مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

مع القائد: الشيخ المفيد ودوره

الشيخ المفيد ودوره في إيجاد الأساس المنطقي للجمع بين العقل والنقل في الفقه والكلام‏


هذه الحلقة الرابعة والأخيرة من نص الدراسة التي قدمها ولي أمر المسلمين آية الله العظمى الخامنئي "مد ظله العالي" إلى المؤتمر الذي انعقد في الذكرى الألفية للشيخ المفيد رضي الله عنه . وكان سماحة القائد "حفظه المولى" قد أشار في الحلقات الماضية إلى الدور الكبير للشيخ المفيد في حفظ وتثبيت هوية التشيع. كما في التأسيس لإطار علمي صحيح للفقه الشيعي.
 

في هذه الحلقة نتابع سوياً بيان القائد لدور المفيد في إيجاد الأساس المنطقي للجمع بين العقل والنقل في كلا الحقلين: الفقه والكلام.
هذا هو عنوان البعد الثالث من جوانب شخصية شيخنا الجليل، والذي ظهر فيه الشيخ بدور المؤسس وواضع حلقة البداية في الحركة العلمية للشيعة.
 

فعلى هذا الصعيد خطّ الشيخ الجليل مساراً جديداً بين عقلانية المعتزلة المطلقة ومن اتبعهم من الشيعة - أمثال بني نوبخت - وبين طريقة الصدوق الحديثية.
فالمعتزلة تأثروا بقوة، في عصر رواج الاعتزال أواخر الدورة الأولى للخلافة العباسية "انتهت أواسط القرن الثالث الهجري"، باتجاهات الأفكار الفلسفية الغربية "اليونانية، الفارسية، الهندية، وغيرها" التي نفذت ترجماتها إلى عالم الإسلام. وفي هذا الاتجاه مال الخلفاء، خصوصاً المأمون، إلى تشجيع تلك الاتجاهات الغريبة الدخيلة؛ والنزعة الاعتزالية معاً.
لذا انبثق رد الفعل على هذا المنحى العقلي الإفراطي متمثلاً بمدرسة أصحاب الحديث لدى أهل السنة وحركة المحدّثين الشيعة كالصدوق رحمه الله وكان هدف الحركة أن تفهم المعارف الكلامية والعقيدية عن طريق الحديث دفعة واحدة.
 

إنّ الإنجاز الكبير للمفيد في هذا المجال، تمثل في إثبات أنّ العقل لا يستطيع مستقلاً أن يفهم "يعقل" كل المباحث المتداولة في علم الكلام. على سبيل المثال يستطيع العقل أن يصل بمدد الوحي إلى أفق معرفة صحيحة في باب صفات الباري مثل الإرادة والسمع والبصر ونظائرها. أما لو ولج هذا الوادي المتصل بالحق "جلّ وعلا" لوحده فسينحدر إلى تيه الضلال.
إذاً، لم يهدف المفيد إلى حرمان العقل من العمل في الفضاء المتعلق به - والذي لا سبيل فيه إلى السمع والوحي - أي مجال إثبات الصانع والاستدلال على وجود الله، أو إثبات التوحيد والنبوة العامة، وإنما عنى بمحدودية العقل المثل الحدود التي وضعها خالق العقل للعقل، كي لا يقع في الضلال.
 

فعبارة الشيخ في "أوائل المقالات" هكذا: "إن استحقاق القديم سبحانه بهذه الصفات "أعني كونه تعالى سميعاً بصيراً ورائياً مدركاً كلها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول" وفي مكان آخر: "إن كلام الله تعالى محدث وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم. وفي مكان ثالث يقول: "إنّ الله تعالى مريد من جهة السمع والأتباع والتسليم على حسب ما جاء في القرآن، ولا أوجب ذلك من جهة العقول".
 

وفي مكان آخر يقول على نحو كلي: "اتفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في عمله ونتائجه إلى السمع، وأنه غير منفك عن سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال... وأجمعت المعتزلة... على خلاف ذلك وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع والتوفيق".
إنّ أمثال هذه النصوص كثير في كلمات المفيد. ومع ذك فهو يقبل سندية النقل في المكان الذي لا يقوم البرهان العقلي على امتناعه، ولذلك نراه في باب ظهور المعجزات عن الأئمة عليهم السلام يقول قبل أن يذكر الدليل السمعي عليها: "فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلاً ولا ممتنع قياساً" ثم يكرر نظير هذا الكلام في موارد أخرى.
بيد أنه في "تصحيح اعتقادات الإمامية" الذي هو تعليق على "اعتقادات الشيخ الصدوق" نراه - بعد أن يحكم بردّ الحديث المخالف للقرآن - يقول بصيغة أكثر صراحة من أي مكان آخر: "وكذلك إن وجدنا حديثاً يخالف أحكام العقول طرحناه، لقضية العقل بفساده".
ففي هذا البيان علاوة على ردّه الحديث المخالف لحكم العقل تراه يجعل معياره في ذلك ومبناه هو العقل أيضاً.
وبهذا الشكل يؤكد على نحو مضاعف من حجية الاستدلال العقلي.

إنّ الاعتماد على الاستدلال العقلي في المدرسة المستقلة للشيخ المفيد وصل حداً بحيث أنه يقول في بحث "الألم للمصلحة دون العوض" وبنفس لا يضارع؛ بعد أن يؤكد على فرادة رأيه وعدم الاشتراك به مع أي من العدلية والمرجئة: "وقد جمعت فيه بين أصول يختص بي جمعها دون وافقني في العدل والأرجاء، بما كشف لي في النظر عن صحته، ولم يوحشني من خالف فيه، إذ بالحجة لي أتم أنس، ولا وحشة من حق والحمد لله". وحين نأخذ بنظر الاعتبار أن البحث في الألم ومسألة اللطف وما يتفرّع عنها من بحوث، إنما يستند عموماً إلى الأدلة العقلية - وليس السمعية - فنستبين من ذلك أن مراده بالحجة في تعبيره الآنف، هو الاستدلال العقلي نفسه.
 

إنّ دخول عنصر "السمع" في بناء المدرسة الكلامية للشيخ المفيد استوجب أن تأخذ الكثير من المباحث الصعبة التي يحتاج استخلاص الرأي الحق فيها مسيراً طويلاً، مكانها بسهولة في الإطار الكلامي الكلي لهذا الرمز الكبير، وذك عبر استمداد كلمات الأئمة عليهم السلام وبيااتهم، ولما يفضي فيما بعد إلى سلامة المسار الكلامي للشيعة بعد المفيد، وبقائه بعيداً عن الانحرافات والاضطرابات الفكرية، على سبيل المثلا يمكن أن نشير إلى مسألة صفات الباري، وكيف قطعت شوطاً طويلاً لدى المعتزلة، حيث بدأت بنفي الصفات كما في كلمات واصل بن عطاء واعتماد نظرية نيابة الذات عن الصفات، إلى أن استقرت في نظرية التوحد بمعنى عدم زيادة الصفات على الذات وأنّ صفات الحق تعالى هي عين ذاته في الوجود.
 

في حين حسمت هذه المسألة في كلمات المفيد عبر الاستناد إلى السمع، أي إلى نهج البلاغة والروايات الصادرة عن الأئمة عليهم السلام بل نستفيد من هذه الروايات أن هذه البحوث كانت متداولة بين الشيعة في عصر الأئمة عليهم السلام وقد استفيد - في تناولها - من منبع العلم الأبدي لأهل البيت. "يراجع: الكافي ج‏1، ص 107، باب صفات الذات، وفصول مختلفة من توحيد الصدوق وخطب نهج البلاغة".
والذي يلفت النظر في الرسائل الكلامية المختصرة كرسالة "النكت في مقدمات الأصول" أن الشيخ توسل حتى في صفات الباري أيضاً - الذي عدّ، في أوائل المقالات الاستدلال السمعي المرجع الوحيد لمعرفتها - بالاستدلال العقلي، فعلى سبيل المثال نراه يقول: "فإن قال: ما الدليل على أنه قادر؟ فقال: تعلّق افعال به مع تعذّرها في البداءة على العاجز...".
 

وأيضاً: ما الذي يدل على أنه عالم؟ فقل: ما في أفعاله من الإتقان والتظافر على الاتساق، وتعذّر ما كان بهذه الصفة في البداءة على الجاهل، ثم يواصل الاستدلال على نفس المنوال في باب السميع والبصير والحكيم، وهكذا. بيد أن هذا النهج لا يعدّ عودلاً عن المبنى المذكور في "أوائل المقالات" وإنما قيل على الأرجح في الرسائل المختصرة التي رتّبها الشيخ المفيد على منوال السؤال والجواب. لتكون دليل عمل للمستجدين في الجدل الكلامي أو للشيعة البعيدين الذين يفتقرون لوجود أستاذ كالمفيد، فالشيخ الجليل انتخب في هذه الرسائل منحى في البحث العقلي يستفاد منه في مواجهة أي محاور.
وبهذا يتضح أنّ الجمع فيما بين الحجة العقلية والدليل النقلي في المنحى الكلامي للمفيد، يعد واحداً من الأعمال المهمة والإبداعية لسيد أساتذة الكل - هذا - وكل الذي آمله من هذا التجمع العلمي التحقيقي أن يبحث رؤوس العناوين هذه وما سواها من جوانب لامعة أخرى في الحياة العلمية للشيخ الجليل.
 

من المناسب أن نذكر في خاتمة هذا المقال أن هذا النابغة الكبير نهض بأعباء الجهاد العلمي الطويل فيما أشاده للفقه من بناء منيف، وللكلام من طريق وسط، في ظل ظروف اجتماعية صعبة... فرغم أن حكومة آل بويه في بغداد استطاعت أن توفر للبحث العليم الحر فضاء مناسباً إلا أنها لم تستطع بحال أن تضع حلاً لمشكلة السلوك المتعصب للفقهاء الحنابلة، ولضغوطات جهاز السلطة العباسي على الشيخ المفيد وعموم الشيعة.
إنّ مظلومية شعية الكرخ - في بغداد - وما جرى عليهم وعلى قائدهم الكبير - المفيد - من محنً عظيمة، هي حقائق يشهد بها التاريخ على نحو صريح.
والذي عليه الظن أنّ الشيخ المفيد تعرض في غير المرّات الثلاث التي تسجلها كتب التاريخ، والتي انتهت إلى نفيه وإبعاده، إلى محنة عظيمة دامت بحدود السنتين "405 - 407 هـ" وإن كانت طبيعة هذه المحنة غير واضحة.
 

هذا الظن نستقيه من طبيعة الحوادث التي أحاطت بوفاة السيد الشريف الرضي سنة 406ه، وهو تلميذ المفيد المحبوب، ففي حين ذكرت كتب التاريخ تفاصيل التشييع وما رافق الحدث من خصوصيات أخرى، نراها لم تأتِ على ذكر الشيخ المفيد، الذي كان ينبغي - على القاعدة - أن يذكر مراراً. وثمة قرينة أخرى تثير هذا الظن في الذهن، إذ نجد أنّ أمالي الشيخ المفيد التي كانت يلقيها في عدة مجالس قبيل شهر رمضان، في بيته أو مسجده في محلة "در الرباح" لم تلق في السنتين "405" و"406هـ" ولم يرد لها ذكر في مجموعة الأمالي، رغم أنها استمرت بين سنة 404ه وحتى 411هـ.
وثمة قرينة أخرى - في تأييد ذلك - ماثلة في حوادث محرم 406ه وما جرت إليه من قيام فتنة عظيمة ضد الشيعة، هي واحدة من الفتن التي تقوم ضدهم باستمرار، حيث اختارت السلطة في بغداد السيد المرتضى وليس الشيخ المفيد، كي يكون ممثل الشيعة ورئيسها الذي تتفاوض معه.
 

حصل ذلك في الوقت الذي كان فيه الشيخ المفيد في ذلك العهد - وفي السنين التي سبقت ذلك - هو الرئيس المطلق غير المنازع للشيعة، في حين لم يعدْ السيد المرتضى أن يكون تلميذاً ومريداً متواضعاً وتابعاً للشيخ.
هذه القرائن تثير في الذهن احتمال تعرض المفيد لمحنة في هاتين السنتين انتهت إلى غيابه عن بغداد، والمسألة يجب أن تدرس وتخضع للتحقيق. بيد أن ما هو ثابت، أن الحياة في بغداد بالنسبة لعموم الشيعة - وبجملتهم قادتهم - كانت تتسم في فترة كبيرة من المائة والثلاثة عشر عاماً التي حكم بها آل بويه العراق وبغداد، بالكثير من الصعوبات والمحن والاضطرابات، بالإضافة لما رافقها من قتل ومظلومية. ورغم أن الشيخ المفيد كان يعيش وسط هذه المشكلات وهو مضطلع بمسؤولية رئاسة الشيعة في العراق، بل وفي جميع العالم الإسلامي، إلا أنه نال هذا التوفيق العظيم في مجال المعارف الشيعية.
 

النقطة الأخيرة في هذا المقال، هي وصيتي الأكيدة إلى العلماء والأساتذة الحاضرين في هذا الاجتماع الثقافي، في أن يبذلوا منتهى جهدهم كي يتخذوا هذا اللقاء العلمي وسيلة للتقارب الفكري والاتحاد العملي بين المذاهب الإسلامية. إن كيفية تعامل الشيخ المفد مع الخصوم المذهبيين في زمانه كانت - بلا ريب - متأثرة بالحوادث الاجتماعية والمصائب المريرة التي تجرعها الشيعة المظلومون في ذلك الوقت، والتي انبعثت من نار التعصبات العمياء، وهذا النمط من السلوك لا يمكن أن يكون اليوم مثالاً لتعامل الفرق الإسلامية فيما بين بعضها البعض حتى على الصعيد الكلامي.
 

إن ما يجب أن تتعلمه الفرق الإسلامية اليوم هي تنظر إلى مشاهد التاريخ المؤلمة تلك، هو درس المحبة والاسلام، ولطالما ظلّت أصول الإسلام - التي نهض من أجل إحيائها المفيد وإضرابه من أتباع كل مذهب وتحملوا في سبيل هذا مثل هذه الآلام - مهددة؛ وفي معرض الخطر من قبل الأعداء الدوليين، فإن على مفكري جميع المذاهب أن يفكروا في سبل الوحدة والتقارب والتعاون. وهذا هو درس ثورتنا الكبيرة والتوجيه الدائم المستمر لإمامنا الراحل "قدس الله نفسه الزكية".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع