مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

أول الكلام: فما له من هاد

السيد علي عباس الموسوي

لم يخلقِ الله عزّ وجلّ الكون إلّا لحكمةٍ قضاها. والأفعال الإلهية كلّها خاضعة لحكمته، ومن ذلك خِلقة الإنسان، الذي أراد الله عزّ وجلّ له الوصول إلى مقام الخلافة الإلهيّة ووراثة هذه الأرض, ولكن بإرادة منه واختيار، ولذا ترك له أمر اختيار أحد النجدين ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان: 3).

ومع هذا الاختيار الذي جعله الله له، لم يهمله تشريعاً، بل واتر له الأنبياء والرسل والحجج التي توضح له الطريق القويم وترشده إلى السبيل الأمثل له للفوز وللنجاة، ولضمان حياة سعيدة في الدنيا والآخرة.
ولكن، مع ذلك، تجد أن أكثر الناس لم يذهبوا إلى اتِّباع ما اختاره الله عزّ وجل لهم وما فيه صلاحهم، بل قدّموا ما في هذه العاجلة على الرغم من يقينهم بفنائهم على ما في الآجلة مع يقينهم ببقائهم ودوامهم فيها.
وأعجب ما في أمر أهل الكفر والضلال، أنّهم يَلِجون متاهات الضلال مع معرفتهم بعاقبتها وإدراكهم بنهايتها المظلمة، فأي سرّ يدفعهم إلى ذلك وما الذي يجعلهم يتمسّكون بما فيه هلاكهم وعذابهم؟

يحدّثنا القرآن الكريم عن ذلك ضمن أسباب ثلاثة يوضح فيها حقيقة الدافع الذي يودي بهم في هذه المهالك:

العامل الأول: التزيين، وهذا الفعل، كما هو معلوم، يجعل من الأمر القبيح حسناً، لأنه يضفي عليه من الصفات العارضة الخارجة عن حقيقته ما يجعل الناظر إليه يتصوّره جميلاً، ويتحقق ذلك إمّا بالتجهيل بمعنى إخفاء العيوب وإيجاد الحائل بين الواقع وبين الرؤية الصحيحة له، وإمّا بالعمل على تبديل المفاهيم وتصوير ما هو عيب في الواقع على أنه أمر حسن بحسب التصوّر الذهني والمفاهيم التي تتحكم في مسار الإنسان وخياراته، ومتى رأى العيب حسناً أقدم عليه وعلى ارتكابه ولحِقت به أضراره وآثامه.

العامل الثاني: الصدّ، فالإنسان، حتّى الضالّ، قد يرى الخير خيراً، وقد يراه حسناً، ويتجاوز المرحلة الأولى التي تدفعه عادة للإقدام عليه وفعله، ولكن يأتي مَنْ يصدّه ويمنعه، فيخلق الموانع أمامه، فقابلية النفس لفعل الخير تتحقق ولكن العائق يحول بينها وبين فعله، وللشيطان، من الجنّ كان أو من الإنس، أساليبه المتعددة التي يتمكّن من خلالها من صرف الإنسان عن همّة فعل الخير وذلك إما بتثبيط العزائم أو بتصوير بعض النتائج المترتبة على الفعل على أنها خسائر هو في غنى عنها، وأنه ما الداعي لأن يتحمّلها دون غيرها.

العامل الثالث: الإضلال الإلهي، ولا شكّ في أنّ الله عزّ وجلّ لم يُرِد لعباده إلّا الخير، ولا يريد لهم إلّا الهداية، وما إرساله للحجج والبيّنات إلّا خير شاهد على ذلك، ولكن الله عزّ وجلّ، وضمن نظام الأسباب والمسبّبات، قد يخصّ بعض عباده بنعمة الهداية التي كان نصيب هؤلاء الحرمان منها؛ لأنّ أسباب هدايتهم وبفعلٍ منهم لم تتوافر لكي يكونوا أهلاً للهداية، كالرزق، فإنه من عند الله عزّ وجلّ، ولكن على الإنسان السعي إليه من خلال العمل على توفير أسبابه، كما أن الإضلال الإلهي هو انعكاس لعمل أهل الضلال فهم الذين يسبّبونه لأنفسهم من خلال ما يقومون به، والله عزّ وجلّ لا يريد لهم ذلك، ولكن متى ارتكبوا أسباب ذلك لا بدّ وأن ينالهم هذا الإضلال.

إن حال الكفر اليوم هو على هذا المنوال، فهم مصداق قوله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (الرعد: 33).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع