منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

إعرف عدوّك: دعوة إلى إعادة التاريخ‏ "المسيح ليس يهودياً"

حسن زعرور


تمزقت دويلة الوهم اليهودي عقب موت سليمان، وأدى الطمع وحبّ الامتلاك إلى قيام صراع دموي بين يهوذا والسامرة، ذهب بثلث الوجود اليهودي، ثم قضى السبي البابلي بعدها من بقي منهم.

* حفاظاً على نقاوة الدم اليهودي‏
كان اليهود في تلك الحقبة دعاة توحيد، غير أن هذا التوحيد قام ولمّا يزل على مقومات عنصرية جعلت من الإله المعبود إلهاً خاصاً باليهود وحدهم "أسكن بينكم وأكون لكم إلهاً وأنتم لي شعباً" يستقوون به على انهزاميتهم وانكسارهم "أرسل هيبتي أمامك وأكسر جميع الغوييم"(1)، إله خُلق من ذهانية دونية يهودية تسعى للانتقام من البشر "في الوقت المحدد يضرب الرب جميع الغوييم"(2) مما يسهّل لاحقاً استعبادهم بعد قضاء الرب عليهم "ليصبح الشعب (أي شعب الرب اليهودي) مؤهلاً لحكم العالم"(3)، وذلك استوجب وضع نظم دينية واجتماعية خاصة باليهود حفاظاً على نقاوة الدم اليهودي من الاختلاط مع بقية البشر، هذه النظم طبقت ولا تزال بقسوة وصرامة، وعوقب المخلّون بها ولو كانوا من الكهنة "ومن بني الكهنة بنو حبايا... الذي أخذ إمرأة الجلعاوي... فرذلوا من الكهنة"(4)،

هذا الأمر دفع تلامذة المسيح لخلق نسب له من عندياتهم ودون مسوغ تاريخي أو أثري معروف حتى لدى اليهود أنفسهم. ونرى أنه "لما وقع السبي البابلي أصّعد عليهم (أي اليهود) ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم ولم يشفق على فتى أو عذراء أو شيخ"(5)، وبعد العودة من بابل فتك انطوخيوس أبيفانس (175ق.م) بنسل من عاد، وأكمل بومبي (70ق.م) عملية الفتك بهم، حتى أنه وعند ظهور المسيح كان يهود الشتات ستة أضعاف الباقين بعكس ما ادَّعاه العهد القديم من أن كل سكان فلسطين في تلك الحقبة كانوا يهوداً. كانت مجموعة الحواريين بعد المسيح طائفة يهودية صغيرة تنصَّرت ومارست ديانتها في المعابد والأداء اليهوديين، ثم قام المجمع المسكوني 49م بحل المنتسبين إليه من تطبيق أركان العبادة اليهودية وهو ما رفضه المسيحيون الأوائل، مما أدى إلى قيام نمطين عباديين: المسيحية البولسية، والمسيحية اليهودية من اتباع جاك قريب المسيح، وخلفه سيمون جاكا ابن كاليوبا ابن عم المسيح.

* ادعاءات اليهودية في نسب المسيح‏
قامت المسيحية اليهودية بوضع المقدمة للأناجيل من مثال "مأثورات كليمنت" و"الفضائل الكليمنتية" و"نهاية العالم" و"انجيلي توما" عدّت كلها مزورة بعد انتصار المسيحية البولسية، غير أن أثرها بقي وبقوة في الفكر الديني العبادي المسيحي الذي اعتمدته الأناجيل الأربعة الرسمية، وخصوصاً في إعادة نسب يسوع المسيح إلى داوود. فالرسول "متى"، كتب إنجيله لإظهار أن قدوم المسيح جاء بهدف إكمال الدين اليهودي وتقويمه، واعتبر متى أن يسوع هو الميسيا الذي ينتظره اليهود(6) "إذهبوا إلى خراف إسرائيل الضالة"، كان "متى" يهودياً واسمه ليفي، عمل في الضرائب قبل التحاقه بيسوع، وكان مشبعاً بالفكر العبادي اليهودي لذا ردّ نسب يسوع إلى داوود، علماً أن "متى" نفسه لا يقدّم أدلة جلية عن ذلك بل على الأصح يقيم نقضاً كما سنرى "أنه في مولد يسوع المسيح ابن داوود ابن ابراهيم... ابن يهوذا، ابن منسّى، ابن يعقوب، ويعقوب ولد يوسف زوج مريم ومن مريم ولد يسوع الذي يقال له المسيح" ثم يكمل ناقضاً هذا الزعم "ومولد يسوع كان هكذا: خطبت أمه مريم إلى يوسف، وقبل أن تساكنه (!!) وجدت حاملة من روح القدس" فكيف يكون يسوع يهودياً إذاً وما صلته بداوود". وأما لوقا فأورد في إنجيله عن يسوع أنه "كان على ما يظن (؟؟) ابن يوسف بن هالي (!!) "ويتابع "أرسل اللَّه الملاك جبريل إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة، إلى عذارء (!!) مخطوبة، واسم الخاطب يوسف من نسل داوود، وقال لها الملاك، روح قدس يهبط عليك من لدن العلي وسيدعى المولود قوساً"، وعلى الرغم من هذه الثوابت التي يذكرها لوقا، يعود ومن دون أي مسوغ تاريخي لربط نسب يسوع باليهود مناقضاً نفسه فيقول "انه يسوع بن يوسف بن عالي (!!) بن مثاث بن لاوي... بن... بن ناتان بن داود"(7).

اللافت للنظر هنا أن متى ولوقا يختلفان في نسب يسوع وأجداده كلياً عند إعادته في النسب إلى داوود، فمتّى يقول أن والد يوسف زوج مريم يدعى يعقوب، ولوقا يقول أنه هالي، ومن بين خمسين جداً في النسب لا يتفقان إلا على ثلاثة جدود هم زربابل. شألتنيل، والياقيم، كما أن متى أورد جداً ليسوع يدعى يكينا 598ق.م قال عنه الانجيل نفسه أنه أي يكينا كان عاقراً لا ينجب؟ فهل هذا مستند تاريخي لإثبات أن يسوع كان يهودياً؟ وهل يعقل ذلك؟ ثم لماذا لم يفتخر عيسى عليه السلام بنفسه أنه من ولد داوود، ولم يذكر ذلك لا صراحة ولا تلميحاً؟ لقد أنكر القديس إيرنياوس، والقديس جوستين في كتاب "ديا طسرون الأناجيل الأربعة" المنصوص باليونانية عام 200م والأقرب إلى عصر المسيح من غيره، أن يكون يسوع ابناً لداوود(8)، ثم أن المسيح نفسه حاجج أحبار اليهود وسألهم "ابن من المسيح" قالوا "ابن داوود" قال فكيف يقول الرب لربي إذاً إجلس عن يميني"(9)؟. وإن عدنا إلى المفسرين الكاثوليك أمثال بيرو وبنوا وبوامار لوجدنا لديهم إيضاحاً ينص على أن ربط المسيح بالنسب اليهودي يعود إلى القرن الرابع بعد الميلاد على يد المسيحيين المتهودين(10)، وأما بقية الأناجيل فأغفلت كلياً نسب يسوع أو التصاقه باليهودية علماً أن مرقس كان ترجماناً لبولس وبطرس ومرافقاً لهما وعدم تطرقه لنسب يسوع اليهودي دليلٌ على عدم بحث بولس وبطرس في هذه المسألة أو اعتقادهما بها.

* مقولات غير موثقة
لم يعترف اليهود بمجي‏ء الميسيا المنتظر مطلقاً، أو بنبوة ورسالة يسوع، وأطلقوا عليه أنعاتاً مذلة، فهو تارة "بن شاريش إيتيم" أي ابن الحطاب، أو "تالوي" وتعني المشنوق، و"بن ستادا" أي ابن العاهرة(11). وانه "مات كبهيمة ودفن مع الكلاب النافقة"(12)، وأما مولده وعلى لسان أمه بحسب زعمهم أنه "ليلة عرسي كنت حائضاً فهجرني زوجي، غير أن روحاً شريرة ضاجعتني فكان ابني هذا نتيجة ذلك"(13)، وروجوا في ذلك الزمن أن والده سكير مدمن على الخمر يدعى يوسف بن بنديرا". يقول الدكتور فيليب تشاف(14) عن التلمود أنه "كومة من النفايات اليهودية" لذا لا يمكن اعتبار أفكاره وما ينتج عنها مستنداً تاريخياً، لقد اعتقد اليهود بفكرة قيام مخلّص للشعب اليهودي من ذلّ الأمميين حولهم، وإقامة سيطرتهم على العالم، وانتظروا هذا الميسيا حتى القرن الرابع الميلادي دون جدوى، وهي المرحلة عينها التي شهدت ترويجاً لكون أو لفكرة أن يسوع هو ابن داوود، وهي الفكرة عينها وهي الفترة عينها التي شهدت ترويجات يهودية عدَّة، منها أن الميسيا حي يرزق مختف عن الأنظار ينتظر حكمة يهوه كي يحكم العالم، ومنها تأكيد أنه أي الميسيا ولد في اليوم الأول لتدمير الهيكل. كما أن هناك ميسيانيون يهود كثر لعبوا على الوتر عينه حتى أضاعوا أتباع المسيح عن الحقيقة وبات سؤالهم من منطلق الشك، هل أن عيسى هو المسيح المنتظر فعلاً؟ وكيف يمكن التوفيق بين ما يقوله التوراة حوله والواقع، لذا كان على يسوع أن يكون من نسل داوود لإعطائه مصداقية التوراة. إن يسوع المسيح عليه السلام هو رسالة إيمانية كلية قائمة بذاتها وغير تابعة لا في الجسد لداوود ولا في الروح لليهودية، ومن الإجحاف التاريخي إخضاع نسبه لمقولات زائفة غير موثقة حتى في الأناجيل الأربعة المعترف بها.


(1) خروج 27 -33.
(2) زكراي 12-94
(3) حزقيال 20 -5.
(4) عزرا 2.
(5) أخبار الأيام الثاني 36.
(6) متى 10.
(7) لوقا 24.
(8) الأصول الكنعانية المسيحية الفصل الرابع ص 79ر فايز مقدسي.
(9) متى 41-22.
(10) النسخة الكاثوليكية الجديدة اليسوعية طبعة 1989 ص 308.
(11) كاللاه 186.
(12) زوهار 282.
(13) تولدوث جيشو.
(14) تاريخ الكنيسة المسيحية د. فيليب تشاف.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع