد الإلهي، واكتساح أراضيهما. وكان معظم سكان الجزيرة العربية في حالة ترقب دائم للأحداث والآثار المهمة في ذلك الصراع.

ـ أما بلاد فارس بديانتها الوثنية التي قضى "كسرى انو شروان" على اختلافاتها، ووحدها "بالزرادشتية" كدين للدولة- وهي ديانة وثنية تقوم على الاتنينية- وأخذت تراوده أحلام السيطرة، فسيّر الحملات لتطويع بلاد الروم، وأتمها أكاسرة الفرس من بعده، وعاصر تلك الحقبة "كسرى ابرويز" الذي كان لا يتوانى أمام هذا الدين برفضه، بل حتى بالقضاء على دعاته لما فيه من روحية موحدة ومنقذة للشعوب المستضعفة...ـ وبلاد الروم بديانتها النصرانية، وقلاقلها الداخلية، وثوراتها التي تمخضت عن استيلاء "هرقل" ابن حاكم أفريقيا على العرش، وقيادة شعبه لاستيعاد ما سُلِبَ من نفائس رومية، وتمكن بالنهاية من الانتصار على الفرس، فأجبر "كسرى شيرويه" على قتل والده "ابرويز"، والصلح معه على أن يتخلى "شيرويه" عن البلاد التي احتلها أسلافه، وأن يدفع الجزية، وأن يعيد صليب الصلبوت إلى مكانه، وتم ذلك، واعتبر هرقل من أعظم الشخصيات المسيحية في ذلك التاريخ.

ففي ذروة اعادة بناء الامبراطورية، ونشوات الانتصارات المتتابعة، لم يكد لغرور أمثال هرقل أن يلتفت لثلة المؤمنين.. كما وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ليرضى أن يكون الإسلام دين البلاطات الامبراطورية المستعملة الدين كستار لتحقق به مآربها الاستكبارية على حساب شعوبها المستضعفة..


ولعل الحبشة أراحت سجية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما نعمت به باستقلالية وتواضع سياسي، وبعد جغرافي عن ساحات الصراع، إضافة إلى التزامها بديانتها النصرانية، ولما كان الإسلام قد نص أساساً في علاقته بالمسيحية على الإخوة، والدعوة السليمة، بطريقة المحاورة والجدال،﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (المائدة: 82).. ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ .

ومن جهة ثانية فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعصمته عن الزلل وترفعه عن الخطأ كان يشعر بأن هناك عدداً ليس بقليل من المسلمين لا تزال رواسب الأساليب الاجتماعية الملتوية الناتجة عن المفاهيم الجاهلية تعشعش في نفوسهم، فلم يكن للعرب آنئذ سلطة سياسية موحدة يستظلون بظلها مما جعل السواد الأكبر من العرب يعيشون حالة لا نظامية في ظل العشيرة أو القبيلة التي ترتبط برابط الدم والنسب، فأراد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الهجرة التمهيد للأمر الإلهي الأكبر، للمرحلة الانتقالية في البعثة المحمدية، وذلك بالهجرة إلى يثرب، كما وأنه صلى الله عليه وآله وسلم، أراد أن يمحي انقياد المرء إلى بوتقة القبيلة ويجعله منصهراً بالدين، ولدأبه بالارتفاع بروحية أصحابه إلى الملأ الأعلى، وسعيه لانفتاحهم على شعوب الله، بغير تفرقة بين عرق وآخر، ولون وآخر إلا بتحصيل رضاه سبحانه، فبذا كانت الهجرة إلى الحبشة بأهلها أولاد حام بن نوح عليه السلام الذين كانوا يشكلون بذلك الوقت في غالب المجتمعات طبقة العبيد والإماء، بسواسيتهم أمام الله، وأن الفضل والشرف لا يكون للمرء إلا بالتزامه بطرق الهداية..
ولمزيد من الاطمئنان من قبله صلى الله عليه وآله وسلم قام ببعث ابن عمه "جعفر" بماله من سعة اطلاع، ورأفة، ورحمة بالمؤمنين..
ولم تكن السطوة القرشية لتطالهم بعد الأمان الذي أطلقه النجاشي..

كما لم يشعر الشعب الحبشي بوجودهم لقلتهم نسبة للدولة بما تجمع، إضافة لانشغاله بالكنيسة المسيحية واختلافاتها التي أنتجت الفرق الكثيرة الدائرة حول طبيعة المسيح عليه السلام وماهيته..

فكنت ترى السنطورية ذاهبة إلى أن للمسيح عليه السلام طبيعتين مستقلتين إحداهما لاهوتية، والأخرى ناسوتية، والآريوسية ذاهبة إلى أن الله تعالى واحد والمسيح عليه السلام كلمته، وابنه عن طريق الاصطفاء، واليعقوبية ترى أن المسيح هو الله تعالى، وقد مات، وصلب، وقتل، وأن العالم دام ثلاثة أيام بلا مدبر، والملكانية تذهب أن للمسيح أقنوم إنساني من مريم، واقنوم إلهي من الربَ ﴿جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

 وكل هذا صب في خانة المسلمين ومصلحتهم، فشعروا بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم، والحقيقة التي سلمت لهم عبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرتبطة بمهمة هداية البشر، وإصلاح الإنسانية، فنبتت بين جنوبهم أضواء قوة لا تنضب، واشتعلت بذاتهم طاقة لا تخمد في الدعوة، وعلى حد تعبير عدد من الروايات، أن هذه الدعوات التبليغية أدت إلى إسلام عدد من الأحباش وعلى رأسهم النجاشي..

وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ينعم بتأييد الله بعد أن وجد في قلب خديجة عليه السلام الكبير ملاذاً مبشراً بمستقبل خيّر يعم الأرض، ووجد في أخيه، وابن عمه، وربيبه، ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام الأسبقية، والنصرة، والتفوق، والوقوف إلى جانبه في أحلك الظروف ما يقصر القلم عن ذكره.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع