مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

بحث في آية الميثاق "2"

آية اللَّه جوادي الآملي


تعتبر آية الميثاق من أقوى الآيات دلالة على فطرية المعارف الإلهية، وقد تحدث الشيخ الآملي في الحلقة الماضية، عن فساد الرأي القائل بوجود عالم الذر، بمعنى أن اللَّه أخرج بني آدم من صلبه على هيئة ذرات في الحياة الدنيا وأخذ منهم الإقرار على ربوبيته ثم أعادهم إلى مكانهم.

 

كما ستبعد أن تكون الآية تشير إلى الآيات الأفاقية والأنفسية. وفي هذه الحلقة يتابع فضيلته البحث في تفسير الآية.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ  أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. "الأعراف/ 172- 173".
 

إن الأمر الأساسي الذي تريد أن تبينه الآيتان الكريمتان هو أن الحجة الإلهية على جميع البشر بإقرارهم وشهادتهم على ربوبية اللَّه تعالى وألوهيته، ويستفاد أيضاً أن العوامل الأساسية التي تساهم في انحراف الإنسان عن جادة التوحيد على نحوين: ذاتية وموضوعية. وقد أطلق على العوامل الذاتية في الآية الأولى عنوان "الغفلة" وعلى العوامل الموضوعية في الآية الثانية عنوان "التبعية"، وبالإجمال، فإنه لا يمكن لأولئك المنحرفين عن سبيل التوحيد أن يعتذروا بالغفلة عن الآيات الإلهية، ولا أن يحتجوا بالتربية الفاسدة، سواء أتت من الجو العائلي أو البيئة الاجتماعية الملوثة بالشرك، فقد تمت الحجة الإلهية البالغة على الجميع. هذا إجمال مفاد الآية وهاكم التفصيل.
إن الموطن الذي أخذ فيه الميثاق لا يتخلله خطأ مطلقاً، ولذلك فهو لا يشبه عالم الحياة الدنيا المشوب بالنسيان والخطأ.

* موطن أخذ الميثاق
مما لا شك فيه أن المقام الذي أخذ في الميثاق هو مقام لا يتخلله خطأ مطلقاً، بل هو مقام "العصمة"، والعلم الحاصل في هذا المقام لا يشبه جهل أو سهو أو نسيان، وإلا كان البعض يدعي الغفلة يوم القيامة وهو ما تنفيه الآية مطلقاً.
وهذا يدلنا على أن هذا المقام، وهو الموطن الذي أُخذ فيه الميثاق، لا يشبه عالم الحياة الدنيا المشوب بالنسيان والخطأ. كما أنه لا يمكن أن يكون موطناً لا يمكن إدراك الميثاق فيه بوضوح تام، أو ينتابه بعض الغفلة، إن مقاماً كهذا لا يتلاءم مع كونه موطن الحجة الإلهية البالغة.
ولكن أين هو هذا المقام والموطن؟ هذا ما سوف يتضح معنا فيما بعد.

* أركان الميثاق
للميثاق أركان، والحديث عنها يساعدنا في التعرّف على الأمر الذي شاهده بنو آدم حتى قالوا ﴿بل شهدنا وهذه الأركان الخمسة هي:
1- صاحب الميثاق "أخذ الميثاق"
 

2- الملتزم بالميثاق والتعهد
 

3- محور الميثاق
 

4- محتوى الميثاق
 

5- الشاهد على الميثاق
 

الآيات المتشابهات عندما ينظر لها من خلال المحكمات تصبح محكمات أيضاً، ولذلك قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ- هود - الآية - 1 .
أما صاحب الميثاق الذي كان التوجه إليه بالميثاق والالتزام أمامه فهو اللَّه، وأما الجهة التي التزمت بالميثاق وتعهّدت به فهي الإنسان، وأما المحور الذي يدور حوله هذا الميثاق فهو ربوبية اللَّه، أما المحتوى فقد بيّن في القرآن وهو سند الميثاق القوي. أما الشاهد والموطن فهو الإنسان نفسه أيضاً.
 

وبعد اتضاح أركان الميثاق وتشخيصها، نأتي إلى السؤال الأساسي: ما هو الأمر الذي شاهده الناس حتى تم الميثاق؟
في الآية الشريفة نقرأ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى. ولكن هل ما أشهدهم عليه فشاهدوه ورأوه هو اللَّه حتى التزموا بالشهادة وأدّوها؟ وهذا شبيه بما ورد في لقاء اللَّه يوم القيامة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، أو أن ما شاهدوه شيئاً آخر غير اللَّه تعالى إلا أن رؤيته ملازمة لرؤية اللَّه تعالى ومشاهدته؟ وهنا يمكن أن يخطر سؤال وهو هل أن هذه المسألة يمكن استجلاؤها من نفس الآية، أو إنها مكتنهة بالإبهام في الآية بحيث لا يمكن معرفة ما الذي رأوه حتى شهدوا على ربوبية الحق تعالى؟

* لا إبهام في القرآن
مما لا ريب فيه أن جميع الآيات القرآنية ليس فيها أي غموض أو إبهام. فالقرآن كتاب نور وتبيان، وهو كتاب المعارف، وهذه المعارف يجب أن تُبيّن بنحو مجدٍ وقابل للاستفادة منه. وإذا واجهنا أشكالاً ما في فهم الآية فهو راجع إلى قصورنا وعدم رجوعنا إلى أهله "إنما يعرف القرآن من خوطب به". يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "ذلك القرآن فاستنطقوه ولن يطق، ولكن أخبركم عنه، ألا إن فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم"، وإذا كان في القرآن آية متشابهة فيمكن فهمها وإدراكها بمسادة الآيات المحكمة. ولذا قال عز من قائل: ﴿كتاب أحكمت آياته، لأن المتشابهات عندما ينظر لها من خلال المحكمات. اللاتي هنّ أم الكتاب- تصبح محكمات تماما كالطفل يعتبر راشداً وناضجاً في حضن أمه.
 

إذاً في الآية المنظورة ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لا يوجد أي نقطة إبهام وهي توضح بشكل كامل من هو المشاهد "بالكسر" ومن هو المشاهد "بالفتح"، اللَّه تعالى أشهد الناس على أنفسهم، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ- الأعراف - الآية - 172. أي جعلهم يشاهدون أنفسهم، ففي هذه الجملة لا يوجد أي تقدير، نفس الألفاظ والكلمات الموجودة تفيد هذا المعنى.
الإنسان محتاج إلى اللَّه بتمام وجوده، بل هو عين الاحتياج، ورؤيته لنفسه الفقيرة تستلزم رؤية للَّه الغني بالذات ولا انفكاك بينهما.

* احتياج الإنسان
إذا مر شخص في بستان في فصل الربيع ورأى أن الأشجار والأغصان والأزهار قد اصفرّ لونها، فإنه سيشعر بأنها محتاجة للماء، فمن أين جاء هذا الإحساس؟ بدون شك إن حالة الذبول التي تعاني منها الأشجار والأزهار هي افتقارها للماء ولسان حالها يقول: نحن عطشى للماء. فلو إنها شاهدت نفسها بنفسها فماذا تقول هي؟ هل ثمة كلام غير هذا؟
 

والإنسان كائن محتاج بتمام وجوده، وهذا الاحتياج ذاتي له. وكما أن الأشجار العطشى لا يسد حاجتها للماء أمثالها من الأشجار، كذلك لا يسد حاجة الإنسان أمثاله من المحتاجين والفقراء، بل هو محتاج إلى الغني بالذات وهو الحق تعالى. وللإمام السجاد"ع" كلام لطيف في هذا المجال حيث يقول: "طلب المحتاج من المحتاج سفاهة وضلالة".
فالإنسان الذي يسير في طريق السفاهة والضلالة فلن يصل إلى مقصده ومقصوده، وعليه فالإنسان الذي يرى نفسه، ويرى أنه محتاج بتمام وجوده، فهذا الاحتياج يقوده إلى معرفة الغني بالذات، وهكذا، فلسان الحال والمقال خير شاهدة على ربوبية اللَّه الغني، فإذا كان الإحساس بجفاف المرج وذبوله يظهر الحاجة إلى البستاني، فكيف يرى الإنسان نفسه ولا يرى ربه؟
ورؤية الإنسان لنفسه تستلزم رؤية ساحة أخذ الميثاق، وعليه فهناك شاهد وهناك طرف الميثاق.
 

ولا يمكن أن تكون ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ناظرة إلى يوم القيامة لأنها تحكي عن مكانٍ يؤخذ فيه الميثاق والإقرار، ويظهر هذا الإقرار في ذلك المكان على نحو الشهادة، أما يوم القيامة فهو مكان أداء الشهادة لا يوم تحمّل الشهادة.
إن نتيجة الغفلة أن يرى الإنسان نفسه مستغنية عن اللَّه، وعاقبة ذلك الطغيان والضلال

*مراحل الشهادة
للشهادة مرحلتان: المرحلة الأولى مرحلة التحمّل والحضور، والمرحلة الثانية مرحلة أداء الشهادة، فما لم يكن الشاهد حاضراً في ساحة الشهادة، ولم يشهد الحادثة، لا يمكن له أن يؤدي الشهادة. وكما أوضحنا فإن الإنسان نفسه شاهد على احتياجه إلى اللَّه الغني، وبشهوده لنفسه فإنه يرى اللَّه. ولأن مشاهدة الإنسان هذه بالعلم الحضوري لا بالعلم الحصولي، ولأن العبودية هي الارتباط بالربوبية، فلا يمكن أن يرى الإنسان عبوديته ولا يرى ربوبية رب العالمين، ولذا فبمجرد مشاهدته لنفسه وبعد السؤال: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ أجاب مباشرة: ﴿بَلَى شَهِدْنَا.
 

لكن حينما يغفل الإنسان عن نفسه فإنه سينسى اللَّه ويغيب عن خاطره. وهكذا قال قارون: ﴿إنما أوتيته على علم فهو يعتقد بأن ما حصل عليه من مال وثروة إنما جاء نتيجة لعلمه، ولو كان الإنسان أقل من قارون قليلاً فإنه سيشعر بالحاجة إى لناس والاعتماد عليهم. ولذلك لن يشعر بحاجته إلى اللَّه تعالى، وهؤلاء من وصفهم الإمام السجاد عليه الصلاة و السلام بالسفهاء والضالين، حيث أن الحاجة للَّه أساساً وليس إلى الفقراء والمحتاجين أمثالنا، وطريق معرفة اللَّه يبدأ من هنا وحينما يسلك الإنسان هذا الصراط فإنه سيقع في متاهة ودوامة ولن يصل إلى معرفة اللَّه أبداً.
لا عذر في الشرك اتباعاً للأجواء الفاسدة مطلقاً فهذا الاتباع اتباع شيطاني في المفهوم القرآني.
 

وهكذا نرى بأن هذا المقام واضح ومعلوم، ولا يوجد أي لبسٍ أو غموض في هذا الكائن، ولا عذر له في الشرك خضوعاً تحت تأثير التربية الخاطئة- سواء في المحيط العائلي أو المجتمع الفاسد- ليحتج به يوم القيامة، ومن هنا نجد القرآن الكريم يقول في سورة الحج، الآية 3: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ. فالإتباع الأعمى في العرف القرآني أتباع للشيطان، إن الذين لم يشاهدوا أنفسهم فيروا "اللَّه" ووقعوا تحت تأثير إتِّباعهم لآبائهم والأجواء الفاسدة من حولهم، إن مثل هذا الاتباع شيطاني ولا عذر لهم به. الآيتان "20/21" من سورة لقمان تشير إلى هذه المسألة أيضاً: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير.
 

يقول الإمام الصادق عليه السلام في هذا الشأن: "إن اللَّه خصّ عباده بآيتين من كتابه أن لا يقولوا ما لا يعلمون وأن لا يردوا ما لا يعلمون" أي أنه يجب البحث في كلتا الحالتين، القول والرد، ولا يجوز التقيد باتباع من سبق. يجب أن تكون حياة الإنسان حياة علم وتحقيق وبحث بعيداً عن أية تبعية وخصوصاً في المسائل الأصيلة والأساسية في حياة الإنسان وأهمها مسألة الإيمان باللَّه..

للبحث صلة

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

العراق المثنى السماوة

كرار كريم

2020-06-18 19:08:49

شكر الله سعيكم كيف احصل على كل اصداراتكم والجديد لكم