منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

قبسات من أخلاق الإمام الباقر عليه السلام 



الشيخ مهدي أبو زيد


أن يتلمّس الإنسان خيوط النور من سراج الولاية، أمر يعجز عن تحمّله إلّا من حباه الله ببصيرة راسخة، وإرادة صلبة.

فمذ بقر مولانا محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام عباب الحياة في غرّة أشهر النور من العام السابع والخمسين للهجرة، تلمّس البشر خيوط الضياء المتمثّل بطلعته الغرّاء.

وأيّ باب طرقتَ في حضرة صرحه المنيف، انسابت إليك معاني التوفيق والسداد؛ فمرّة تتلمّس من سلوكه المعنويّ عليه السلام مدرسة عمليّة تجذبك إلى حيث الصفاء وعلوّ الدرجات، ومرّة تراه يهبُ عليه السلام بكلّ سخاء ما تقع عليه يده من حطام الدنيا، متحدّياً كلّ فاقة وإملاق، ومربّياً على أدب العلاقة والتفويض إلى الله، وثالثة يُشعرنا عليه السلام رعايته لأهل الولاء؛ حرصاً على أن لا تزل لهم قدم. وبين هذا وذاك، يتعهّد عليه السلام خلق الله بالوصايا المتتالية، التي تتيحُ لكلّ مريد أن يحلّق عالياً في سماء الفضيلة.

* دائم الذكر لله
يروي أحد مواليه المسمّى "أفلح": "خرجت مع محمّد بن عليّ -مولانا الإمام الباقر عليه السلام - حاجّاً، فلمّا دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتّى علا صوته، فقلت: بأبي أنت وأمّي، إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفعت -خفضت- بصوتك قليلاً، فقال لي: (ويحك يا أفلح، ولِمَ لا أبكي، لعلّ الله تعالى أن ينظر إليّ منه برحمة فأفوز بها عنده غداً)، قال (أفلح): ثمّ طاف بالبيت، ثمّ جاء حتّى ركع عند المقام، فرفع رأسه من سجوده، فإذا موضع سجوده مبتلّ من كثرة دموع عينه"(1).

هذا المشهد يعكس حال أولياء الله، والحبّ الممزوج بالخشية والشوق الذي يختلج في قلوبهم، وما يحمله من دعوة عمليّة، لما ينبغي أن تكون عليه علاقة المؤمن بربّه، والطموح الذي لا ينبغي أن يغيب عن أحد من عابري دار الممرّ.

فقد كان الإمام عليه السلام دائم الذكر لله تعالى، كما ينقل لنا مولانا الإمام الصادق عليه السلام وهو يصف حال والده في ذكر الله تعالى: ".. وكان أبي كثير الذكر. لقد كنتُ أمشي معه وإنّه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنّه ليذكر اللَّه، ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه، يقول: (لا إله إلّا الله). وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتّى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا، ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر"(2).

فهو عليه السلام يقصد محضر الحقّ؛ فيأخذ بيد أهله ليحظوا بشرف القرب، وهذا ما يفترض أن نكون عليه ونعمل به مع عوائلنا وبين أهلنا، فالدعوة بغير لسان تقتضي أن نترجم هذه العلاقة سلوكاً جاذباً للآخر وموقظاً لفطرته، ومتماهياً مع جبلته، فندرك معنى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6).

* قضاء الحاجات
وإلى جانب زكاة الأبدان التي كان ينفقها عليه السلام في الله تعالى، ويربّي ويبني على أساسها، لم يغفل الإمام الباقر عليه السلام عن زكاة الأموال التي تعكس تمام الثّقة بالبارئ الواهب المعطي، حبّاً له وثقة بما وعد.

1- أعظم أهل بيته مؤنة: يروي مولانا الإمام الصادق عليه السلام واحداً من تلك المشاهد بقوله: "كان أبي عليه السلام أقلّ أهل بيته مالاً، وأعظمهم مؤنة (...) وكان يتصدّق كلّ جمعة بدينار، وكان يقول: (الصدقة يوم الجمعة تضاعف؛ لفضل يوم الجمعة على غيره من الأيّام)"(3).

فالالتزام بهذه العبادة التكافليّة، والإصرار والمداومة عليها، كما ينقل عنه مولانا الإمام الصادق عليه السلام، كان عنواناً يلازم صحيفة أعمال كلّ أئمّتنا عليهم السلام، والمطمح فيه، مضافاً إلى سدّ احتياجات أهل العوز في المجتمع البشريّ، أن يكون باب حظوة يزدلفون من خلاله إلى رحاب المعشوق.

2- من امتنع عن معونة أخيه: قد روي عنه عليه السلام: "ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته، قُضيت أو لم تُقض، إلاّ ابتلي بالسعي في حاجة من يؤثم عليه ولا يؤجر. وما من عبد يبخل بنفقة ينفقها في ما يرضي الله، إلاّ ابتلي بأن ينفق أضعافها في ما أسخط الله"(4).

فالمنتمي إلى هذه المدرسة الشريفة، لا يفترض أن يقصّر في السعي في خدمة إخوانه، إذ إنّ التقصير يعود وبالاً، لأنّه تَعَدٍّ على بساط رحمة الله تعالى. فمن حقّ إخواننا أن نقف إلى جانبهم ونبذل الوسع في قضاء حوائجهم، وإلّا فالنتيجة التعرّض لمقت الله تعالى، والحلول في مواطن الخسران، وسلب التوفيق والوقوع في المشكلات.

3- بئس الأخ يقطعك فقيراً: نتلمّس انزعاجه عليه السلام وهو يسمع شكوى أحد المؤمنين من تعاطي إخوانه معه: عن الحسن بن كثير، قال: شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ  عليهما السلام الحاجة وجفاء الإخوان، فقال عليه السلام: "بئس الأخ أخ يرعاك غنيّاً ويقطعك فقيراً"، ثمّ أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، فقال: "استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني"(5).

* توجيهه أصحابه عليه السلام 
إلى جانب ذلك، فقد اهتمّ إمامنا عليه السلام بتربية أصحابه، ومن المشاهد على ذلك ما جرى مع أبي بصير. قال: "كنت أُقرِئ امرأة القرآن بالكوفة فمازحتها بشيء، فلما دخلتُ على أبي جعفر عليه السلام عاتبني، وقال: (من ارتكب الذنب في الخلاء، لم يعبأ الله به، أيّ شيء قلت للمرأة؟). فغطيتُ وجهي حياءً وتبت، فقال أبو جعفر عليه السلام: لا تعد"(6).

فمن مقتضيات العقيدة الحقّة، أن نتيقّن بأنّ كلّ حركة وسكنة هي في عين الله تعالى، كذلك أنّ كلّ ارتكاب يُغرق في غياهب الخجل، ما يستدعي انضباطاً ينسج خيوط عصمة عمليّة، وجنّة واقية لا محيص عنها.

* من وصاياه عليه السلام 
لذا، يمكن لنا أن نتفهّم هذا العبق الذي كان ينثره في كلامه ووصاياه عليه السلام، لكلّ طامح بالالتحاق بركب الكرامة ومواكب الصادقين.

يروي جابر بن يزيد الجُعفيّ: قال له الإمام عليه السلام: "يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟!"؛ فالانتماء ليس مجرّد عاطفة مجرّدة لا تترجم سلوكاً، "فوالله، ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه"، فإنّ الالتزام العمليّ هو ترجمان هذا الانتماء ومثبت للادّعاء، ومبرز للميزات التي بها يعرفون. ثمّ يقول عليه السلام: "وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع، والتخشّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء". فالمؤمن المنتمي، هو من أشرق صفاتٍ حميدةً، وانغمس في الطاعات، فسطع في سماء الكمالات، وانعكس ذلك إحساساً بالآخر وشعوراً بمكانته وقيمته وكرامته.

قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله، ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة، فقال: "يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: أحبّ عليّاً وأتولّاه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟". ولا ينكر الإمام عليه السلام وعورة الطريق وقلّة سالكيه، ولكنّه يؤكّد على حصريّة هذا السبيل لحيازة وسام الرضى، "فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من عليّ عليه السلام، ثمّ لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر، والله ما يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلّا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع"(7). فإنّ الإمام عليه السلام يؤكّد على أنّ ادّعاء حبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يُترجم بسلوك عمليّ، قوامه طاعة الله تعالى والتحرّز عن نواهيه.

* سواء السبيل
وعلى أساس الميزان الذي وضعه لنا مولانا الإمام الباقر عليه السلام، يمكن لنا أن نحدّد مقدار انتمائنا لهذه المدرسة الشريفة، وهل أنّ سلوكنا يحوز على رضاهم ويتماشى مع أهدافهم الربّانيّة؟ فإن كان كذلك، فله الشكر على توفيقه وتسديده، وإلّا فربّما سللنا سيوف العداء في مقابل منهج طلب الإصلاح، وهو ما يتطلّب منّا توبة نصوحاً واستغفاراً من كلّ ما بدر من سقطات، وتوسّلاً جادّاً بأن يهدينا الله سواء السبيل.

 

1- كشف الغمّة، الإربلي، ج 2، ص 329.
2- الوافي، الفيض الكاشاني، ج 9، ص 1445.
3- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 7، ص 413.
4- تحف العقول، ابن شعبة الحرّاني، ص 293.
5- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 46، ص 288.
6- الخرائج والجرائح، الراوندي، ج 2، ص 594.
7- الأمالي، الطوسي، ص735.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع