مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*) آثار الانتظار (3): الارتبــــاط بالإمام عجل الله تعالى فرجه(*) إلى كل القلوب: وصية الأمير عليه السلام: تقوى الله (2) تسابيح جراح: وصار الجرح هويّتي حكايا الشهداء: السيّد ذو الفقار عن قُرب أخلاقنا: الأسرة: مجلسُ أخلاق (2) أول الكلام: على أعتاب المعصومــة عليها السلام بقـــمّ منبر القادة: إنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ وصيّة الأمير عليه السلام: تقوى الله(1) أيام الله: ليلة القدر وليالٍ عشر

وحرّم الربا

الشيخ محمّد حسن زراقط


يستند تحريم الربا في الشريعة الإسلاميّة إلى مجموعة من المبادئ الفكريّة التي تحكم طبيعة نظرة الدين إلى المال والعمل من جهة، وإلى مجموعة من المفاسد الاجتماعيّة والأخلاقيّة التي تترتّب على المعاملات الربويّة من جهة أخرى، تبعاً للقاعدة المقرّرة في فلسفة الفقه الإسلاميّ، والتي تقضي أنّ جميع التشريعات الدينيّة في الإسلام لها واقع وراءها هو المصالح والمفاسد.

•الاهتمام الإسلاميّ بحرمة الربا
يتجلّى الاهتمام الإسلاميّ شريعةً وسلوكاً من قِبَل المسلمين بأشكال متنوّعة، تعبّر كلّها عن الحرص على تجنّب الوقوع في الربا. ومن أجمل ما يدلّ على الحذر الشديد من الوقوع في الربا، ما يُروى عن أمير المؤمنين عليه السلام: "معاشرَ الناس، الفقه ثمَّ المتجر، الفقه ثمَّ المتجر. والله للربا في هذه الأمّة أخفى من دبيب النمل على الصفا"(1). وأكتفي بالإشارة إلى بعض أشكال الحرص هذا في ما يأتي:

1- تجنّب الحلال من أجله: ورد عن أحد الصحابة قوله: "تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا"(2). وقد فُسِّرت هذه المقولة بأكثر من شكل؛ أحدها المبالغة في تجنّب الوقوع في الربا، ولو تتجنّب الحلال في حدود معيّنة.

2- توسعة التحريم: يوسّع الفقه الإسلاميّ دائرة الربا إلى خارج حدود القرض، فثمّة معاملات كثيرة تحرم وتعدّ من الربا، على الرغم من أنّها ليست قرضاً. فمفهوم الربا في الفقه الإسلاميّ يشمل بيع أحد المثلَين من المكيل والموزون مع زيادة، كما في حالة بيع كيلو من القمح بكيلو وزيادة حتّى لو كان أقلّ جودة(3)، أو المتاجرة بأموال الآخرين وقسمة الربح بين الطرفين بنسبة ثابتة من رأس المال(4).

3- إدخاله في المعاهدات: من أشكال الاهتمام الإسلاميّ بتجنّب الربا، أنّه ورد في أحد بنود المعاهدة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل نجران النصّ على ترك الربا: "فمَن أكل منهم الربا بعد عامهم هذا فذمّتي منه بريئة"(5). ولإدخال حكمٍ شرعيٍّ في معاهدة صلح مع جماعة غير مسلمة دلالات واضحة على حجم الاهتمام الإسلاميّ بالابتعاد عن الربا وتجنّبه.

4- التفقّه قبل التجارة: ورد في عدد من النصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام التحذير من الاشتغال بالتجارة قبل التفقّه، ومنها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من اتّجر بغير علمٍ، ارتطم في الربا ثمّ ارتطم"(6). 

5- النهي عن التسليم على آكل الربا: ورد في بعض الأخبار النهي عن التسليم على عدد من الأشخاص منهم آكل الربا(7). فهذا له دلالات لا تخفى على القارئ الكريم. ونختم هذه الملاحظات بالإشارة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 267)، هذه الآية نزلت في جماعة كانت لهم مكاسب من الربا، فكانوا يريدون التخلّص منها بالتصدّق بها فنهوا عن ذلك؛ لأنّ الصدقة لا ينبغي أن تكون إلّا من المال الطيّب(8).

•صراحة القرآن في تحريم الربا
تعرّض القرآن الكريم لمشكلة الربا، وأولاها اهتماماً كبيراً، وذلك في سور ثلاث وعدد من الآيات، منها:

1- سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 275- 280).

2- سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 130- 131).

3- سورة الروم: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39).

•خلفيّات فكريّة لتحريم الربا
يكشف التأمّل في الآيات الشريفة السابقة عن الملاحظات الآتية:

1- الشدّة في الخطاب: يشدّد الله على آكلي الربا في خطابه، ويصفهم بأنّهم يتخبّطون كمن مسّه الشيطان فعجز عن القيام. وفي بعض التفسيرات وصف آكل الربا بتضخّم بطنه إلى حدٍّ يعجز عن حملها والقيام بها. كما هدّد تعالى آكلي الربا بالنار في الآخرة، وهذا نلاحظه في آية سورة آل عمران أيضاً، ولم يكتفِ بذلك، بل أوعدهم بحربه وحرب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم في الدنيا.

2- المحق وزوال البركة: اشتملت آيات سورة البقرة على لفت نظر المرابي إلى أنّه لن ينال مراده من الربا؛ فالمرابي يبتغي زيادة أمواله. وفي هذه الآية يؤكّد الله عزّ وجلّ أنّ هذا الهدف لن يتحقّق، وما سيصيب المرابي هو محق أمواله وانعدام البركة منها. ويبدو أنّ هذه الآية تشير إلى قانون وسنّة إلهيّة أكّدتها التجربة، فلم يقتصر أمر المحق على الأفراد؛ بل إنّ أنظمة اقتصاديّة انهارت وتعرّضت لنكسات عندما فشا فيها الربا وانتشر.

3- تبديل النظرة إلى المال: تقضي النظرة المحاسبيّة أنّ الأخذ والمراكمة يؤدّيان إلى زيادة المال، والإنفاق منه يؤدّي إلى نقصانه. ولكنّ الله في هذه الآيات الشريفة يدعو الإنسان إلى تبديل النظرة إلى المال، والتخلّي عن النظرة المحاسبيّة، فيسمّي الإنفاق الذي يؤدّي محاسبيّاً إلى النقصان باسم "الزكاة"، وأحد معاني الزكاة النموّ والزيادة. ويلفت نظر المرابي إلى أنّ الله لا يعدّ كلّ مراكمة للمال تنميةً له وزيادة؛ فالربا عند الله هو مجرّد انتفاخ وهميٍّ، وزيادة رقميّة لا يُلتفت إليها، خاصّة مع الإنذار أنّ الله سوف يمحقها ويُذهب عنها البركة، وذلك في قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39).

4- الدقّة في اعتماد المعايير: يؤسّس الله عزّ وجلّ في هذه الآيات وفي غيرها أيضاً معايير خاصّة في الحكم على الأموال. فالمال الذي ينقص بدفع الزكاة منه يتحوّل إلى مال طاهر، وذلك أنّ أحد معاني الزكاة هو الطهارة والنقاء. أمّا المال الذي حصل عليه الإنسان من الربا وغيره من الطرق غير المشروعة، فهو مال خبيث حسب وصف الآية الشريفة من سورة البقرة التي تقدّمت: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ...﴾. وفي هذا السياق، يشير إلى أولئك الذين يرون أنّ البيع والربا سيّان، فكلّ منهما ربح للمال وثمرته؛ ولكنّ الله عزّ وجل يبيّن أنّ الربا والبيع شيئان مختلفان، ويكفي للاختلاف بينهما أنّ الله حرّم أحدهما وأباح الآخر. وفي هذا المجال، يحكم الله أنّ الصدقة خير من الاستزادة بواسطة الربا: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

ومن أعمق ما يلفت إليه القرآن الكريم، أنّ الزيادة الربويّة تنمو بشكل مستقلّ، ولا يعترف الله بضمّها إلى أموال المرابي، بل تبقى غريبة عنه، تربو وتزيد بشكل مستقلٍّ: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُو﴾. ولكن أين تربو هذه الزيادة وتكبر؟ يخبرنا الله عزّ وجلّ أنّها تربو في أموال الناس وليس في أموال المرابي الذي يحسب أنّه ضمّ هذه الزيادة إلى ماله وصارت ملكاً له.

5- التجارة والأخلاق: العدل والظلم من المعايير والقيم الأخلاقيّة الإنسانيّة التي لا تقوم المجتمعات ولا يستقرّ حالها إلّا بالالتفات إليها والعمل بما يقتضيه أحدها (العدل)، وتجنّب ما ينطبق عليه الآخر (الظلم). ويبني الله تعالى في الآية ما قبل الأخيرة مطالبته بالتوقّف عن الربا والتوبة عن المراباة على قاعدة تجنّب الظلم لمن أُخِذ منه الربا، ويخبر الإنسان المنتهي عن الربا، ويدعوه إلى أن لا يحسب نفسه مظلوماً بحرمانه من الزيادة الربويّة التي كان يتوقّع أن يصيبها.

6- تبديل النظرة إلى الملكيّة: يبتني تحريم الربا في الشريعة الإسلاميّة، مضافاً إلى النصوص المحرّمة بالصراحة والمباشرة، على رؤية مختلفة إلى الملكيّة. فالشريعة -على الرغم من اعترافها بسلطة الإنسان على أمواله: "الناس مسلّطون على أموالهم"(9)، غير أنّ هذه السلطة هي سلطة اعتباريّة لتنظيم أمور الإنسان في حياته- بيّنت أن المالك الحقيقيّ هو الله عزّ وجلّ وما الإنسان سوى مستخلَف(10) على ما بين يدَيه من أموال، خوّله الله إيّاها(11). وبناءً على هذه النظرة إلى الملكيّة، يكون من حقّ الفقير المعسر العاجز عن سداد ديونه أن نرفق به وننتظر يساره حتّى يستطيع أداء ما عليه من ديون بدل مراكمة الفوائد الربويّة عليه. ومن ينظر إلى المال والملك بهذه الطريقة، فلا يعود الرزق عنده مجرّد مال أو نعمة ماديّة ينالها؛ بل يصبح مواساةً لأهل الحاجة، وعندها يمكن لصاحب هذه النظرة أن يدعو صادقاً، فيقول: "وارزقني مواساة من قتّرت عليه من رزقك بما وسّعت عليّ من فضلك"(12).

•مغارة لصوص
نختم بالإشارة إلى أنّ أحد الأساليب القرآنيّة في التربية هو تقديم النماذج والقدوات الحسنة والتحذير من السيّىء منها. وفي مجال الربا، يقدّم لنا القرآن الكريم نموذج بني إسرائيل الذين اشتهروا بالمراباة في تاريخهم: "مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص"(13). ويصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (النساء: 161).


1.وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج17، ص382.
2.كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج4، ص187.
3.انظر: تحرير الوسيلة، الإمام الخمينيّ قدس سره، ج1، ص536.
4.انظر: (م. ن.)، ص609.
5.الإرشاد، المفيد، ج1، ص169.
6.وسائل الشيعة، (م. س.)، ج17، ص382.
7.(م. ن.)، ج7، ص270.
8.(م. ن.)، ج9، ص466.
9.انظر: الخلاف، الطوسيّ، ج3، ص176.
10.انظر: سورة الحديد، الآية 7.
11.انظر: سورة الزمر، الآية 49.
12.مصباح المتهجّد، الطوسيّ، ص834.
13.إنجيل متّى 21: 12، 13.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع