نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

مناجاة المريدين (11): وإلى هواك صبابتي


آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (حفظه الله)


المقال الذي بين أيدينا يتابع، كما المقالات السابقة، شرح مناجاة المريدين للإمام السجاد عليه السلام، حيث يشير الإمام عليه السلام في هذا المقطع إلى مرتبة من المحبة التي هي أعلى مرتبة من العشق: "وإلى هواك صبابتي، ورضاك بغيتي، ورؤيتك حاجتي، وجوارك طلبتي..."(1).

فبالإضافة إلى محبّة الله الواجبة التي هي من لوازم الإيمان به، وكذلك المحبّة التي تؤدّي إلى الإتيان بالواجبات وترك المحرّمات، هناك المحبّة التي تؤدّي إلى الإتيان بالمستحبّات وترك المكروهات والمشتبهات، حتّى إنّها تؤدّي في بعض الأحيان إلى ترك بعض المباحات، وهي مرتبة مستحبة ذات فضيلة. إنّ هذه المحبة واسعة وذات مراتب عديدة حيث يصعب تحديدها وتشخيصها.

*محبّة الإنسان لله أكبر
خلاصة الكلام أنه وبالإضافة إلى نصاب الإيمان الواجب تحصيله على الجميع، وكذلك تحصيل المحبّة اللازمة للإيمان والمحبّة المؤدية إلى ترك المحرّمات والإتيان بالواجبات، فإنّ الإيمان وبموازاته محبّة الله، ذو مراتب أعلى وأكمل. يشير بعض الآيات والروايات إلى مراتب الإيمان العالية والكاملة. وأمّا خلاصة ما أرادت الآيات والروايات الإشارة إليه هي أنّ الإيمان الكامل والخالص هو الذي يحصل عندما تصبح محبّة الإنسان لله أكبر من محبته لغير الله.

يقول الإمام الصادق عليه السلام حول العلاقة بين الإيمان ومحبة الله: "لا يمحض رجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحبّ إليه من نفسه وأبيه وأمه وولده وأهله وماله ومن الناس كلّهم"(1).

*مظاهر من الحبّ الخالص للرسول صلى الله عليه وآله وسلم
جاء في المصادر الروائية، قصة جميلة ومعبّرة تحكي التعاطي اللائق لشابّ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرّ عليه غلام دون البلوغ وبشّ له وتبسّم فرحاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: أتحبني يا فتى؟ فقال: إي والله يا رسول الله، فقال له: مثل عينيك؟ فقال: أكثر، فقال: مثل أبيك؟ فقال: أكثر، فقال: مثل أمك؟ فقال: أكثر، فقال: مثل نفسك، فقال: أكثر والله يا رسول الله.

فقال: أمثل ربك؟ فقال: الله الله يا رسول الله، ليس هذا لك ولا لأحد، فإنّما أحببتك لحبّ الله. فالتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى من كان معه وقال: هكذا كونوا، أحبّوا الله لإحسانه إليكم وإنعامه عليكم وأحبّوني لحبّ الله"(2).

انظروا إلى أيّ مرحلة كان قد وصل الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مستوى المعرفة الإسلامية وكيف كانوا متأثّرين بالتربية الإسلامية، إذ إنّ شاباً يافعاً كان ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظرة مليئة بالعشق والمحبة، ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله حول إذا ما كان حبه له أكبر من حبه لله، يتعجّب الفتى من أنه لا يمكن أن يكون حبّ شخص أكبر من حبّ الله، لا بل يشير إلى أنه يحبّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يحبّ الله تعالى.

* ترجيح محبّة الله على محبّة غيره
يجب أن تكون محبة الله على الدوام أكثر من محبة غيره وإلى مستوى أنها تدفع الإنسان ليكون جاهزاً للجهاد في سبيل الله ضدّ أعدائه، وليكون جاهزاً لتقديم روحه في مسيرة عشق الله وحبّه. طبعاً، ليست هذه المرتبة من محبة الله هي الأعلى، بل هي أكثر بقليل من حدّ المحبة اللازمة للإيمان بالله تعالى.

ونصل بعد ذلك إلى مرتبة يكون فيها الإنسان جاهزاً للعمل في دائرة المستحبّات حتى إنّه يختار أوامر وتعاليم الله المستحبة ويرجّحها على ما يطلبه الرفيق والزوج والولد.

في بعض الحالات، يطلب الله تعالى من الإنسان صرف النظر عن القيام بالتكاليف غير الإلزامية ليحصل على رضا الآخرين وليلبّي ما يرغبون به. في هذه الحالة، يكون الدافع عند الإنسان هو ما يريده الله تعالى، لا بل تزداد محبة الله عنده. جاء في بعض الروايات أنّ الصائم إذا دخل على شخص دعاه إلى تناول الطعام فمن المستحبّ تلبية دعوته، وقد أعدّ الله له ثواباً أعلى من ثواب الصيام. جاء في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من دخل على أخيه وهو صائم فأفطر عنده ولم يُعلمه بصومه فيمنّ عليه، كتب الله له صوم سنة"(3).

إذا عمل الإنسان، وانطلاقاً من المصالح التي أرادها الله تعالى، على تقديم ما يريده الولد وما تريده الزوجة على ما يريده التكليف الإلهيّ غير الملزم، وإذا عملت الزوجة على تقديم ما يريده الزوج على الإتيان بالمستحبّ، وكان الدافع في كلّ ذلك الامتثال لأمر الله تعالى، فسيكون ثوابهما كبيراً عند الله تعالى.

*المحبّة لله بالذات وبالعرض
من الصعب الوصول إلى أعلى مراتب محبة الله تعالى. وقد يلزم لأجل معرفة تلك المرتبة العالية لمحبة الله، التفات الإنسان إلى نِعَم الله أمثال: الزوجة والولد والبيت والطعام، وبما أن تلك النِعَم تؤمن احتياجاته، فإنّها تصبح متعلّقة بمحبته. إذاً تتعلق محبته بالذات وفي الدرجة الأولى بالنِعَم الإلهية، ثمّ تتعلّق بالله من باب أن الله تعالى هو الذي أعطاه هذه النِعَم. وإذا لم يلتفت إلى حقيقة أنّ تلك النِعَم قد وضعها الله تعالى بين يديه، لما أحبّ الله تعالى. ولكن عندما تظهر فيه المحبة بواسطة محبة النِعَم ويتبع ذلك محبة الله، عند ذلك تبرز محبة الله تعالى.

وعلى هذا الأساس، فعند التعارض بين محبة الله ومحبة نِعَم الله، تتقدّم محبة الله على محبة غيره. في الفرض المذكور تكون محبة الله تابعة لمحبة الخلق. ولكن وبعد أن تستقرّ محبة الله في القلب تتقدّم محبته على محبة الآخرين.

طبعاً، من المهمّ ومن القيّم جداً الوصول إلى هذه المرتبة من محبة الله؛ لأن النِعَم تزول، والمنعم باقٍ تفيض منه النعم على عباده باستمرار.

المرتبة الأعلى من محبة الله، أن يفكر الإنسان في صفات الكمال عند الله تعالى فيحبّ تلك الكمالات من باب أنّ الإنسان يميل بالفطرة نحو الكمالات. الشرط الأساس في الوصول لهذه المرتبة التي تكون محبة الإنسان لله فيها بالذات، أن يتعرّف الإنسان إلى كمالات الله اللامتناهية، ثم عندما يصبح محبّاً لله ولصفات جلاله وجماله، يصبح محبّاً لمخلوقات الله من باب كونها مظاهر الكمال والجمال الإلهيّ. هنا تكون محبة الإنسان للمخلوقات، تابعة لمحبة الله.

*أعلى مراتب معرفة ومحبّة الله
إنّ أعلى مراتب محبة الله أن يعتبر الإنسان أن كافة الكمالات هي لله تعالى وأن لا وجود لكمال مستقلّ وراء الكمال الإلهيّ. يعتقد هذا الشخص بأنّ كلّ كمال موجود هو لله وهو شعاع ومظهر من كمالاته اللامتناهية، ولا يعتقد بوجود كمال مستقلّ لأيّ واحد من المخلوقات. يجب القول في توضيح هذه المرتبة العالية من معرفة الله ومحبته، إنّ الموجودات الممكنة مركّبة من ذات وصفات وهي ذات حيثيات متعدّدة، كما إنّ فيها اختلافاً بين الذات والصفات. وأما محبتنا للموجودات فهي لوجود بعض الصفات فيهم المقبولة عندنا. قد يكون جمال البعض محل حبّ البعض الآخر، ثم يزول هذا الحبّ عند زوال الجمال؛ لأن الجمال أمر مختلف عن الذات، وما تعلق به الحبّ هو الجمال وليس ذات الشخص.

*المعرفة التوحيدية الخالصة
أما فيما يتعلق بالله تعالى فهو بسيط محض لا تكثُّر للمعاني فيه، وصفاته عين ذاته فلا يمكن للشخص أن يدّعي أنّني أحبّ الله لأجل الصفة الفلانية ولا أحبّه لأجل الأخرى. وإذا تعلقت محبّة الإنسان بصفات الله فقد تعلقت بذاته، لأنّ ذات الله تعالى عين صفاته وصفاته بعضها عين بعض. ومعرفة الله الصحيحة هي معرفة تتعلق بمجموع الذات والصفات التي بعضها عين بعض، ثمّ إنّ الأشخاص الذين وصلوا إلى المعرفة التوحيدية الخالصة وإلى معرفة بساطة الذات والصفات الإلهية، قد يصلون إلى هذه المرحلة من المعرفة، حيث يعتقدون بأنّ كافة الكمالات والصفات الحسنة متعلّقة بالله تعالى ويعتقدون أنّ كافة الصفات والكمالات تتعلّق بالذات بالله تعالى، وأنّ شعاع ومظاهر تلك الكمالات والصفات يسري في كافّة الموجودات، فتصبح المخلوقات بأجمعها مظاهر وتجليات أنوار الله الوجودية ولا يكون لها أيّ استقلال وأصالة ليصح الحديث بعد ذلك حول تبعيّتها لله تعالى. جاء في دعاء عرفة: "إِلَهِي أَنْتَ الَّذي أَشْرَقْتَ الأَنْوارَ في قُلُوبِ أَوْلِيآئِكَ حَتّى عَرَفُوكَ وَوَحَّدوكَ، وَأَنْتَ الَّذي أَزَلْتَ الأَغْيارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبّائِكَ حَتّى لَمْ يُحِبُّوا سِواكَ"(4).


1- بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ج70، ص25.
2- إرشاد القلوب، الديلمي، ج1، ص161.
3- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج10، ص152.
4- مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي، دعاء عرفة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع