مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

أحبّ عباد الله (14): مَن أخلص لله

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي

"قد أخلص لله فاستخلصه، فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمَّها، ولا مظنّة إلا قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه، يَحُلُّ حيث حلَّ ثقله وينزل حيث كان منزله" (1).
بدأ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعض عبارات خطبته بحرف "قد" الذي هو حرف تحقيق، حيث يحكي الأمر عن تحقّق مفاد العبارة، ثم بعد ذلك أورد النتائج السلوكيّة للصفات المذكورة، فذكر عليه السلام في الجملة الأولى أهمّ صفات عباد الله وعصارة فضائلهم:
"قد أخلص لله فاستخلصه فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه".


*نتائج الإخلاص في الفكر والسلوك
"الإخلاص" عبارة عن إخراج غير الله عن حريم القلب وجعله خالصاً للمحبوب الأزلي والأبدي. والإخلاص للذات الإلهيّة المقدّسة يعني الحركة في مسير ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (البقرة: 156).
ويظهر من خلال المصادر الإسلامية ودراسات المحققين في معرفة الإنسان الدينيّة أن الإخلاص في الفِكر والقولِ والسلوك، يؤدي إلى بروز الدفائن الداخلية حيث تجري ينابيع المعرفة الخالصة من داخل الإنسان. إنّ الإخلاص في الفكر والسلوك يجعل الوقائع والحقائق قابلة للشهود وذلك تبعاً لمستوى قدرات واستعدادات الإنسان، ويمنع اختلاطها بالتخيّلات والأوهام الملوّثة حيث يحول ذلك دون دخول الميول الحيوانية إلى داخل الإنسان. يضاف إلى ذلك أنّ الإخلاص في القول والابتعاد عن خداع الناس بكلمات جميلة، يؤدي إلى تخليص الذات والآخرين من الآثار المشؤومة التي تأتي على أثر خداع الناس بالكلام.

إن الإخلاص في العمل، والابتعاد عن الأنانية ومحورية الذات، عامل فعّال وبنّاء على مستوى وجود الإنسان في مسير الحياة المعقولة والإلهية. وإن الذي يرغب في الحصول على جوهر الإخلاص، يجب أن يبذل كل جهده للوصول إليه، فلا يترك في تفكيره وعمله أي مكان لنفسه أو لغير الله؛ وإلا جعل ذلك شريكاً لله تعالى. والله تعالى لا يقبل العمل غير الخالص. أما الذي تمكّن من الوصول إلى مقام الإخلاص والمخلصين فقد شملته العناية الإلهية وشمله رضوان الله تعالى.

*مقامات الإخلاص
وبعبارة أخرى يمتلك عباد الله مقامين:
المقام الأول هو "مقام المخلِصين" الذي يحصل من خلال الرياضة والمجاهدة والإخلاص في النية والكلام والسلوك، وهذا هو المقصود من عبارة الإمام "قد أخلص لله"، وإليه أشارت بعض الآيات الشريفة أمثال: ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (يونس: 22)،
﴿فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لله الدِّينُ الْخَالِصُ (الزمر: 2-3).
المقام الثاني هو "مقام المخلَصين" الذي يترتب على المقام الأول، وهو مقام يَمُنّ به الله تعالى على الشخص بعد محاربة النفس وتحصيل الإخلاص في الفِكر والكلام والسلوك، حيث يختاره الله لنفسه ويفيض عليه من الكمالات والمراتب المعنويّة الخاصة. وتشير إلى هذا المقام عبارة "فاستخلصه"، وبعض آيات القرآن الكريم أمثال الآية الشريفة: ﴿...إِلَّا عِبَادَ الله الْمُخْلَصِين (الصافات: 40).

*عباد الله المخلَصين
إن المخلَصين من عباد الله هم الذين سَلّموا حريم قلوبهم للمعبود ولم يُدْخلوا إليه إلّا الله. من هنا، لا طريق للشيطان إلى قلوبهم ولا يمكنه التدخّل في سلوكهم، بل الشيطان يعيش حالة يأس منهم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (ص: 82-83).
الإخلاص، روح كافّة الأعمال. وإذا حصل العمل انطلاقاً من الإخلاص كان مفيداً للشخص وللآخرين. أما إذا كان من دون إخلاص، فلن تكون فيه فائدة للشخص على رغم التعب الذي تحمّله، ولن تكون فيه بركة للآخرين. إن الله تعالى، وطبق سنّته، يجعل العمل الصغير كبيراً إذا كان مع الإخلاص، لا بل ويجعل فيه الكثير من البركات. وبالمقابل فالأعمال الكبيرة تكون بلا بركة ولا فائدة إذا لم تنطلق مع الإخلاص.

*تصحيح النيّة وقصد القربة
لما كان تحصيل الإخلاص ضرورياً وكان العمل الذي لا إخلاص فيه غير هام، فقد أوصى عظماء الدين الإنسان بالعمل والسعي لتحصيل الإخلاص. طبعاً ليس من السهل الوصول إلى هذه المرتبة. وبما أن تصحيح النية وخلوصها لله وقصد القربة إليه أمر شاق، فإن أغلب الناس لا يلتفتون إلى هذه النية لوقوعهم تحت تأثير الوساوس الشيطانية، ويعتقدون أن العمل الحسن هو المفيد بغض النظر عن النية. والأكثر من هذا أن بعض الأعمال قد يكون مفيداً للمجتمع إلا أن فيه الخطر والضرر على صاحبه والسبب في ذلك أنه كان يفتقد النيّة الإلهيّة والإخلاص.

على هذا الأساس، فالذي يصرف ثروة طائلة في خدمة المجتمع وهو يقصد من ذلك الظهور والرياء وثناء الناس، فإن عمله هذا مفيد، إلا أنه لا يحمل أي نفع له؛ لأن عمله فاقد للإخلاص. وهذا يعني أن الدوافع الإلهية لم ترفع من كمالاته وبالتالي لن يكون قريباً من الله تعالى. هذا الإنسان لم يحصل من كل الجهود التي بذلها والأموال التي صرفها على أي منفعة. يتحدث القرآن الكريم حول عاقبة أعمال هؤلاء الأشخاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (البقرة: 264).

بناءً على ما تقدّم، فالذين يرغبون في السعادة الأخروية وقبول أعمالهم عند الله تعالى، يجب أن يدقّقوا في دوافعهم. فإذا كان لسماع ثناء الآخرين وشكرهم أثر في سلوكهم، بحيث يقل عندهم النشاط للعمل مع عدم وجود الشكر والثناء، علموا أن نيّتهم ودافعهم غير صحيح. أضف إلى ذلك أن الإنسان إذا أتى بعمل لله تعالى مع إخلاص ونيّة صادقة، فلا ينبغي لثناء الآخرين أو ذمّهم أن يؤثر عليه. لذلك لا يجب أن نطمئن لدوافعنا وسلوكياتنا، بل أن ننظر إلى أنفسنا من موقع الاتهام فلا نرضى عن سلوكنا. جاء عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده فلا يزال زارياً عليها ومستزيداً لها"(2).

*هكذا يحصل الإخلاص
هناك عاملان أساسيان لتحصيل الإخلاص:
العامل الأول، معرفة أهمية وقيمة الإخلاص ودوره في تعالي عمل الإنسان وروحه، وفي المقابل معرفة الأضرار والخسائر التي تتركها النية غير الخالصة والعمل غير الخالص.
الإنسان يمتلك تعلّقات ماديّة وموانع تردعه من إصلاح النفس، لذلك لا يكفي الدافع بداية للحصول على المعرفة، بل لا بد من الهمّة والإرادة الجدية. يجب الالتفات إلى أن الإدراك الأفضل لأهمية وموقع الإخلاص، يفرض القول إنّ أياً من الظواهر الروحية لا يمكنه تنظيم الحياة المضطربة كما يفعل الإخلاص، وهذا يؤدي في النهاية إلى الاطمئنان. أما السبب الذي يؤدي إلى وجود الاطمئنان عن طريق الإخلاص فهو أنّ روح الإنسان المخلص عندما تلتقي بحقيقة متعالية تكون قد أدركت ضالتها، فترى ذاتها، حينئذٍ، تتحرك في مسير المقصد المتعالي، وهذا ما يدفعها إلى طرد الظلمات الواردة من كل صوب وبالتالي الحركة في ذاك النور.

العامل الثاني لتحصيل الإخلاص، محاربة العادات المضرّة. طبعاً يجب الالتفات إلى أن مرحلة الشباب أفضل مرحلة لمواجهة العادات المضرة، حيث لم تترسخ تلك العادات في الإنسان. ولكن عندما يتجاوز الشخص مرحلة الشباب ويصل إلى أواسط العمر، تتجذّر العادات السيئة فيه فيصبح القضاء عليها صعباً. من هنا نجد أن الإمام الخميني قدس سره قد أوصى الشباب في دروسه الأخلاقيّة بتربية النفس وتزكيتها، لأن الأمر يصبح في غاية الصعوبة في المراحل المتقدمة من العمر.

*بالإخلاص نرجع الأمانة
عندما يدرك الإنسان أن وجوده بأكمله من الله، عند ذلك يجب عليه أن يُقدّم كل ما يملك لله وللمالك الحقيقي، ولا ينبغي أن يكون إخلاصه أمراً بعيداً عن التصور أو أن يكون غير عادي. الذي يعتقد بأن وجوده وكافة الأمور التي بين يديه من الله تعالى وأنّه يعيش طبق المشيئة الإلهية وأنه يقوم بأعماله انطلاقاً من خضوعه للمالكيّة الإلهية، هذا الشخص يحكم العقل والمنطق له بأنّ عمله كان انطلاقاً من الإخلاص. ويتمكن الإنسان من خلال الإخلاص في النية والعمل من إرجاع الأمانة (النفس) التي أعطيت إليه إلى صاحبها الأصلي، فهو لا يعترف لغير الله بما يفكر ويقوم به.


1.نهج البلاغة، الخطبة 87.
2.م.ن.، الخطبة 175.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع