مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

مناسبة: "اقتصادنا" رائعة الشهيد الصدر


الشيخ أحمد بو زيد


إذا كانت الأمم الغربيّة قد توافقت على تسمية جملةٍ من كتب أدبائها وفلاسفتها بـ"روائع الفكر الإنساني"، فإنّ من حقّ المحافل العلميّة الدينيّة أن تضع كتاب "اقتصادنا" للسيّد الشهيد محمّد باقر الصدر على رأس روائعها العلميّة. ربما أوحى عنوان الكتاب خطأً لشرائح واسعة من الناس ومتابعي الثقافة أنّ "اقتصادنا" كتابٌ من كتب الاقتصاد، فأسقطه غير المهتمّين بالشأن الاقتصاديّ من قائمة أولويّاتهم في القراءة والمطالعة، وربّما لم يعرف هؤلاء يوماً أنّ الكتاب ينتمي إلى دائرة "البحث الفقهيّ"، ولكنّها دائرةٌ بكرٌ لم تعهدها الأوساط العلميّة قبل مرحلة الخمسينيّات الميلاديّة من القرن العشرين.

* تحدّيات فكريّة في مواجهة الإسلام
إنّ أبرز سؤال أرّق جفون الإسلاميّين بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية واندلاع الحرب الباردة بين القطبين العالميّين الحليفين في الحرب الساخنة -الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي السابق- هو ما إذا كان الإسلام -بما هو منظومة فكريّة ذات أبعاد عقائديّة وفقهيّة-قادراً على إدارة شؤون الحياة، شأنه في ذلك شأن الأنظمة العالميّة المتناحرة، والتي يقف على رأسها الرأسماليّة والاشتراكيّة.

وفي زمنٍ لم يعد فيه مجدياً صفُّ الكلام الأنيق ما لم يتضمّن معالجات فكريّة جادّة توازي أطروحات كبـار فلاسفــة العالــم ومنظّريــه، عـاش الوسط الدينيّ شعوراً من الإحراج أمام شراسة المدّ الفكريّ غير الديني، سواءٌ من جانب الرأسماليّة أم الاشتراكيّة، وباتت هويّة المسلم القابض على دينه مهدّدةً كما وجوده.

* "اقتصادنا" بداية مرحلة جديدة من البحث الفقهيّ
وفي ظلّ إلحاح السؤال عن الـ(أنا) والـ(نحن) المحاط بسلسلة كبيرةٍ من الهواجس، انتفض عالمٌ شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، انتفض من بين قطع التراث المبعثرة، فنظر إليها بعَين الفقيه الخبير الذي شهد له وسطه -على الرغم من صغر سنّه- بأنّه يصول في الفقه ويجول فيه كما تجول يد الخبّار في عجينه، ونظر بالعين الأخرى إلى الواقع المرير الذي عاش فيه، واطّلع اطّلاع الباحث الحصيف على آخر ما تيسّر له الوصول إليه من "منجزات الفكر الإنسانيّ" في مجال الأنظمة "الفلسفيّة" و"الاقتصاديّة"، فجمعت يداه بين ما بصرت به عيناه، وأنجز خلال مدّة زمنيّة قياسيّة أرقى أطروحة فقهيّة عرفتها الأوساط الدينيّة منذ ما يربو على الستّين عاماً، أطروحة "اقتصادنا". أسّس الشهيد الصدر فيها لمرحلةٍ جديدة من مراحل البحث الفقهيّ، وهي المرحلة التي لن نجانب الصواب إذا أسميناها مرحلة "الفقه الصدريّ"، إنّها مرحلة "فقه النظريّة".

* علم الاقتصاد والمذهب الاقتصاديّ
لم يكن "اقتصادنا" كتاباً في علم الاقتصاد، فلم يصادق مؤلّفه على أنّ من وظيفة الإسلام التدخُّل في العلوم الجزئيّة؛ من أجل إعطاء موقف خاصٍّ في تفاصيلها... لقد ترك الإسلام للبشريّة استكشاف القوانين العلميّة في مجال الاقتصاد، والتي يُمكن تطويرها بمرور الأيّام وتراكم السنين، وهو بالتحديد ما نراه في مجال الفيزياء والكيمياء والعلوم الأخرى...

لكن، هل يعني هذا الأمر أنّ من الخطأ أن يترقّب الناس موقفاً خاصّاً للإسلام في مجال الاقتصاد؟

هنا بالتحديد ميّز الصدر -كما بعض من سبقه- بين علم الاقتصاد وبين المذهب الاقتصاديّ. فالمذهب الاقتصاديّ يمثّل دستور الدولة في مجال الاقتصاد، بينما يعتبر علم الاقتصاد البيئة التي تُدرَس فيها القوانين المنبثقة عن الدستور.

* ميزة الكتاب
ولتنظيم عمليّة البحث، اعتبر الشهيد الصدر أنّ أيّ نظام عقائديّ يُمكن تشبيهه ببناء من طابقين، طابقٍ سفليٍّ يمثّل أساس البناء وقواعده، وطابقٍ علويّ أو فوقيّ يمثّل الواجهة التي بها يظهر البناء أمام الناس، ولكنّ هذا الطابق قائمٌ على الطابق السفليّ ومنبثق عنه انبثاقاً.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أنّه إذا كان كلّ نظام -دينيّاً كان أم غيرَ دينيّ- يشتمل على دستور يمثّل بناءه السفليّ، وعلى قوانين منبثقة عنه تمثّل بناءه العلويّ، فما هي الجِدَة في أطروحة "اقتصادنا"؟ وما هي الميزة التي جعلت من الصدر رائداً في هذا المجال؟

والجواب ببساطة، أنّ أيّ نظام بشريٍّ يستهدف إقامة صرح كيانه الخارجيّ يعمد بدايةً إلى ضبط رؤيته العقائديّة في مختلف مجالات الحياة، الحقوقيّة والإداريّة والاقتصاديّة وغيرها، ثمّ يعمد بعد ذلك -وفي مرحلة لاحقة- إلى إنتاج القوانين على أساس الخطوط الدستوريّة المدوّنة مسبقاً، فتكون حركة سيره من الأسفل إلى الأعلى، من الدستور إلى القانون.

* حركة سير الفقيه من القانون إلى الدستور
أمّا مهمّة الفقيه في النظام الإسلاميّ فهي لا تشابه مهمّة المشرّع البشريّ على الإطلاق؛ لأنّ الفقيه لا يمارس البتّة أيّ عمليّة إنتاج للقوانين والأحكام الجزئيّة؛ لكونه محكوماً بعلاقة التبعيّة للشريعة، التي تضمّنت نصوصُــها قوانــين الفقــه وأحكامه الجزئيّة (البناء العلويّ)... فالفقيــه أمــام عمليّة معكوسةٍ تماماً؛ فبدل وضع الدستور وفق تصوّره البشريّ ثمّ إنتاج القوانــين المتناسبة معه، يجد نفســه أمام كمٍّ هائلٍ من النصوص التشريعيّة التي تعكس الأحـكام والقوانين "العلويّة"، ويكون عليـه الســير من أعلى إلى أسفل بهدف اكتشاف خطوط المذهب "الدستور" الذي انبثقت عنه القوانين والأحكام الواردة في النصوص الشرعيّة. وإذا تمكّن الفقيه من الوقوف على أركان البناء السفليّ بعد عمليّة تنظيم مُضنية لقطعات البناء العلويّ، أتيح له بالتالي تحديد الموقف القانونيّ والحُكميّ ممّا يطرأ على الساحة من مستجدّات.

قد يكون من اليسير تلخيص مهمّة "اقتصادنا" ببضع كلمات، ولكنّ المهمّة نفسها لم تكن يسيرة على الإطلاق؛ فالميدان ميدانٌ بكر، ويواجه العمليّةَ الكثيرُ من الصعوبات.

* فقه النظريّة
لا تبرز قيمة "اقتصادنا" في كونه أوّل كتابٍ ميّز بين مذهب الاقتصاد وبين علم الاقتصاد، ولا في كونه قد تناول بالحديث نظام الإسلام الاقتصاديّ، وكيف يكون كذلك وقد سبقه إلى ذلك العديدون من الفريقين؟ ولكنّ قيمته تكمن في كونه قد جاء على يد فقيهٍ متضلّع في مجال "الفقه الجواهريّ"، تمكّن بما آتاه الله تعالى من عبقريّة وابتكار من أن ينقل الفقه الحديث من مرحلة "الجواهريّة" إلى مرحلة ما أسماه "فقه النظريّة"، وهو الفقه الذي يستطيع أن يبرز بوصفه مجيباً عن الأسئلة الكبرى التي تملّكت وتتملّك عقل البشريّة.

إنّ كتاب "اقتصادنا" كتابٌ لا يجاريه ندٌّ في سباق؛ لأنّ الشهيد الصدر قدس سره جمع فيه بين عمق الفقيه الأصوليّ وبين سعة أفق العالم المعاصر، فكوّن من ذي وتلك أطروحةً حفظت على الشهيد الصدر حقوقها المعنويّة.

* "اقتصادنا" والدستور الإيرانيّ
إنّ الفرادة التي تميّز بها الشهيد الصدر قدس سره والتي أتاحت له إنتاج "اقتصادنا" هي التي جعلته الفقيه القادر على وضع دستورٍ للدولة الإسلاميّة.

وعلى الرغم من أنّ الصدر وسم وليده النابغ "اقتصادنا" بكونه محاولة على طريق الحلّ، لكن تبرز قيمة الكتاب في واقعنا المعاصر في كونه المثال الذي يُمكن أن يُحتذى ويطوَّر في خطّ ما يعرف اليوم بأسلمة العلوم؛ فإنّ الكثير من صروحنا العلميّة يرزح اليوم تحت سؤال القدرة على إنتاج المعرفة الجادّة في مختلف مجالات العلوم الإنسانيّة. وإذا كان ثمّة من حلّ، فهو يكمن في اتّخاذ "اقتصادنا" أنموذجاً يُحتذى ويطوَّر، ولكنّ اكتشاف مذهب الإسلام في مجال الاجتماع والسياسة والإدارة والتربية وغيرها من حقول العلوم الإنسانيّة سيكون رهيناً -بلا أدنى شكّ- بوجود فقيهٍ قابضٍ بيدٍ على التراث وأصول الاستنباط فيه، وباليد الأخرى على آخر منتجات المعرفة البشريّة، ليستطيع بيديه هاتين أن يصنع لـ"اقتصادنا" إخوته الذين قصر عمر الشهيد الصدر عن رؤيتهم على مسرح الوجود...

لقد خلّفنا الشهيد الصدر أمام تراث جادٍّ نبدو أعجز من أن نعقله فنطوّره، فرحمة الله عليه من عاشقٍ سارع الالتحاق بمعشوقه...

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع