مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

الأب والمربّي

حوار مع الشيخ علي ياسين


تعلّم القرآن واللغة العربيّة على يد أمّه. قرأ كتاب "معالم الأصول" في الثانية عشرة من عمره، وكتب كتاب "فدك في التاريخ" في الثالثة عشرة، وأتى إلى النجف الأشرف عندما كان عمره سبعة عشر عاماً. وعندما أرسل كتاب "الأسس المنطقيّة للاستقراء" لفيلسوف مصريّ لكي يترجمه، لم يصدّق الأخير أنّ كاتبه لم يكن منتسباً إلى ثانويّة أو جامعة! وعندما سُئل عن سبب كتابته، قال: "كتبته إلى الماديّين؛ فإمّا أن يؤمنوا بالله، وإمّا أن يكفروا بعلمهم". وكان يبحث عن الكتب الماركسيّة والشيوعيّة في المكتبات ليردّ عليهم بالدليل والبرهان. 

إنّه الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره، الذي سنتعرّف إلى مزيد من مواقفه وصفاته اللافتة بلسان تلميذه سماحة الشيخ علي ياسين.

•عندما اجتاح قلبي!
في كانون الأوّل من سنة 1969م، سافرت إلى العراق ومعي رسالة من الإمام السيّد موسى الصدر إلى الشهيد السعيد السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره. قصدته إلى مسجد صغير حيث كان يعطي دروساً لنحو ثلاثين أو أربعين طالباً، وكان أصغر سنّاً من كثيرين منهم. بعدما سلّمته الرسالة، سألني عن طبيعة دراستي، وكنت بحاجة حينها إلى أستاذ في معالم الأصول، فكلّف نفسه يومها بتدريسي إيّاها. ومنذ تلك اللحظة، أحسست أنّي أجلس مع وليّ من أولياء الله، فاحتلّ موقعاً في قلبي.

•الزاهد المتواضع
كان السيّد الصدر قدس سره يقتدي بالمعصومين عليهم السلام، سواء في أسلوب حياته أو لباسه أو مأكله وتعاطيه مع الناس، أو في عمله. ففي إحدى المرّات، شاهدته يأكل قطعة من الخبز اليابس مع قطع قليلة من اللحم الذي لا يسدّ جوع ولد صغير. وقلّما كان ينام في الليل أو يأخذ قيلولة في النهار.

•كان كلّه للناس
كنّا نعشق الجلوس في مجلسه، وكان يستقبل النّاس كلّهم، ويُجيب عن أسئلتهم جميعها، وتحت أيّ عنوان كانت. ولم يكن يُحرج بالإجابة عن الأسئلة الحسّاسة أيضاً، وخصوصاً حول ما له علاقة بالانتساب إلى حزب البعث، فكان يقول: "الانتساب إلى حزب البعث حرام". كما كان يُصغي للصغير والكبير، وللعالم والتاجر، ولجميع الناس. وإذا جالسه وكلّمه أحد، كان يعطيه كلّه. كان يربّينا على طاعة الله، والاعتماد عليه سبحانه وتعالى، والاهتمام بأمور الناس جميعاً، وتقوية علاقتهم بالثورة الإسلاميّة. وكان يعمل على تقوية شخصيّة الطالب، إذ يقول: "لا يمكن أن تموت أمّة يعيش في أعماقها روح محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام والصفوة من آل محمّد وأصحابه. أمّة تعيش هذه الروح لا يمكن أن تموت".

وكان يقول أيضاً: "مَن يحمل بيده المصباح، ويجد أناساً يعيشون في الظلام، يجد نفسه مسؤولاً عن إنارة الطريق لهم، ولا يجوز أن يتّخذ منهم موقفاً سلبيّاً، فيقول: ما بالي وبالهم، أنا في نور وهم في ظلام"!

•"لا أشتري بيتاً"
كان من المعروف أنّ السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره استشهد ولا يملك بيتاً، فهو كان مستأجراً من السيّد المامقانيّ. فجاءه في يوم من الأيّام السيّد الكاظميّ من الكويت، وتحدّث معه كثيراً حول هذا الموضوع، وجاءه أيضاً شخص من بغداد، قال له: "سيّدنا، أنت لا تريد الشراء من الحقوق الشرعيّة، فهذه 25 ألف دينار هديّة لكم بشرط أن تشتري بيتاً". فقال له السيّد: "أنا أقبل الهديّة ولا أقبل الشرط. لقد آليت على نفسي أن لا أملك بيتاً. فعندما يصبح لدى جميع الطلّاب بيوت، عندها أفكّر في شراء واحد". وأمر بتوزيع المال على طلّاب الحوزة، ولم يبت المال عنده.

•"يا ابني"
كان يطلب منّا أن نشكو إليه همومنا وما لدينا من مشاكل، وكان يحاول المساعدة قدر استطاعته، وكان يعاملنا كما لو كنّا أبناءه، لدرجة أنّه كان ينادينا؛ أيّ طلّابه، بـ(يا ابني)، ولكم هو جميل أن تخرج هذه الكلمة من عالم ومرجع ووليّ!

وكان يحمل همّ الطلّاب كثيراً، وقد قال لي مرّة: "إذا علمت أنّ أحداً من أبنائنا في حاجة، عليك أن تخبرني فوراً، فإذا كنتُ ميسوراً أقضي حاجته". فضلاً عن أنّه كان في قمّة التواضع، إذ كان يزور طلّابه في بيوتهم، حتّى إنّه زارني في منزلي عند ولادة ابني محمّد باقر، وقد أسميتُ ابني على اسمه، وابنتي أسميتها "أنفال" بناءً على رغبة السيّدة بنت الهدى عندما زارتنا وكانت زوجتي حاملاً.

•الرسالة الأخيرة
حين استشهاده كنتُ في لبنان، ولعلّ ما حصل كان سرّاً من أسراره الخفيّة؛ فقد كنت مع الشهيد الصدر قدس سره بعد ظهر ذلك اليوم، وكان قد طلب إليّ إرسال رسالة إلى لبنان، وألحّ على إيصالها في اليوم نفسه، فلبّيت طلبه. وبينما كنتُ في طريقي إلى بغداد، اقتحم أفراد الأمن منزلي لاعتقالي، فنجوتُ من الاعتقال.

عرفت بخبر استشهاده عن طريق وسائل الإعلام. ولأنّني كنتُ متعلّقاً روحيّاً به، وأراه الأمل، فقد أفجعني ذلك الخبر، وبكيت عليه كما نبكي على أهل البيت عليهم السلام.

•بصماته في الدستور الإيرانيّ
بعد قيام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، والبدء في التحضير لوضع دستور جديد للدولة، طُلب من سماحته تقديم ما لديه في هذا الخصوص، فأرسل كرّاسات صغيرة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة تتضمّن مقترحاته، وقد استفادوا منها بالفعل. أمّا عمدة الثورة، فقد كانوا من بعض طلّابه، مثل السيّد كاظم الحائري، والسيّد محمود الهاشميّ، والشيخ محمّد علي التسخيريّ، وغيرهم الكثير ممّن التزموا بوصيّة السيّد الصدر أن: "ذوبوا في الإمام الخمينيّ كما ذاب في الإسلام".

•فلنوفّه حقّه
السيّد محمّد باقر الصدر قدس سره إنسان استثنائيّ، فقد عرفه الأعداء قبل الأصدقاء. وهو العربيّ المسلم الوحيد الذي أُقيم له تمثال في متحف المفكّرين في روسيا، لأنّهم أدركوا عظمته. وأنا أقول إنّه ظُلم ولم نوفّه حقّه بعد شهادته. فلنعد إلى دراسة حياة السيّد الصدر بتأمّل: كيف وإلى أين وصل؟ كي نشحذ الهمم في سبيل تحصيل العلم، وخدمة هذا الدين والمبدأ الذي استشهد من أجله سماحته قدس سره، ولنقرأ حياته كما نقرأ حياة المعصومين عليهم السلام؛ لأنّه لم يعش للدنيا، ولم يكن ينظر إليها إلّا باعتبارها مجالاً للعمل في سبيل الله وطاعته وخدمة الإسلام والمسلمين. 
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع