تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها مناسبة | القرآن يبوح بفضل عليٍّ عليه السلام الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق

التعليم المهني في لبنان بين ماضيه وحاضره وغده

نجاحٌ وعملٌ وآفاقٌ مفتوحةٌ

ولاء إبراهيم حمود
 
 
 مخطئٌ من يظن أن الدراسة المهنية خيارُ الفاشلين. ربما كان رحمةً بعامٍ دراسي أحبطت جهوده الكثيفة علامات تقل عن المعدل المطلوب، ولكنه على أي حال ليس خيارَ فاشلٍ معدم قد وصل على فراغ إلى الشهادة المتوسطة. من لم ينجح في الدراسة الأكاديمية لن ينجح في المهنية.والنماذج كثيرة.. كلها آراءٌ تستحق النقاش تحت سؤالٍ كبير: إلى متى سيستمر البعض في خطأ نظرته إلى التعليم المهني واعتباره خيار الفاشلين مع أن الواقع ليس كذلك؟ من أين أتت هذه النظرة؟ ما هي أسبابها؟ وما هي مشاكل هذا القطاع؟ وأسئلة أخرى طرحتها على طلابٍ اختاروا الدراسة المهنية، وأجابوا: بعد أن نجحوا وصار معظمهم مدراء لمؤسساتٍ مهنية. 

يتميز خالد إبراهيم (ناظر في مجمع الإمداد المهني) بأنه اختار الدراسة المهنية (ميكانيك سيارات)، لكنه يعمل في غير اختصاصه في مجمع مهني. وعن هذا الأمر يقول خالد: "لا يؤثر عملي في غير اختصاصي علي سلباً بالمطلق. صحيح أنني لا أوظف بعض معلوماتي، لأنني لا أعلِّم المواد التي درستها، ولكني كناظر في المعهد، أعيش جوَّ التعليم المهني، وهذا يتيح لي الاطلاع على المواد الأخرى وقراءتها. وهذا يعني أنني أستطيع أن أتعاقد لساعاتٍ تعليمية في اختصاصي". وعن رؤيته لمستقبل وآفاق التعليم المهني في لبنان، يرى خالد أنه: "لكل شيء ميزة وآفاق. فالتعليم المهني يتيح للتلميذ فرص نجاحٍ، ربما كانت مغلقة عليه في سواه. ويفترض كما في كل عملٍ وعلم، اجتماع الإخلاص في العمل والمثابرة في التعلم على مبدأ "إنني ما زلت أتعلَّم حتى وأنا اعلِّم" فهما يؤديان إلى النجاح حتماً والتفوق في هذا المجال. ومجتمع ما بعد الحرب في لبنان يحتاجه كثيراً، نظراً لمتطلبات سوق العمل في إعادة بناء المؤسسات هيكلاً ومضموناً. وهو يتيح لتلميذ التعليم المهني الذي يفوق التعليم الأكاديمي باكتسابه مواد الاختصاص في مرحلة مبكرة أن يلتقي أساتذته مبكراً أيضاً في سوق عمل مشترك، بعد أن يكون قد تزود بثقافات مختلفة تضاف إلى مواد الاختصاص التي تؤمنها له الدراسة المهنية، خلافاً للتعليم الأكاديمي الذي يكتفي بمواد نظرية". 

انطلق علي عباس نور الدين من نجاحه بالشهادة المتوسطة إلى الدراسة المهنية  مخالفاً  بذلك قاعدة اتجاه الفاشل في البريفيه وحده إلى المهنية. وحول هذا الموضوع، يقول علي: "بدايةً، امتثلت لرغبة أبي في هذا الاتجاه. ولكن بعد تعمقي في اختصاصي (سنة ثانية electronique) وجدته اختصاصاً مناسباً لي بعد أن وجدته أكثر فعالية وأهميةً، لأنه يشمل قسماً عملياً كبيراً، ولا يقتصر على النظري، ولأن التطور التكنولوجي بات مقياساً لتطور أي بلدٍ في العالم. أرغب بالدراسة الجامعية لا الاكتفاء بالعمل بعد (BT3)". ويشير نور الدين إلى أن النظرة الدونية إلى التعليم المهني نابعة من الاعتقاد السائد بأن المهنيات لا تخرج مثقفين، إنما عمالاً حرفيين، وتحرم الطالب علوماً لا يحرم منها الأكاديمي، وهذه النظرة أثبتت مع الأيام وبالممارسة خطأها.

  ويشير إلى مشكلة وحيدة قد يعانيها الطالب المهني وهي دخوله  إلى الجامعة وهو يعاني ضعفاً في بعض المواد مثل اللغة الانكليزية. وهو يوزع مسؤولية هذا الضعف مناصفة بين وزارة التربية والمهنيات. ويعتبر أن الحل يكمن في تقوية برامج ومناهج المهنيات ودعم مواد اللغة فيها وبعض المواد العلمية. وختم نور الدين متمنياً أن يستطيع خدمة وطنه من خلال هذه الدراسة التي تساهم في دفع عجلة الإنتاج والعمل المثمر في البلد.  أما زينب علوية التي حازت المرتبة الأولى في لبنان عام 2007، في اختصاصها المهني في (الإدارة والتسويق)، فقد أكدت أنها لم تدرس BT بل حصلت على بكالوريا القسم الثاني (اقتصاد واجتماع).

وقد اكتشفت أثناء دراستها وتدريسها فيما بعد أن بعض المواد الموجودة في (التعليم المهني) أصعب من الدراسة الأكاديمية. واعتبرت  زينب أن اقتران المعاهد بالسمة التجارية في لبنان، ووجود إمكانية الانتساب في المعاهد الخاصة (الدراسة دون حضور مع التزام الطالب دفع كامل الأقساط، وربما بلغ الانتساب حداً جعل طالباً يتقدم للامتحان عن طالب آخر) أنشأ هذه النظرة. وأكدت زينب على وجود معاهد خاصة تتعب على طلابها لأنها معاهد تحترم نفسها (اختبارات متلاحقة، نخبة من الأساتذة)؛ الأمر الذي يفتقده الطالب في المدارس الرسمية، التي لا ينجح فيها إلاَّ القلة الجادة  من الطلاب. واعتبرت زينب أن دراستها المتنوعة بين التعليمين المهني والأكاديمي، ترجح لديها الاستفادة الأكثر من الدراسة المهنية لكثافة حصص التحليل والتطبيق العمليين غير المتوفرين في التعليم الأكاديمي. وقد نفت زينب مصادفتها أي معوقات؛ وإن وجدت، فهي لا تذكر. وأشارت إلى إيجابية تمكين الطالب من الانتقال من اختصاص إلى آخر دون أن يخسر سنوات دراسته السابقة. ولم تنسَ طلب الإشراف والرقابة عليه من وزارة التربية. وختمت زينب حديثها بتوجيه سؤال عبر مجلتنا إلى القنوات الفضائية التي تعنى بتكريم المتفوقين في التعليم الأكاديمي في الامتحانات الرسمية: "لماذا يُغفل عن تكريم الطالب المهني المتفوق في مهرجانات التفوق الموسمية السنوية، ويقتصر تكريمهم على معاهدهم"؟

وقد أدلى بعض مدراء معاهد هذا القطاع بدلوهم في هذا التحقيق؛ وكانت البداية مع مدير معهد الإمداد المهني الحاج محمد رشيد الذي يُعيد مشاكل القطاع إلى قدم المناهج وعدم مواكبتها التطور. ففي اختصاص الكهرباء، ما زالوا يقتصرون على دراسة تلفزيون (اللمبة) في عصر تلفاز (L.C.D). وهذا الأمر يفهم التلميذ واقعاً مضى. في حين يفترض به أن يفهم واقعاً معاشاً. ثمة اختصاص يدعى محاسبة ومعلوماتية في مرحلة البكالوريا الفنية، وعليه إقبالٌ ملفت تحت عنوان المعلوماتية، ويتجاوز عدد طلابه سنوياً 6000 طالب، بينما لا يتجاوز عدد الطلاب في بعض الاختصاصات ألف طالب كحد أقصى، الأمر الذي لا يوجد سوق عمل يستوعب  أربعة آلاف ناجح منهم. ويعيد د. رشيد هذا الأمر إلى غياب دراسة ميدانية شاملة تعنى بحاجات سوق العمل إلى عدد من الاختصاصات لإقامة التوازن الطالبي فيما بينها، مما يؤدي إلى انعدام الفائدة من دراسة البعض لاضطراره للعمل بغير اختصاصه.

  ثمة خلل آخر أشار إليه د. رشيد، هو عدم وجود ضوابط انتقال الطالب من اختصاص إلى آخر بعد أن يكون قد أمضى فيه سنتين أو ثلاثاً (متابعة طالب مصلّح تلفزيون دراسته في علوم الكمبيوتر أو الفندقية بعد البريفيه المهنية، لأنه غير مُلِمّ بأساسيات الاختصاص الذي انتقل إليه). ولا ينفي التأثير السلبي لتفريخ المدارس المهنية الخاصة للكسب التجاري، حيث لا تنهي معظم هذه المدارس منهاجها كاملاً، فتؤدي إلى تخريج عاطلين عن العمل، يبحثون عن التعاقد المحدود بسبب التفتيش عن الخيار الأسهل. ولا ينفي دور الأهل والدولة في توجيه الطالب إلى رؤية مستقبلية تساعده في اختيار حاضره. ويعيد إلى الفهم الخاطئ لقيمة بعض الاختصاصات مسؤولية فراغها من الطلاب حيث يخجل الكثير من دراسة الفندقية في بلد الخدمات السياحية بامتياز. ويرى د. رشيد أن التركيز في المهني على الجانب العملي لا يُسرِّع دخوله في سوق العمل فحسب، بل يحل لديه مشكلة الفشل، حيث تُخفَّف عنه المواد النظرية التي أعاقته سابقاً، ليعمل بيديه ما يؤمن نجاحه.

وفي ختام حديثه، دعا الحاج رشيد إلى تضافر القوى وعدم ترك الدولة بمفردها في هذا المجال، كي يفتح للعمل أسواقاً لا سوقاً. ولأن بعض الطلاب يبلغون حدّ الاختراع، علينا أن نرعاهم كي لا يهاجر من لا يجد عملاً له إلى دول الخليج. ودعا إلى تعزيز ملاك التعليم المهني وعدم اعتماده فقط على المتعاقدين، حيث يفترض تخريج طلاب L.E.T. أي إجازة تعليم المواد المهنية (دار معلمين مهني) لا مجرد طلاب (L.T) في أحد  الاختصاصات.

ويبقى لهذا القطاع هموم أخرى وآفاق أخرى ستتولى المجلة فتحها مع شخصيات أخرى في حلقة مقبلة بإذن الله، طلباً لفائدة أجيالنا ووطننا من هذا القطاع، الذي يعتبر أساسياً في بناء نهضتنا وعمران حضارتنا على مبدأ (هذه يدٌ يحبها الله ورسوله) والمعني باليد هنا يد عامل محترف مهني.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع