آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

مناسبة: وحدة المسلمين في أداء مناسك الحج‏

الشيخ محمد توفيق المقداد

 



يقول اللَّه تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(الأنبياء/92) وفي مكان آخر يقول عزَّ وجلّ‏َ: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (المؤمنون/52). تشير هاتان الآيتان الكريمتان إلى أن المسلمين الذين تجمعهم كلمة التوحيد والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله هم أمة واحدة، والمطلوب منهم بما هم كذلك أن يعبدوا اللَّه كما هو مفاد الآية الأولى، وأن يتقوا اللَّه كما هو مفاد الآية الثانية، ولا شك أن العبادة والتقوى أمران متلازمان شرط أن تكون العبادة حقيقيةً للَّه، وليست من باب النفاق أو الزيف أو الرياء، ومثل هذه العبادة تجعل الإنسان المسلم تقياً ورعاً يعيش الخشية والخوف من اللَّه عزَّ وجلّ‏َ، خصوصاً إذا تعلق الأمر بشؤون المسلم كفرد أو المسلمين كأمة.

والأمة الواحدة ترمز إلى التوافق والاتفاق على المبادئ العامة للشريعة الإسلامية بين كل أبنائها مهما تعددت وتنوعت عقائدهم الفرعية وأحكامهم التفصيلية، وهذا ما نراه جلياً في مسيرة المسلمين، سواء في منهاجهم العبادي حيث الوحدة بارزة في صلاتهم وصومهم وحجهم وزكاتهم وطهارتهم، فهذه العبادات متفق بين المسلمين على تفاصيلها الأساسية، أو في الجوانب الأخرى غير العبادية حيث نجد ذلك الاتفاق بين المسلمين على تحريم الخمر، وقتل المسلم، وتحريم الزنا، وقذف المحصنات، والغيبة، وقول الزور والبهتان، كما نرى اتفاقهم على وجوب الجهاد ضد المعتدين، وهذا كله إن دل على شي‏ء فهو يدل على أن ثوابت الشريعة الإسلامية واحدة عند الجميع، وصولاً إلى الوحدة في النظرة إلى الإنسان وقيمته عند اللَّه ودوره في الدنيا ومصيره في الآخرة مع كل التفاصيل المتعلقة بهذه الأمور.

ولكن لا بد في مقابل ذلك من التسليم بأمر آخر وهو موجود بين المسلمين على مستوى المذاهب الإسلامية، وهو أن كل مذهب لديه خصوصيات في بعض تفاصيل الأمور المتفق عليها، وهذه الاختلافات لا تقتصر على المذاهب، وإنما نراها داخل كل مذهب من خلال الاختلاف بين فقهائه في بعض هذه التفاصيل. وبما أن الوحدة هي مظهر قوة وعزة وكرامة للمسلمين في كل مكان من العالم؛ فهذه الوحدة ينبغي أن يستغلها أبناء الأمة عملياً في سلوكهم وأفعالهم. ولهذا نجد أن القران الكريم يفرِّع عن الوحدة الكثير من الشعارات التي ينبغي ويلزم على المسلمين العمل بها وتطبيقها في المسار العملي لضمان مصالح الأمة وإبعاد المفاسد منها، ومن تلك الشعارات القرآنية نجد ما يلي:
1- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (الصف/4).
2- ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (المائدة/2).
3- ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران/110).
4- ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة/143).

وكذلك ما ورد عن رسول اللَّه ا كتفريع عن وحدة الأمة حيث ورد عنه ا قوله:
1- "أمتي أمة مباركة لا يُدْرَى أولها خير، أو آخرها خير"(1).
2- "أمتي هذه أمة مرحومة..."(2).
3- "بشِّر هذه الأمة بالسناء، والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض"(3).

من كل هذا السياق القرآني والروائي عن رسول اللَّه ا نجد أن الوحدة بارزة بشكل قوي وواضح لا مجال فيه للتأويل أو للتحريف. ونجد في مقابل الدعوة الإلهية والنبوية إلى وحدة الأمة التحذير من الاختلاف فيما بينها، والتناحر والتقاتل والتباغض والتفرق، وقد ورد هذا في القران في موارد عديدة نذكر منها:
1- ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ...(الأنفال/46).
2- ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (آل عمران/105).

وكذلك نجد أن رسول اللَّه ا يحذر أمته من الاختلاف والتحزُّب والتفرق وقد ورد عنه الكثير من النصوص في هذا المجال نذكر بعضاً منها وهو ما يلي:
1- "أخاف على أمتي ثلاثاً: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطون والفروج، والغفلة بعد المعرفة"(4).
2- "إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلِّون"(5).

لأن هذه الأمور التي حذر اللَّه منها وكذلك نبيه ا هي التي إذا استحكمت في العقول والنفوس والقلوب فرّقت بين الناس وجعلت بينهم خلافات ومنازعات وشتتت جمعهم وبددت شملهم وصاروا أيدي سبأ، بحيث يتجرأ عليهم كل عدو وطامع وغازٍ، وهذا ما قاله رسول اللَّه ا عن حالة الأمة بعده في الحديث المعروف "يوشك أن تداعى الأمم عليكم تداعى الأكلة على قصعتها، فقال قائل منهم أي "المخاطبين": من قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال ا: "بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن اللَّه من عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن!!، قال قائل: يا رسول اللَّه! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"(6). ولا شك أن هذا الحديث النبوي ينطبق على حالة الأمة الإسلامية اليوم، التي يبلغ تعدادها حوالي ألف وخمسماية مليون مسلم، ولكنهم لا يملكون أي دور سياسي أو اقتصادي أو ثقافي أو إعلامي في العالم، وهم بأغلبيتهم الساحقة تحت رحمة أمريكا وإسرائيل والقوى الكافرة من عالم الغرب الذي يهيمن على ثرواتنا وقراراتنا وشعوبنا، ويمنع عنا كل الطرق والوسائل من أجل بناء القوة للتحرر من السيطرة والاستغلال وسرقة الثروات ونهب الأموال، فضلاً عن الجرائم البشعة التي ترتكبها أمريكا وإسرائيل بحق المسلمين في فلسطين وأفغانستان وغيرهما من عالمنا الإسلامي الواسع والكبير، هذا فضلاً عما يحيكه المستكبرون من مؤامرات لإلقاء الفتن بين المسلمين كقوميات ومذاهب من أجل إذكاء نار الحقد والبغضاء والتخاصم بين المسلمين، ليمنعوا من خلال هذا الجو السلبي أية إمكانية للتقارب والتوحد بين الدول العربية نفسها من جهة، وبين العرب وسائر إخوانهم المسلمين من القوميات الأخرى. لهذا نجد أن الإمام الخامنئي ط وإدراكاً منه لأهمية اجتماع كلمة المسلمين في الحج كبداية لاجتماع كلمتهم في غير ذلك الموسم العبادي، أفتى بجواز الصلاة خلف أئمة أهل السنّة في كلّ‏ٍ من مكة المكرمة والمدينة المنورة ليحصل بذلك التقارب بين المسلمين الوافدين من كل الأقطار، لكي يشعر الجميع بأنهم جسد واحد وقلب واحد، لأنهم جميعاً جاؤوا لعبادة اللَّه وإطاعةً لأمر نبيهم وسنته، خصوصاً في هذا الظرف الذي يجب على المسلمين أن يتوحدوا فيه لمواجهة الحرب الشعواء التي تشنها أمريكا على الدين الإسلامي ومعتنقيه، وتوصمهم بالإرهابيين، لأن دينهم هو دين الإرهاب والقتل وسفك الدماء، ولهذا نجد في الاستفتاء التالي الموجَّه لسماحة القائد الخامنئي "دام ظله" ما يلي:

* الاستفتاء: هل تجزي الصلاة خلف إمام من أهل السنّة في مكة المعظمة والمدينة المنورة أم لا(7)؟
* الجواب: مجزية إن شاء اللَّه.

ولا يكتفي سماحة الإمام الخامنئي"دام ظله" بذلك، بل يفتي بحرمة أن يصلي الشيعة وحدهم في مكة والمدينة، وهذا يعني أنه يجب عليهم الالتحاق بصلوات الجماعة التي تقام في المسجد الحرام في مكة وسائر مساجدها، وفي المسجد النبوي وسائر مساجد المدينة المنورة، ويجيب عن ذلك ما يلي:

* الاستفتاء: ورد في بعض الاستفتاءات أنكم لا تجيزون إقامة الجماعات في الفنادق في مكة المكرمة، فهل تجيزون إقامة الجماعة في المساكن والمنازل التي تنزل فيها الحملات عادة، علماً بأن هذه الحملات تستقل بالمنزل، وإقامة الجماعة فلا تشكِّل ذريعة عند الحجاج لترك الصلاة في المسجد الحرام(8)؟
* الجواب: لا نجيز إقامة الجماعة في المساكن والمنازل أيضاً.

من هنا نقول بأنه لا يجوز للحجاج الشيعة عند أداء المناسك في مكة المكرمة أو عند زيارة قبر النبي ا في المدينة المنورة أن يصلوا جماعة لا في الفنادق التي ينزلون فيها ولا في المساكن والبيوت التي يستأجرونها، بل لا بد لهم من الالتحاق بصلوات الجماعة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وسائر مساجد مكة والمدينة من أجل إظهار وحدة شعائر المسلمين العبادية ولإعطاء مظهر حضاري وإسلامي رائع يترفع فيه المسلم عن بعض الاختلافات مع أخيه المسلم لمصلحة الأمة كلها، التي هي أهم وأعظم في الحفاظ عليها من بعض الالتزامات الصغيرة التي تعود بالضرر البالغ على الإسلام وشعوبه، وكما قال علي د: "إن إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام" ؟


(1) كنز العمال، الحدث 34451.
(2) المصدر نفسه، الحديث 34452.
(3) المصدر نفسه، الحديث 34466.
(4) كنز العمال، الحديث 28967.
(5) المصدر نفسه، الحديث 28986.
(6) سنن أبي داود، الحديث 4297.
(7) مناسك الحج للإمام الخامنئي دام ظله، ص‏3، ص‏143.
(8) المصدر نفسه، س‏9، ص‏146.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع