تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها مناسبة | القرآن يبوح بفضل عليٍّ عليه السلام الأسرة بين هاتفٍ ذكيٍّ وتواصلٍ موهوم لمَ تقاطع أخاك؟ العاطفة سرّ التواصل الأسريّ حتّى لا يتنازع الإخوة في الميراث الأسرة تُصلح أفرادها - في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله أذكار | أذكار لطلب الرزق

تربية: التنشئة الاجتماعية ووظيفة الأسرة

أميرة برغل*

 



لقد كانت الأسرة دائماً، في نظر جمهور العلماء، المؤثر الأكبر في عملية التنشئة الاجتماعية. فهل يمكنها أن تبقى كذلك بعد أن تحوَّل العالم إلى قرية صغيرة بفضل التطور الرهيب الذي طرأ على تكنولوجيا الاتصالات وما ترافق معه من عولمة ثقافية غزت الأولاد، في عقر دارهم، رغماً عن إرادة أهلهم؟  سوف نحاول، في هذه المقالة، الإجابة عن هذا التساؤل من خلال تبيان مظاهر التنشئة الاجتماعية السليمة لدى الأولاد والمهارات الواجب بناؤها لديهم حتى تكتمل تنشئتهم، وما آلت إليه البحوث والتجارب الحديثة حول مستلزمات التنشئة الاجتماعية الصحيحة للأجيال ومن ثمَّ نتطرق إلى دور الأسرة في هذا المجال في المنظومة الاجتماعية.

* مظاهر التنشئة الاجتماعية السليمة
تُعرَّف التنشئة الاجتماعية بالعملية التي يتم من خلالها تشكيل شخصية الطفل الاجتماعية، من خلال تفاعله الإيجابي مع المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، ليكون كائناً اجتماعياً، متوازناً، منتجاً ونافعاً. ولهذه التنشئة الاجتماعية السليمة مظاهر، أهمها:

1ـ اكتساب الطفل للقيم والآداب الدينية والاجتماعية السائدة في مجتمعه.
2ـ التواصل الإيجابي مع الآخرين.
3ـ القدرة على إسعاد النفس والآخرين.
4ـ المواطنة الصالحة واحترام القانون.
5ـ النشاط والمساهمة في تطوير المجتمع.

* المهارات الواجب بناؤها لدى الأولاد خلال عملية التنشئة الاجتماعية
تتضمن عملية التنشئة الاجتماعية لدى الأولاد، خاصة في عصرنا الحاضر، مجموعة كبيرة من المهارات التي ينبغي بناؤها لديهم، وذلك من أجل تمكينهم من مواجهة الاستحقاقات التي تواجههم في عالم مليء بالقلق والتحديات. وأهم هذه المهارات:
1ـ مهارات التواصل الإيجابي.
2ـ مهارات اكتساب الأصدقاء.
3ـ مهارات حل المشكلات.
4ـ مهارات السيطرة على الذات وتأجيل الحاجات.
5ـ مهارات التعامل مع الربح والخسارة.
6ـ مهارات تنظيم الوقت.
7ـ مهارات التحصيل الدراسي والتعامل مع الامتحان.
8ـ مهارات رسم الهدف.

* دور الأسرة في نجاح عملية التنشئة الاجتماعية السليمة لدى الأولاد
يكاد يجمع الباحثون، اليوم، على أن الأسرة هي الإطار المركزي لعملية التنشئة الاجتماعية. إذ إن التفاعل الاجتماعي المستمر، وعلى نحو متبادل، في إطار الأسرة، يؤدي إلى تكوين الملامح الأساس لشخصية الطفل وتشكيلها.  أما كيف تؤثر الأسرة في تحديد شخصية الطفل ولماذا تبقى الأكثر تأثيراً في تنشئته الاجتماعية، فذلك يعود إلى أن (الأسرة) تشتمل، بحكم وظائفها، على نسق من العلاقات يقوم بين أفرادها، حيث تعد العلاقة القائمة بين الأبوين محورها الأساس، إذ تعكس العلاقة الأبوية ما يسمى بالجو العاطفي للأسرة والذي يباشر تأثيراً كبيراً في عملية نمو الأطفال نفسياً ومعرفياً، أي في عملية التنشئة الاجتماعية. 

 فالسلوك، كما هو معروف، حصيلة دوافع. والدوافع تتشكل من المشاعر والمعارف التي يختزنها الأولاد. وحيث إن الأطفال، كما هو معروف، يتقمّصون شخصيات آبائهم ويتمثلون سلوكهم كنموذج تربوي بشكل شعوري أو لا شعوري، تتحوَّل العلاقة الأبوية إلى نمط سلوكي لأفراد الأسرة. ناهيك عن أن الأسرة تتضمن منظومة أخرى أيضاً من الأدوار: دور الأب، الأم، الزوجة، الزوج، الأخ، الأخت،... وأن كل دور من هذه الأدوار يجري وفق تصورات قائمة في ثقافة المجتمع العامة أو ثقافته الفرعية. وعليه، فإن هذه التصورات تنتقل إلى ذهن الولد لا محالة، كما ستنتقل إليه أيضاً، عبر المحاكاة، الأساليب السلوكية التي يستعملها الأهل في فعلهم وردات فعلهم أمام الأحداث المختلفة.

* تأثير العلاقات الأسرية على شخصية الطفل
لقد بيَّنت الدراسات الجارية في هذا الميدان أنَّ العلاقات المتوازنة بين الأب والأم والأولاد داخل الأسرة تؤدي إلى تحقيق التوازن التربوي والتكامل النفسي والقدرة على التكيُّف الاجتماعي في شخصية الأطفال. فالطفل يتعلَّم أول درس في الحب والكراهية في المنزل وتحت تأثير العلاقات الأسرية القائمة. والبيت الذي تسوده أجواء التفاهم بين أعضاء الأسرة جميعاً يكون خير موقع للطفل على المستوى الانفعالي. وعلى العكس من ذلك، فإن البيت الذي تسوده الخلافات العائلية وتشيع فيه روح الأنانية والحقد يؤدي إلى إصابة الطفل بالانحرافات والتوتر والقلق والخوف والميل إلى العزلة والانطواء وعدم القدرة على تبادل العواطف مع غيره من الأفراد.

* أهم وظائف الأسرة
انطلاقاً مما تقدم فإن العائلة، وبالرغم من كل تأثيرات زمن العولمة، ما زالت، في نظر علماء الاجتماع، الموقع الأساس لمهمة التربية الأولى، التي تعتبر المشكِّل الرئيس لشخصية الإنسان المستقبلية. ويزداد هذا التأثير كلما كانت الأسرة مصدرَ حبّ ومعينَ عطف وأمان.  فالوظيفتان الأساس للأسرة النواتية، إذاً، هما:
1ـ الوظيفة العاطفية: أي التفاعل العميق بين الزوجين معاً وبين الآباء والأبناء في منزل مستقل، مما يخلق وحدة أولية صغيرة تكون المصدر الأساس أو الرئيس للإشباع العاطفي لجميع أعضاء الأسرة. يقول السيد القائد "دام ظله": "أهم شيء يحتاج إليه البشر هو الاستقرار. سعادة الإنسان تكمن في أن يأمن من التلاطم والاضطراب الروحي وتتوفر لديه سكينة النفس. وهذا ما تمنحه العائلة للإنسان..." (1).
الوظيفة التعليمية والتدريبية على المهارات الحياتية الأساس: حيث يأتي التعليم والتدريب نظرياً وعملياً في آنٍ واحد من خلال مواقف حياتية واقعية، وهو أفضل وأثبت أنواع التعليم.

* خلاصات وتوصيات
استناداً لما تقدم، يتبيَّن لنا :

1ـ أن الإنسان في سنيّ حياته الأولى يحتاج إلى النمو في أسرة نواتية تهتم به شخصياً.
2ـ أن العنصر الأساس المؤثر في تكوين معتقدات الإنسان وتشكيل سلوكه يتم من خلال ما يسمع ويرى أمامه من مواقف وأساليب تعامل بين الوالدين من جهة وبينهما وبين الآخرين من إخوة وأقارب وأرحام وجيران.... من جهة أخرى.
3ـ بقدر ما يكون الإشباع العاطفي والإحساس بالأمان متمثلاً بين أفراد الأسرة بقدر ما يكون ارتباط الأولاد وتأثُّرهم بذويهم أكبر.
4ـ بقدر ما يلتفت الأهل إلى دورهم في تعليم أولادهم المهارات الحياتية مبكراً بقدر ما تنجح عملية التنشئة الاجتماعية.
5ـ في زمن العولمة الثقافية، حيث زعزعت مفاهيم اللذة والراحة والاستهلاك كل المنظومة القيمية، لا يمكننا تحصين أولادنا وتنشئتهم اجتماعياً بشكل متوازن وسليم إلاَّ في ظل أسر متميزة تسود فيها المودة والرحمة.

* قبل وبعد الزواج
إن تشييد مثل هذه الأسُّر، لا يمكن أن يتحقق عن طريق زيجات تنعقد بالصدفة أو بشكل مرتجل أو لمصالح شخصية أو مادية، بل يحتاج إلى:
1ـ عمل وقائي (قبل الزواج) عبر:
أـ تنشئة الأولاد، شباب وشابات المستقبل، تنشئةً إيمانية وأخلاقية متينة.
ب الإعداد المسبق للشباب والشابات، أزواج المستقبل، لمهام الزوجية والوالدية (تقسيم الأعمال التدبير المنزلي أصول تربية الأولاد....).
ج التعامل مع أي مشروع زواج تعامل المسؤول عن تشييد صرح مؤسسة لا بد لها من دراسة، بشكل موضوعي وليس بشكل عاطفي وحسب.
د تضمين العقد كل الشروط اللازمة بحسب الظروف الخاصة لكل من الزوجين وبالشكل الذي يضمن أكبر قدرٍ من التوافق.

2-عمل إجرائي (بعد الزواج) عبر:
أـ المسارعة للدعم والمساندة من قبل الأهل والمؤسسات الاجتماعية في بداية الحياة الزوجية، إذا دعت الحاجة.
ب- الاستعانة بالجهات المختصة (مرشدين أسريين أطباء...) عند بدء الإحساس بعدم التوافق (الجنسي والنفسي...) وعدم ترك الأمور تتراكم.
ج- استحداث القوانين اللازمة لحماية كيان الأسرة من التصدع وتوفير سبل الدعم الاقتصادي والتطوير التربوي والعلمي لجميع عناصرها وبالذات المرأة الأم التي يرتكز عليها الدور الأساس في عملية التنشئة الاجتماعية. يقول السيد القائد "دام ظله": "السبب في كل هذا الاهتمام الذي يوليه الإسلام لدور المرأة في العائلة هو أن المرأة إذا التزمت بالعائلة وأحبتها واهتمت بتربية الأبناء ورعتهم وأرضعتهم وأنشأتهم في حجرها ووفرت لهم الزاد الثقافي – القصص والأحكام والحكايات القرآنية والأحداث ذات العبرة وغذتهم به في كل فرصة تسنح كما تغذيهم بالطعام الجسماني فإن الأجيال في ذلك المجتمع سترشد وتترعرع" (2).
د- عدم الاستنكاف من الاحتكام إلى رأي الشرع وتطبيق قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَانٍ (البقرة: 299) عند فشل مساعي المختصين، فإن الانفصال الهادئ أقل خطراً على التنشئة الاجتماعية للأولاد من الاستمرار في حياة مشحونة بالقلق والبغضاء.


(*) باحثة إسلامية في الشأن التربوي والأسري.
(1) من خطبة للإمام القائد دام ظلّه حول دور الأسرة في المجتمع.
(2) من خطبة للإمام القائد دام ظلّه حول دور الأسرة في المجتمع.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع