نور روح الله | يوم القدس: يوم الإسلام* إلى قرّاء القرآن: كيف تؤثّرون في المستمعين؟* أخلاقنا | ذكر الله: أن تراه يراك*  مفاتيح الحياة | الصدقات نظامٌ إسلاميٌّ فريد(2)* آداب وسنن| من آداب العيد  فقه الولي | من أحكام العدول في الصلاة مـن علامــات الظهــور: النفس الزكيّة واليمانيّ* تسابيح جراح | بالصلاة شفاء جراحي صحة وحياة | الرّبو والحساسيّة الصّدريّة تاريخ الشيعة| شيعة طرابلس في مواجهة الصَّليبيّين

مناسبة: بالصدقة تعمّ البركة


الشيخ د. أكرم بركات

عن أبي ذر (رضوان الله عليه): "صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيّام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: اللهمَّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليٌّ عليه السلام راكعاً، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وكان يتختّم فيها، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: "اللهمَّ موسى سألك، فقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه: 25-32)، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ (القصص: 35). اللهمَّ، وأنا محمّد نبيَّك وصفيَّك، اللهمَّ واشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به ظهري". قال أبو ذر: فما استتمَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة (حتّى) نزل عليه (جبرائيل) من عند الله تعالى، فقال: يا محمّد، اقرأ قال: وما أقرأ، قال: قال: اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(المائدة: 55)" (1).

* الصدقة
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (التوبة: 104).

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خُلَّتان لا أحبّ أن يشاركني فيهما أحد: وضوئي؛ فإنّه من صلاتي، وصدقتي، فإنّها من يدي إلى يد السائل؛ فإنّها تقع في يد الرحمن"(2).

* أنواع الصدقة
الصدقة على نوعين: صدقة سرّ وصدقة علانية، وقد ذكر الله تعالى هذين النوعين بقوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (البقرة: 271).

1. صدقة العلن: عن الإمام الصادق عليه السلام: "صدقة العلانية تدفع سبعين نوعاً من البلاء"(3). وورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "صدقة العلانية، فإنّها تدفع ميتة السوء"(4).

2. صدقة السرّ: عن الإمام الصادق عليه السلام: "صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ"(5). وورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "سبعة في ظلّ عرش الله عزّ وجلّ يوم لا ظلّ إلّا ظلّه... رجل تصدّق بيمينه، فأخفاه عن شماله"(6).

وورد أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره حتّى يأتي باباً فيقرعه، ثمّ يناول من كان يخرج إليه، وكان عليه السلام يغطّي وجهه لئلّا يعرفه.

* آثار الصدقة
من الآثار المترتّبة على الصدقة ما يأتي:

1. تدفع البلاء: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الصدقة تدفع البلاء المبرم"(7).

2. تدفع القضاء: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الصدقة... تدفع القضاء وقد أُبرم إبراماً"(8).

3. تزيد العمر: عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "تصدّقوا، وداووا مرضاكم بالصدقة؛ فإنّ الصدقة تدفع عن الأعراض والأمراض، وهي زيادة في أعماركم وحسناتكم"(9).

4. تدفع ميتة السوء: عن الإمام الباقر عليه السلام: "البرّ والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ويدفعان سبعين ميتة سوء"(10).

5. تجلب الرزق: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة"(11).

6. تبرِّد القبر: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الصدقة لتطفىء عن أهلها حرّ القبور"(12).

7. تُظلُّ المتصدّق يوم القيامة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "أرض القيامة نار ما خلا ظلِّ المؤمن، فإنَّ صدقته تظلّه"(13).

* على من يتصدَّق الإنسان؟
من الموارد التي لها أولويَّة في الصدقة ما يأتي:

1. الرحم: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صدقة وذو رحم محتاج"(14)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الصدقة على أختك وابنتك"(15)، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أوّل ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله"(16).

2. المحتاج: عن الإمام الصادق عليه السلام: "أفضل الصدقة إبراد الكبد الحرّى"(17).

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الصدقة ظلّ فسطاط في سبيل الله عزَّ وجلَّ"(18).

3. المتعفِّف: قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظلمون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (البقرة: 272-273).

* الإقراض
لأجل قضاء حاجة الآخر، وصوناً لتعفّفه، وحثّاً له على العمل، كان ثمّة عمل أفضل من الصدقة وهو الإقراض، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "رأيت ليلة أُسريَ بي على باب الجنّة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا (جبرائيل)، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأنّ السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلّا من حاجة"(19).

* تأمين فرص العمل
من روحيّة تفضيل الإقراض على الصدقة، وكذا من الفضل الكبير لقضاء حوائج الناس، تأتي أهميّة تأمين فرص العمل للمحتاجين الذين يسعون للكدّ على عيالهم، فيكون سعيهم كالجهاد في سبيل الله تعالى، أليس "الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله"(20)؟ فمن يؤمِّن فرصة عمل لهذا الكادّ، فهو كمن يسعى لتحقيق عمل جهاديّ في سبيل الله. ومن كان عنده مؤسّسة تجارية يعمل فيها الناس، فإنّ من المهمّ جدّاً أن ينوي القربة في تأمين فرص عملهم. وعندما يحتسب أرباحه السنويّة، عليه أن يلتفت إلى هذا الربح المعنويّ الكبير في قضاء حوائج هؤلاء.

الصدقة نوع من التجارة المربحة مع الله سبحانه وتعالى، فلنتّجه نحوها لتعمّ البركة حياتنا.


(1) السيّد الطباطبائي، تفسير الميزان، ج6، ص 21.
(2) العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج77، ص 329.
(3) الشيخ الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص1601.
(4) المرجع نفسه، ج 2، ص 1601.
(5) العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج 71، ص 82.
(6) المصدر نفسه، ج 81، ص 2.
(7) المصدر نفسه، ج 59، ص 264.
(8) الشيخ الريشهري، مصدر سابق، ج2، ص 1595.
(9) المصدر نفسه، ج 2، ص 1596.
(10) العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج93، ص119.
(11) الشيخ الريشهري، مصدر سابق، ج2، ص1596.
(12) المرجع نفسه، ج 2، ص 1594.
(13) المرجع نفسه، ج 2، ص 1594.
(14) العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج93، ص147.
(15) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص194.
(16) المتقي الهندي، كنز العمّال، ج 16، ص 267.
(17) الشيخ الريشهري، مصدر سابق، ج2، ص1599.
(18) المرجع نفسه، ج 2، ص 1599.
(19) المرجع نفسه، ج 3، ص 2549.
(20) العلّامة الحلّي، تحرير الأحكام، ج 2، ص 247.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع