منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

إعرف عدوّك‏: قصة الأطماع اليهودية في المياه العربية


أديب كريّم


منذ اللحظة الأولى لولادة فكرة احتلال فلسطين في أذهان رواد الحركة الصهيونية وتحويلها لاحقاً إلى كيان يهودي غاصب، ولدت مسألة المياه كإحدى أكثر المسائل تعقيداً وحساسية في تاريخ الصراع العربي اليهودي. وكما رُبطت القضية الأم قضية الاحتلال بالبعد الديني التوراتي، العصي على الفهم والاستيعاب، كذلك كان الأمر بالنسبة لمسألة المياه التي تطورت لاحقاً لتصبح دعامة أساسية من دعائم الرؤية الجيوسياسية الاقتصادية في استراتيجية العقل اليهودي. وقبل التطرق بالتفصيل إلى الشق الأخير من المسألة نلقي الضوء على الخطاب التوراتي حول موضوع المياه العربية، وكيف كان لهذا الخطاب الأثر العميق في استثارة نزعة الاستغلال لدى اليهود لهذه الثروة العربية الحيوية.

المياه العربية في النص التوراتي: لقد دأب آباء اليهودية منذ العهد الأول لتكوينها على إلصاق البعد الغيبي بكافة مجالات حياة اليهود ومطالبهم. الأمر الذي كان من شأنه أن رسخ مع مرور الزمن في أذهان اليهود فكرة أن مطالبهم وحاجاتهم هي محض مطالب إلهية وتنأى عن أن تكون موضع جدل أو نقاش حتى ولو تعارضت مع حجج المنطق الإنساني بأسانيده الواقعية والتاريخية والقانونية. من هنا كان انبثاق فكرة العودة المزعومة إلى أرض فلسطين بدعوى أنها مطلب إلهي لا يناقش مهما كانت نتائجه كارثية على اليهود وغيرهم، ومن هنا أيضاً كانت الدعوات والخطوات العملية لوضع اليد على الثروة المائية داخل وفي محيط أرض فلسطين، وذلك عملاً بمبدأ استكمال الحلم التوراتي الزائف، وإذا تأملنا في النصوص التوراتية التي تعرضت لمسألة المياه العربية، نلحظ دائماً وجود ربط بين مناطق تَوزُّع المياه بروافدها الرئيسية ومصباتها وبين حدود ما يُسمى "بإسرائيل الكبرى".

 ونورد على سبيل المثال ما جاء في سفر التكوين 15 - 18: "... قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى الفرات"، وفي سفر أخبار الأيام الأولى 13 - 5 خاطب الرب شعبه زمن داود قائلاً: "وجمع داود كل إسرائيل من شيحور مصر إلى مدخل حماة..." وفي سفر الخروج (23 - 30 - 31 - 32) يستثير الرب المزعوم عدوانية شعبه المختار تجاه الآخر ويحثه على طرده من أرض رُسمت حدودها بنص إلهي، وشملت خريطتها أجزاء مهمة من الثروة العربية المائية. "قليلاً قليلاً أطردهم من أمامك إلى أن تثمر وتملك الأرض، واجعل تخومك من بحر سوف (خليج السويس) إلى بحر فلسطين (البحر المتوسط) ومن البرية (مصطلح توراتي غير معروف) إلى النهر (نهر الفرات)، فإني أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك. لا تقطع معهم ولا مع آلهتهم عهداً. لا يسكنوا في أرضك لئلا يجعلوك تخطى‏ء إليَّ، إذا عبدت آلهتهم فإنه يكون لك فخاً". وفي موضع آخر في سفر يشوع (1 - 3 - 4) تمعن التوراة في دفع اليهود وتمكينهم من استباحة أراضي الغير كحق إلهي مقدس، وتركز من جديد على الموارد المائية كمعلم ثابت من معالم "الوطن الموعود": "وكل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى، من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات وإلى البحر الكبير (البحر المتوسط) نحو مغرب الشمس يكون تخمكم".
|
هذه النصوص التوراتية وغيرها الكثير تضعنا أمام حقيقة واقعية مفادها أن المطامع اليهودية في المياه العربية لا تعود فقط إلى حاجات اقتصادية ومعيشية فحسب، بل هي تكتسب أهمية قدسية خاصة كونها تنطوي على عنصر غيبي يرفدها بشحنة تصورات خرافية مكثفة. ويحضرنا في هذا السياق كلمة ألقاها اليهودي "موشي دايان" إثر حرب حزيران 1967 تتضمن أفكاراً ذات مغزى، ومما جاء فيها: "ما دام عندكم التوراة، وما دمتم شعب التوراة، فيجب أن تكون لكم أرض التوراة (...) قد لا يكون هذا برنامجاً سياسياً، ولكنه أكثر أهمية، لأنه برنامج يحقق لشعبنا نبؤة الآباء".

جذور المخطط اليهودي للسيطرة على المياه العربية: تعود جذور المسعى اليهودي الخفي والعلني للسيطرة على المياه العربية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك عندما تأسست في العام 1831م "الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية" لدراسة طبيعة المناخ والجغرافيا للأرض الفلسطينية المنوي استعمارها. وهذه الجمعية بمظهرها البريطاني وروحها اليهودية تطورت لاحقاً إلى خدمة المشروع اليهودي، ويُعتقد أن تأسيسها منذ البداية كان على أيدٍ يهودية مستترة. وبعدها بسنوات أسس الثري اليهودي "شابيرا" "البنك المالي اليهودي" الذي تفرع عنه العديد من الهيئات المالية مثل "صندوق إكتشاف فلسطين" الذي تعاقد بدوره مع الجمعية البريطانية الآنفة الذكر لدراسة مناخ وجغرافية بلاد الشام بشكل عام وفلسطين بشكل خاص، وبناء على التقارير التي رُفعت من الجمعية الجغرافية البريطانية كتب المؤرخ اليهودي الشهير "ناحوم سوكولوف" يقول: "إن تلك الأرض بلاد الشام يمكن تحويلها إلى جنة واحدة شاسعة الأطراف".

ومن هنا جرى التفكير يهودياً بضرورة صنع شخصية يهودية زراعية لتحقيق هذا الهدف الذي حمل في طياته فكرة الحاجة الشديدة إلى مصادر المياه كشرط لازم للغرض نفسه. واستجابة لذلك جرى تأسيس جمعية "استعمار أرض فلسطين" عام 1861 وأول مدرسة زراعية يهودية عام 1870م تدعى "مكيفة إسرائيل" وبالتعاون مع جمعية يهودية فرنسية. ومع نهاية القرن التاسع عشر كان ملف المياه قد أصبح الشغل الشاغل لليهود الصهاينة بشخص زعيمهم "تيودور هرتزل" (1860 - 1904) الذي كتب في إحدى أهم رواياته "الأرض الجديدة الأرض القديمة" قائلاً: "إن المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة القديمة هم مهندسو الماء...".

تطورات الربع الأول من القرن العشرين: شهدت فترة ما قبل وخلال الحرب الكونية الأولى تطورات مفصلية على صعيد التمهيد لإقامة الكيان اليهودي الغاصب (وعد بلفور)، تزامنت مع خطوات واسعة خطاها الزعماء والحاخامات اليهود على طريق تفعيل الملف المائي، وأبرز ما سُجل في هذا الإطار دراسة الحاخام "إيزاكس" لأراضي وحدود "الدولة اليهودية" المنوي إقامتها. وقد أرفقت الدراسة بخريطة (عُرفت لاحقاً بخريطة إيزاكس) تبين حدود "إسرائيل الكبرى" بناء على الخطاب التوراتي، وقد شملت فلسطين كلها بالإضافة إلى الأردن وعاصمتها عمان، والجزء الجنوبي للبنان بدءً من صيدا، والجزء الجنوبي لسورية بدءً من جنوبي دمشق بما في ذلك جبل الشيخ وسهل حوران، ويمتد الجزء الشمالي الغربي إلى الغرب من الخط الحديدي الحجازي حتى مدخل خليج العقبة. وفي الإطار نفسه عمل اليهود على تدويل قضية المياه في الشرق الأوسط ودفعها إلى الواجهة في خضم أي حدث دولي بارز وما المذكرة التي بعث بها الوفد اليهودي بزعامة حاييم وايزمان إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، مرفقة بخريطة تفصيلية إلا دليل على ذلك. وقد تضمنت المذكرة نصاً صريحاً حول الحدود الشمالية للدولة المنتظرة. "تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطى‏ء البحر الأبيض المتوسط بجوار مدينة صيدا وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل إلى جسر القرعون، فتتجه منه إلى البيرة، متبعة الخط الفاصل بين حوضي وادي القرن ووادي التيم، ثم تسير في خط جنوبي متبعة الخط الفارق بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل الشيخ (حرمون) حتى جوار بين جن، وتتجه منها شرقاً متبعة مفارق المياه الشمالية لنهر مغنية حتى تقترب من الخط الحديدي الحجازي إلى الغرب منه".

وهذه الجهود اليهودية الحثيثة في عواصم صنع القرار وقتذاك قد أثمرت تعاطفاً غربياً، وخصوصاً من المستعمر البريطاني، مع وجهة النظر اليهودية. واعتبرت سلطة الانتداب البريطاني أن أي مكسب سياسي توسعي تحققه في مفاوضات ما بعد الحرب يُعد في جوهره مكسباً يهودياً. وللمثال نورد ما كتبه مهندس وعد بلفور المشؤوم اللورد بلفور في مذكرة سرية في 11 - 8 - 1919: "إذا كانت الصهيونية ستؤثر في المسألة اليهودية في العالم، فيجب أن تكون فلسطين مهيأة لاستقبال أكبر عدد ممكن من المهاجرين اليهود، لذلك فإنه من المفضل بشكل بارز أن تتمكن من السيطرة على مصادر المياه التابعة لها بشكل طبيعي، إما من خلال توسيع حدودها إلى الشمال، أو من خلال معاهدة مع الانتداب في سورية...".

المطامع اليهودية في الليطاني والوزاني: "إن إسرائيل العطشانة لا يمكن أن تقف مكتوفة اليدين وهي ترى مياه الليطاني تذهب هدراً... إن القنوات باتت جاهزة في إسرائيل لاستيعاب مياه الليطاني المحولة". بهذه الكلمات عبر الرئيس السابق لحكومة الكيان الغاصب مناحيم بيغن بتاريخ 4 - 6 - 1982 عن الحلم الذي راود الزعماء اليهود منذ عقود للاستئثار بمياه نهر الليطاني. ويُعتقد كما دلت بعد ذلك الوقائع، أن الغزو الصهيوني للبنان في العام 1982 كان في جزء هام من دوافعه يكمن في محاولة تحويل مجرى نهر الليطاني عند أغزر نقطة له في قلعة الشقيف إلى منطقة الجليل، والحديث اليهودي عن نهر الليطاني يعود إلى بدايات القرن العشرين حين كتب الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان رسالة إلى اللورد "كيرزون" وزير خارجية بريطانية في 30 - 10 - 1920 قائلاً: "... أنا واثق من أن سيادتكم تدركون الأهمية القصوى لليطاني بالنسبة إلى فلسطين. حتى لو أُعتبر نهر الأردن كله واليرموك ضمن فلسطين، فلا مياه في كلا النهرين، تكفي حاجاتها... إن ري الجليل الأعلى والطاقة المطلوبة حتى لحياة اقتصادية محدودة، يجب أن يتوفرا من الليطاني، الخبراء متفقون على أن الليطاني له فائدة قليلة للبنان الذي يملك وفرة من المياه...".

وعن مياه نهر الوزاني بإزاء المطامع الصهيونية فإن ما يجري حالياً من محاولات يهودية وتهديدات تُطلق بين الفترة والأخرى لثني لبنان عن استثمار ما ثبت أنه حق له في مياه هذا النهر، يُعد دليلاً صارخاً على صفاقة هذا العدو وعنجهيته المتغطرسة ويُعد أيضاً إمتداداً لمحاولات عدائية سابقة كان أبرزها زرع أسلاك شائكة حول نبع الوزاني "تمهيداً لضم النبع والأراضي المجاورة له إلى مستعمرة "بليان باروش" الحدودية" وكان ذلك في العام 1984. وقد برر مفوض الماء العام في الكيان الغاصب هذا العمل بقوله "إن لإسرائيل مطلباً محقاً في مياه الوزاني وهي ستعارض أية محاولة تجري في المستقبل للسيطرة على المنطقة وتحويل هذه المياه".


(1) المستقبل العربي - عدد 195- 5 - 1995.
(2) صحيفة الحياة العدد 11902 - 23 أيلول 1995.
(3) صحيفة الحياة 13888 - 25 آذار 2001.
(4) الأرقم الزعبي - الغزو اليهودي للمياه العربية - دار النفائس.
(5) أزمة المياه في المنطقة العربية - سلسلة عالم المعرفة - 209.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع