مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

دور الإعلام في صناعة المجتمع المقاوم في لبنان


الدكتور عباس مزنر


لا يمكن الحديث عن مجتمع لبناني مقاوم في ظل التعددية الثقافية والطائفية وفي ظل الانقسام السياسي والطائفي، ولم يكن موضوع المقاومة محلّ إجماع عند اللبنانيين، بل اختلف هؤلاء في تعريفها وجدواها وأثرها طيلة ما يقرب من عقدين من الزمن ولا تزال مقاومة الاحتلال مثار جدل وولاء ومعارضة من قِبَل مختلف الطوائف والقوى اللبنانية. ولذا فإن الحديث عن مجتمع مقاوم في المطلق إنما هو من باب الحرص على خطاب سياسي وطني وحدوي يحاول جمع اللبنانيين أو على الأقل النأي عن إثارة انقسامهم وتناحرهم وتشتتهم.. في ظل عدو متربص بالبلاد والعباد ولئن بقي اللبنانيون على ما هم عليه فإن هذا الخطاب الوطني كان يحمل قيماً ايجابية سامية تترجم صورة يتوق للتماهي فيها كل لبناني وعربي لتعيد له الثقة بالذات وتعيد له العزة والكرامة.. التي افتقدها طيلة تلك العقود حين كان مسحوقاً ومتخلفاً كما وصفوه يشبه عرب البادية الرحَّل الذين يمضون سنيّ أعمارهم في الصحراء والبوادي سعياً خلف الماء والكلأ.

ولذا فإن تلك المقاومة التي استطاعت أن تصنع هذا النموذج الجديد للعربي الأقوى والأقدر.. كانت محل إعجاب وتقدير حتى عند أولئك الذين لم يعترفوا بها أو لم يقتنعوا بجدواها ولكنهم سلَّموا من بعدها بقدرتها ونجاحاتها أمام عدو يمتلك أحدث الأسلحة وأسباب القوة.. ولذا يمكن القول أن المقاومة ترجمت تلك القيم العظيمة لتلك الصورة الرائدة للمقاوم العربي المسلم ونجحت في تقديم خطاب إعلامي إسلامي وطني وحدوي ومقاوم. وإن لم يستطع الخطاب المقاوم صناعة مجتمع مقاوم يضم كل الفئات والأطراف والقوى فانه استطاع أن ينتج الأجواء والظواهر الاجتماعية والمفردات التي تترجم ثقافة المقاومة. وبالمقابل فإن المقاومة استطاعت أن تخاطب مجتمعاً وجماعة أو جماعات أسست لمجتمع مقاوم، وهذا المجتمع كان في البداية يمتلك تلك اللغة والثقافة والرموز.. التي رسَّخت المقاومة على أساسها خطابها الإعلامي التعبوي. هذه التعبئة اعتمدت الخطاب الجهادي وهو في جذوره يمتد إلى التشريع والتاريخ والثقافة الإسلامية وهو يستهوي أيضاً تلك الحركات الوطنية التي كانت تعتمد النضال للتحرير ومواجهة العدو الصهيوني.. ولكن هذه التعبئة الدينية كانت ذات قوة عظيمة خاصة وأنها تعتمد على القوة الإلهية المطلقة وهي إعجازية و"أسطورية" كما يحلو للبعض أن يسميها عندما يعجز عن تفسير كنهها.

ولذا فإن هذا الخطاب كان يخرج في عرف المحللين عن السنن والأعراف السائدة في المجتمعات العلمانية أو غير الدينية ولكنه، أي الخطاب، كان يترجم تاريخاً عربياً صفحاته تأبى الضيم والمظلومية وتنادي بالثأر من الظالمين... هذا التاريخ جسَّد بقوة شخصية عربية إسلامية انفعالية، أي ذات مشاعر مرهفة ومزاج سريع التأثر تمتلك من الحس الوجداني الإنساني ما كان يشكل أو يتشكل في لغة الأدب والشعر والحكمة والأمثال.. وفي نمط العيش وإكرام الضيف ونصرة الملهوف وإيواء الضال وحماية الجار والقيام للجهاد ونصرة المستضعفين، وقد تبين في عدة دراسات أن العرب يجدون في العروبة قيم الإسلام ولذا فإنهم لا يفصلون هذه القومية عن الدين وقيمه ورسالته. ولذا تجد أن هذه المقاومة قد حظيت بتأييد وحماس كبيرين في العالم العربي وكذلك في انتفاضة فلسطين وكان للدين الدور الكبير في هذا الإحياء وكان للشخصية العربية والإسلامية الدور الآخر في إمكانية قيام مجتمع إسلامي مقاوم تجد فيه الروح العربية والقومية في الإسلام هويتها. ولعل في لبنان وفلسطين الأمثلة الشاهدة على ما ذكرنا، وننقل مثالاً آخر(1) من مصر عام 1967 حين اخترقت الدبابات الصهيونية ثغرة "الدفرسوار" ما بين الجيشين المصري الأول والثاني واتجهت نحو مدينة السويس قادمة من صوب القاهرة وقد ظن المصريون أنها دباباتهم ولما وصلت بين الحشود وكشف أمرها لم يبق منها أثر إذ مزَّقها الجمهور الغاضب شرّ تمزيق وتركها حطاماً لا تزال هياكلها في "بور سعيد" تشهد على ذلك.

لكن هذه البطولات طُمست ولا يزال الإعلام العربي يطمس هذه الشخصية وهذه الروح الجهادية وهذا ما ميَّز إعلام المقاومة إعلام الحقيقة الذي يتميز بالشفافية والمصداقية والحرية المسؤولة في ظل التعتيم والمسخ المجحف بحق الشعوب العربية. هذا الإعلام الإسلامي وبالتحديد الإعلام المقاوِم لم يصنع تلك الروح الجهادية وتلك الروح الاستشهادية إنما عمد إلى ترجمتها وإذكائها وتغذيتها بحب الجهاد والتفاني والفداء. وهكذا كان ولا يزال الإعلام المقاوِم المرآة التي تعكس صورة وطموحات وآمال.. الشعوب العربية والإسلامية وهو بذلك يستطيع تعبئة وتجييش الأمة العربية خاصة خلال التحديات الكبرى كالحروب أو الانتفاضات وقد كان للفضائيات العربية بعض هذا الدور الخجول خلال انتفاضة الأقصى. وكان للإعلام المقاوم الدور الأكبر في صناعة مجتمع المقاومة في لبنان وفلسطين، أما لماذا كان للإعلام المقاوم هذا الدور فذلك عائد لعدة أسباب نذكر منها:

1- إن هذا الإعلام يترجم حالة جهادية حقيقية وينقل صور ووقائع جهادها ضد العدو من خلال العمليات المصورة لأحداث الهجوم والاقتحامات وأسر الجنود الصهاينة وعملائهم.

2- هذا الإعلام هو لسان حال المقاومة الإسلامية وهو بالتالي جزء لا يتجزأ من هذه المقاومة والحزب، وقد استشهد بعض إعلامييه وتعرض آخرون للخطر والاستشهاد وأصبحت وسائل إعلامه مثار تهديد صهيوني بالقصف والتدمير وحرب نيسان 1996 شهدت بعض فصول هذه الحرب.

3- لقد خاض إعلام المقاومة دون غيره الحرب النفسية ضد العدو واستطاع هزيمة الإرادة الصهيونية ومسخ صورة الجندي الصهيوني الجبان.

4- لم يتأثر هذا الإعلام كغيره بخطاب الأنظمة العربية وسياساتها الاستسلامية لذا فقد كان بالرغم من إمكانياته المتواضعة وكادره الشاب وغير المحترف.. أن يكوِّن أصدق أنواع الإعلام على الإطلاق.. ولذا فقد كان مثار اهتمام حتى من قِبَل الأعداء.

5- لقد ترجم هذا الإعلام طموحات وآمال الشعوب العربية التي عرفت تاريخاً مذلاً من الهزائم والاستسلام والاتفاقيات مع العدو، بينما كان هو ولا يزال يدعو لخيار العزة والكرامة.. وقد نجح في ذلك حين حققت مقاومته الانتصار التاريخي في أواخر القرن الماضي.

6- لقد استطاع هذا الإعلام ومن خلال الرمز القائد أن يجمع الأمة حول القطب الرئيس الذي افلح بدوره في خطاب الأمة وتحريضها على القيام والثورة والاستشهاد. وقد كان لمفهوم الإمامية الاثنى عشرية واعتقادها بالإمام ونائبه الولي الفقيه الدور الأعظم في تماسك الحزب المقاوِم وأشياعه ومواليه من حوله فكانوا كالرجل الواحد والبنيان الواحد في الشدائد والمحن.

7- لقد كان لثقافة الاستشهاد ونهجها دور كبير في مواجهة العدو حتى حين تتنحى الأمة وتنكس أمام جبروت العدو لقد بدأت العمليات الاستشهادية في أيام الاجتياح الأولى عام 1982 حين تهاوى مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور.

8- لا يمكن للباحث أن يغفل أهمية الدور العظيم للثورة الإسلامية المباركة في تعزيز نهج الشهادة والاستشهاد وفي ولادة خيار الجهاد والمقاومة منذ ولادة هذا الحزب والإعلان التاريخي عن الرسالة المفتوحة التي أسست لعلاقة ثابتة وإستراتيجية بين الحزب والثورة الإسلامية.

وفي هذا السياق يقول الباحث بلقزيز في كتابه "المقاومة وتحرير جنوب لبنان:
"إن ثمة تاريخاً خاصاً يهم شيعة لبنان أكثر من غيرهم من دون أن يعني ذلك انه لا يهم غيرهم أولاً، والتاريخ ذاك الذي عنينا هو الثورة الايرانية التي تربط جنوب لبنان، وبقاعه بها أمتن الأواصر وأقوى الوشائج. قدمت ثورة إيران دليلاً على قدرة المسلمين الإمامية منهم بخاصة على كسر شوكة قوة متغطرسة من نوع تلك التي مثلها نظام الشاه محمد رضا بهلوي: المحميّ: من أمريكا و"إسرائيل" وكان واضحاً أن ذلك حصل بتأثير صحوة الفكر الاستشهادية (...)". وهكذا اغتذى حزب الله من هذا النهج الاستشهادي للثورة وإمامها وأصبح التاريخ الثقافي للحزب يؤطّر ويتمركز في صلب "فكرة الاستشهاد الإسلامية الشيعية، وتمارس فيه سلطة مرجعية يرقى التجاوب معها إلى مرتبة العمل بالواجب الشرعي المقدس" كما يضيف بلقزيز(2). هذه الثقافة الاستشهادية هي التي دفعت خطاب الحزب ومفرداته الإعلامية حتى تحولت لغته إلى لغة الشهادة والحب والعشق المقدس للعروج نحو الملأ الأعلى وتحوَّل المجتمع مجتمع الموالين والمحبين من أبناء حزب الله إلى مجتمع مقاومة وشهادة وتجلى ذلك في الأنشودة والملصق والشعار واليافطة والبرنامج والدراما والفلاش وظهر فيض من هذا في الإعلام المرئي وسبقه نتاج غزير من "اللطميات" و"الندبيات" العاشورائية التي تخلّد الجهاد وحب الشهادة الحسيني، وقد طغت هذه الثقافة التعبوية السمعية طيلة العقود الماضية حتى التسعينات وحتى النصف الأخير منها حين برز الفيديو كليب أو الفلاش التلفزيوني في الدور الأكبر في تأجيج الروح الجهادية الاستشهادية لما للصورة من أثر كبير في التحريض ومخاطبة الجوارح والانفعال الجمعي والمخيال الإسلامي والشيعي.

لقد استطاعت هذه الثقافة إعادة بعث التاريخ الإسلامي الجهادي والعربي واستطاعت إحياء التاريخ الكربلائي، تاريخ الاستشهاد والفداء وهي لم تفارق في كل ذلك صورة الحاضر ومظلومية أبنائه وقهرهم.. هذا الإحياء التاريخي لم يكن ثقافة وفكراً وتاريخاً فقط بل كان في التراث الإسلامي الشيعي يترجم منسكاً وشعائر عبادية تتمثل في عاشوراء ومجالسها التي يحييها الإماميون في الكثير من المناسبات وقد كان لها الدور الأكبر في تحريض هؤلاء وثورتهم على الظالمين في أكثر من بقعة من بقاع المسلمين على مرّ التاريخ. هذه الثقافة الجهادية الاستشهادية عظمت وأصبحت ذات قدسية بعد أن تعممت وخرجت من إطارها الصغير في حلقات المجالس والحسينيات والمساجد إلى الجمهور الأكبر في كل البلاد وساهمت بالتالي في ترسيخ "الانفعال الجمعي" وتوحد الموالين لهذا النهج الاستشهادي، وعندما توحد الزي واللباس والشعار والمنسك والشعيرة وحتى الخطاب الديني والسياسي الجهادي (وأصبح خطاباً مركزياً) وحين توحَّد المستضعفون أبناء عاملة والبقاع في تاريخ حافل بالمظلومية والقهر.. حين توحد الجميع في المشهد المتلفز أيضاً وفي لغة التعبئة والتحريض في اللغة الحسينية بدأ المجتمع يشعر بتماسكه وتوحده في المصير أكثر من ذي قبل خاصة حين بدأ العدو يتهدد كل البلاد والعباد. وعند التحديات تتوحد الأمة في مشاعرها ووجدانها وتطلعاتها.. وقد ترجم إعلام المقاومة هذه التحديات بقوة فساهم أعظم مساهمة في استشعار الخطر وفي الوقت عينه جعل المقاومة أفضل مخرج للمواجهة والانتصار بعيداً عن كل خيارات الذل والاستسلام.


(1) هذا المثال سينقله د.محمد طي في "مقالات في المقاومة والانتصار" دار البلاغة، بيروت، 2001.
(2) د.بلقزيز، عبد الإله "المقاومة وتحرير جنوب لبنان" مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع