مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

العباس عليه السلام أسوة كل مجاهد وجريح(*)

السيد حسن نصر الله حفظه الله

يوم الرابع من شهر شعبان هو ذكرى ولادة العباس بن علي عليهما السلام، وهو يومٌ وعيدٌ لكل من قدّم جراحاً في سبيل الله وفي سبيل القضايا المقدّسة وفي سبيل الأمّة. هناك موقفان لافتان للعباس عليه السلام أذكرهما للعِبْرَة وليس لاستعراض التاريخ: الموقف الأول، دروس العباس قبل الجراح التي أصيب بها في كربلاء، والموقف الثاني، بعد الجراح في كربلاء.

*قبل الجراح
الموقف الأول كان عندما أُحيط بالحسين عليه السلام ومَنْ معه في كربلاء، فحوصروا وقُطِعَ عنهم الماءُ والمدد، وأصبح واضحاً أنّ الأمورَ تتّجه بشكل قطعي إلى المواجهة الدامية التي ستكون نتيجتها القطعية، أيضاً، شهادة الإمام الحسين عليه السلام ومن معه، وسَبْيُ نسائه، وأسْر أطفاله.

هناك عادات عشائرية كانت موجودة في ذلك الزمان، فالعباس وإخوته الثلاثة ينتمون من جهة الأم إلى القبيلة نفسها التي ينتمي إليها شِمْر بن ذي الجوشن، القائد الأساسي لجيش يزيد في معركة كربلاء، فعرض الشِّمر أماناً على العباس وإخوته، أربعة شباب في زهرة العمر، كان العباس أكبرهم سناً. أتى قائد الجيش المحَاصِر، الذي سيقوم بعد ساعات بإبادة المعسكر الآخر بعرض الأمان، ولم يكن المطلوب في هذا العرض أن يخرج العباس وإخوته من معركة الحسين عليه السلام إلى صفّ أعدائه؛ وأن يشهروا السيوف على الحسين عليه السلام إنما المطلوب منهم فقط أن يخرجوا من المعركة وأن يذهبوا حيث يشاؤون.

كان مطلوباً من العباس وإخوته الشباب، فقط، أن يكونوا على الحياد ليأمنوا وليبقى لهم شبابهم وزهرة حياتهم، ولكن ماذا كان موقف العباس عليه السلام؟ كان موقفه معروفاً، رفض هذا الأمان، بل تبرّأ مِمَّن طرح عليه الأمان واحتجّ عليه ولعنه وقال له: لعنَك الله ولعن أمانك، أتُؤمِنُنا وابن بنت رسول الله لا أمان له؟!
في معركة الدفاع عن الحق، عن الرسالة، عن المقدسات لا مكان للحياد، هكذا كان الشرفاء والعظماء وأهل الحقّ طوال التاريخ.

*بعد الجراح
الموقف الثاني للعباس عليه السلام كان في المعركة، وهو يؤدّي دوراً واضحاً ومحدّداً.
في بداية المعركة، هو حامل الراية والقائد العسكري للجيش، أو يمكن أن نقول عنه تشكيل المقاومة المحدود الذي لم يتجاوز 71 رجلاً ـ ولكن بعد استشهاد كل هؤلاء المجاهدين تحوّل هذا القائد إلى مقاتل في الميدان، وإلى جانب القتال طُلِب منه أن يؤدّي مهمّة لوجستية على درجة عالية من الأهمية، وهي إحضار الماء.
بالتأكيد إحضار الماء ما كان ليغيّر مسار المعركة على مستوى نتيجتها الكبرى، ولكن كان يمكن أن يُحدث تطوّراً كبيراً في مسار المعركة... هكذا فَهم قادة الجيش المعادي الذين كانوا يدركون جيّداً ماذا يعني أن يصل الماء إلى الحسين وإلى العباس، وإلى النساء، وإلى الأطفال وإلى الأيتام.

العباس عليه السلام ذهب إلى المعركة، وقاتل، وحمل الماء وسلك طريق العودة. وكما هو معروف قُطِعَت يده اليمنى ولم يتوقف، بقي يحافظ على قربة الماء، يعني أنه حافظ على أداء "المهمة اللوجستيّة" الموكلة إليه، وبقي يقاتل بيده اليسرى، كان يقاتل وهو جريح.
وقُطِعَت يد العباس عليه السلام اليسرى، وفقَدَ إمكانية أن يكون مقاتلاً يحمل السيف أو الرمح أو يضرب بالنبل، بقيت له المهمّة اللوجيستية، الدعم وإيصال الماء إلى الحسين وإلى حرم الحسين.

*واصل المهمة ولم يتوقف

كأنّي بالعباس في تلك الموقعة لا يحتضن القربة فقط بما بقي من يديه، بل كان يحتضنها أيضاً برقبته وبرأسه وبذقنه، كان كل حرص العباس في تلك اللحظات التي كان يعلم أنها في الدنيا مجرد دقائق أو ساعات، على أحسن الفرضيات، كان كلّ همّه أن يصل بالماء إلى الحسين عليه السلام وإلى حُرَم الحسين عليه السلام. وأكمل المسير، قُطعت يده اليمنى ولم يتوقف، وواصل العمل؛ وقطعت يده اليسرى ولم يتوقف، وواصل العمل؛ سقط السهم في عينه، انطفأت إحدى عينيه وبقيت له عين يرى بها، ولم يتوقف، وواصل العمل. وحتّى عندما انطفأت الثانية، لم يتوقف وواصل العمل مراهناً على صحّة الاتجاه الذي يسير به فرسه إلى أن سقط عن الفرس، بعد أن تلقّى ضربة بعمود من حديد على رأسه. عندما سقط وانهارت إمكانيّة تحقيق المهمّة نادى مودعاً ومؤكداً صدق بيعته: "السلام عليك يا أبا عبد الله".

*من العبّاس نتعلّم
من العباس عليه السلام نتعلّم العزم، والإرادة، والمثابرة والتصميم على مواصلة العمل. حتى ولو فقدنا القدرة على القيام ببعض هذا العمل. في العمل ليس مهماً أن تطلق النار أو تضرب بالسيف أو تركب على ظهر الفرس أو أنك في مقدَّم الجبهة أو في خلف الجبهة، المهم أنّك تعمل ما تستطيع لأنّ الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها وأن يكون العمل الذي تقوم به خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى.

وفي خلاصة الفكرة نقول: إنّ ما بقي لدى أيّ إنسان مصاب أو جريح من طاقة وإمكانية هي وديعة لديه من الله سبحانه وتعالى، وبقدر الطاقة المتبقّية، هناك مسؤوليات ملقاة على عاتقه، ويمكن أن يقوم بها وأن يؤديها، وله أسوة بمن قطعت يده اليمنى، وقطعت يده اليسرى، وواصل الجهاد من موقع الدعم وليس من موقع القتال. هذه في مواقف العباس عليه السلام الذي هو قدوتنا وأسوتنا وعنواننا ورمزنا.


(*) من كلمةٍ ألقاها سماحته بمناسبة يوم الجريح 2013م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع