نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

الفصل الثاني‏: أسلوب تحليل الظواهر السياسية


في الفصل الأول تركز البحث حول أهم المسائل التي ينبغي للمهتم بالشأن السياسي أن يطّلع عليها، حيث ذكرنا أن السياسة الحقيقية هي السياسة التي ترعى شؤون البلاد والعباد دنيا وآخرة ولذلك فلا فصل بين الدين والسياسة، بل هي عين الدين. والإنسان المسلم كما يرجع في المسائل العبادية والمعاملاتية إلى الفقيه الجامع للشرائط، كذلك عليه الرجوع في المسائل والمواقف السياسية إلى الولي الفقيه. ثم أنهينا الفصل المنصرم باعتبار القدرة السياسية كموضوع للسياسة أقرب من موضوعية الدولة أو القدرة بصورة مطلقة.

في هذا الفصل سوف نتعرف على أقسام التحليل السياسي، والمفاهيم التي يستخدمها المحللون. والوسائل المعتمدة في التحليل، والموازين التي توزن بها صحة التحليل أو سقمه، ومسائل أخرى ملحة في هذا المجال.


* أقسام التحليل السياسي‏
ينقسم التحليل السياسي إلى أربعة أقسام هي: 1- التحليل السياسي العام. 2- التحليل المناطقي. 3- التحليل التخصيي. 4- ما فوق التخصيص.
1- التحليل السياسي العام
وهو عبارة عن توضيح الظواهر السياسية وكشف الارتباط التسلسلي للأحداث إلى عامة الناس. فبغض النظر عن الجانب التخصصي لبعض المسائل السياسية، يجب أن يعرف عامة الناس، باعتبار أنهم عنصراً سياسياً في صنع الوطن وباعتبار كونهم جزءاً من العالم، خصوصية الموقع الذي يحتلونه على المستوى العالمي، ويجب أن يعرفوا الأشخاص الذين يحكمونهم ويتسلطون عليهم، الأصدقاء والأعداء من حولهم إلى غير ذلك. فالتحليل على هذا المستوى يعبر عنه بالتحليل السياسي العام.

2- التحليل السياسي المناطقي

وهي مرحلة أعلى من التحليل السياي العام، فلا تقع ضمن دائرة اهتمامات عامة الناس. وإنما يشتغل بها الأشخاص الذين تتأثر أعمالهم ووظائفهم بالأحداث العالمية. فعلى هؤلاء الأشخاص أن يكونوا محيطين بالعوامل المؤثرة على الأقل في المناطق التي ترتبط بأعمالهم، وتكون لديهم القدرة على تحليل الظواهر السياسية على مستوى تلك المناطق، فالعسكريون، وأساتذة العلوم الاجتماعية، علماء الاقتصاد، التجار الكبار، المسؤولون التنفيذيون في البلد، وكذلك علماء الدين يجب أن يكونوا في مستوى المحلل السياسي المناطقي أو أعلى.
في التحليل المناطقي تتفاوت المسائل المختلفة من حيث الأهمية. فمضافاً إلى المسائل الكلية في التحليل العام، يجب تحصيل المعلومات المطلوبة حول المسألة الأكثر أهمية والأشد ارتباطاً بعمل المحلل بشكل عميق ودقيق والمحافظة على اطلاع عام حول مسائل المنطقة الأخرى.
من التقسيمات المناطقية المعتمدة في العالم منطقة الشرق الأوسط. أفريقيا الشمالية، أفريقيا السوداء، شبه القارة الهندية، جنوب شرق آسيا، أوروبا الغربية، أوروبا الشرقية (سابقاً). أمريكا اللاتينية، روسيا، الولايات المتحدة، دول الخليج الفارسي وغيرها من المناطق التي يعتبر الاطلاع على مسائلها ضمن إطار التحليل السياسي المناطقي.

3- التحليل السياسي التخصصي‏

يتمتع هذا النوع من التحليل بنوع من الاحتراف. فالأشخاص الذين يتخصصون في هذا الحقل أو يريدون العمل في السلك الدبلوماسي للدولة ينتمون إلى هذا القسم من التحليل السياسي، كالمتخصصين في مسائل المغرب العربي، فلسطين الكويت، سوريا، إيران وغيرها، حيث لا يمكن تأمين المواد الأولية والمعلومات الضرورية لهذا النوع من التحليل من خلال الطرق العادية، لذا يشتغلون في سلك الدولة لتحصيل ذلك.

4- التحليل السياسي فوق التخصصي

بعنى هذا القسم في مسائل محدودة جداً ويدرسها دراسة معمقة جداً. ويعتمد التحليل فوق التخصصي على المعلومات الأمنية والتجسس وأمثالها. كالتخصص في العلاقات الاقتصادية الروسية- الأميركية الإعلام الأمريكي في بلاد الشيوعيين- مسائله ووسائله. معرفة مراكز التأثير على القرار في البيت الأبيض. الكرملين... الخ، بديهي أن الطريق الوحيد للحصول على المواد الأولية لهذا من التحليل- كما في القسم الثالث- هو عبر المؤسسات الأمنية والمعلوماتية للدولة.

* ضرورة التعرف على أسلوب التحليل السياسي‏
في البحث المرتبط بعدم فصل الدين عن السياسة أوضحنا أن الدين لا يرتبط بالسياسة ارتباطاً عضوياً (كأعضاء الجسد الواحد) وحسب، وإنما هو عين السياسة والسياسة عين الدين. كما يعبر الشهيد مدرسي: إن إحدى أهم مسؤوليات الإمام المعصوم في ثقافة التشيع، بل الإسلام. إدارة شؤون البلاد والعباد "ساسة العباد وأركان البلاد"1 وعلى هذا الأساس. ورد في الرسائل العملية "يجب تعلم المسائل التي يبتلى بها الإنسان عادة" ومن أهم هذه المسائل والواجبات الشرعية حفظ النظام الإسلامي. وبالتبع التعرف على أصول السياسة وأسلوب تحليل الظواهر والحوادث. فعن صادق أهل البيت عليهم السلام "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس". فالإنسان قادر. في عالم السياسة والمكر، بامتلاكه البصيرة والوعي أن يتوصل إلى التحليل الصحيح للأحداث، وفهم الوقائع كما هي فلا ينخدع ولا يلتبس عليه الأمر، ويكون أقدر من غيره بمراتب على الدفاع عن مصالح الإسلام والناس عموماً.

يقول الإمام الخميني قدس سره في كتاب الحكومة الإسلامية: "ونحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمة الإسلامية وتحرير أراضيها من يد المستعمرين وإسقاط الحكومات العميلة لهم إلا أن نسعى إلى إقامة حكومتنا الإسلامية وهذه بدورها سوف تتكلل أعمالها بالنجاح يوم تتمكن من تحطيم رؤوس الخيانة وتدمر الأوثان والأصنام البشرية والطواغيت التي تنشر الظلم والفساد في الأرض... نحن مكلفون بإنقاذ المحرومين ومناوأة الظالمين (كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً). وعلماء الإسلام مكلفون بمناضلة المستغلين الجشعين لئلا يكون في المجتمع سائل محروم مقابل حرفة جشع أصابه بطر "وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم"2.
ومن البديهي أنه بدون معرفة أسلوب التحليل السياسي للأحداث فإن مقارعة الطواغيت ومحاربة الحكومات الظالمة غير ممكنة أو أنها لن تكون مجدية.

إن المعرفة السياسية في الواقع متلازمة مع مصير الإنسان وخاصة مع شخصية الإنسان المسلم. فمن أهم واجبات المسلمين: النصيحة لأئمة المسلمين... الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الاهتمام بأمور المسلمين. مقارعة الظالمين وإعانة المظلومين و.... والكثير غيرها مما لا يمكن العمل به بدون معرفة السياسة المرسومة بين الشعوب. إن أهم أساليب السياسة الاستكبارية هو استخدام المكر والخداع. حيث يظهر المستكبرون حرصهم على مساعدة البلاد والشعوب المتخلفة على التطور والسير في ركب الحضارة. ومن خلال المؤسسات الخدماتية كالمستشفيات والجامعات وغيرها يبدأون بالنفوذ شيئاً فشيئاً حتى يصل الأمر إلى التحكم بجميع مقدرات البلد، فما لم يمتلك الشعب الوعي السياسي الكافي فسوف يقع تحت مخالب الاستكبار بالتواطوء مع الحكومات العميلة المتسلطة.
يقول جمع من أساتذة علم السياسة: "إن الهدف الأصلي للدروس المرتبطة بعلم السياسة هو التربية الصالحة للبلد؛ لأن أعداد الطلاب للاشتغال في الأمور السياسية الحقوقية، التربوية، الخدمات العامة من أهم الأولويات في الدروس السياسية. فالإحساس بالمسؤولية تجاه البلد هو العامل الأساسي لنجاح الديمقراطية واستقرارها. وفي المقابل الجهل وعدم الإحساس بالمسؤولية سوف يؤديان إلى اجتثاث الديمقراطية من الجذور"3.

* مفاهيم التحليل السياسي‏
أ- التجزئة والتحليل‏
التجزئة بمعنى فصل العناصر والعوامل المؤثرة في الظاهرة السياسية وجعل كل عنصر على حدة. والتحليل بمعنى كشف الروابط العضوية (الواقعية) والعلاقات القانونية (الاعتبارية) بين تلك العناصر والعوامل المكونة لهذه الظاهرة.

ب- التحليل السياسي‏

إن الإنسان بامتلاكه المعلومات الكافية والخبرة اللازمة تصبح لديه ملكة نفسانية تمكنه من فهم الظواهر والمجريات السياسية بشكل صحيح وتعينه على اكتشاف الارتباط التسلسلي والمتقابل للأحداث.
فالعملية التي يقوم بها الإنسان من خلال هذه الملكة تسمى التحليل السياسي.

ج- الرؤية السياسية

وهي عبارة عن الثوابت السياسية الأساسية التي يتوصل إليها الإنسان من خلال فهمه لحقائق الأحداث ووقائع الأمور السياسية، ومن الواضح أنه لا يمكن امتلاك رؤية سياسية بدون المقدمات الأساسية لذلك وأهمها فن التحليل السياسي.

د- التوجيه السياسي‏

وهو يعني توضيح وتشريح المسائل السياسية مقرونة باستدلالات وحجج لإقناع الآخرين وهو على نوعين: الأول وهو تفسير المسائل الاجتماعية والسياسية وأمثالها بناءً على التصديق بمذهب أو رؤية فلسفية مسبقة كتفسير التحولات الاجتماعية على أساس المادية التاريخية.
والثاني أن لا يتبنى مذهباً معيناً بل يميل كلما مال الحاكم ويخضع لآرائه ومصالحه.

هـ- الحدث السياسي‏

وهو إما أن يُلحظ منفرداً ويعمل على تجزية وتحليل العوامل المؤثرة فيه وتفسيرها. وإما أن يلحظ باعتبار كونه عاملاً مؤثراً على مجموعة من المجريات الأخرى.
وتحت عنوان مفاهيم التحليل السياسي عالج بعض علماء السياسة4 الأدوات المستخدمة في فن التحليل. هذه الأدوات عبارة عن الظاهرة الرابطة، الدلالة، الاستدلال، النظرية، العلة والمعلوم.

الظاهرة: وهي الحدث، تنقسم إلى المستقلة والمرتبطة، فالثورة الإسلامية ظاهرة مستقلة، أما معارضو الثورة فظاهرة مرتبطة، والرابطة هي حلقة الوصل التي تربط بين الظواهر والمتغيرات السياسية، وقد تكون فكرية أو عاطفية أو تنظيمية أو اقتصادية، كما يمكن أن تكون ثابتة أو غير ثابتة. علنية أو سرية، والدلالة ما دل على أمر معين، ويقسمها المنطقيون إلى طبيعية وعقلية ووضعية. كما يقسمون الاستدلال إلى قياس، واستقراء، وتمثيل. كما أن للعلة والمعلول تقسيمات عديدة مذكورة بالتفصيل في كتب المنطق والفلسفة. فجمع المعلومات حول ظاهرة سياسية معينة، وهو اللبنة الأولى في التحليل السياسي، يعتبر عادة دلالة وضعية لفظية، والبحث عن القرائن والأدلة بحث في الدلالة العقلية والعلل والأسباب وأنواعها. فحق لذلك أن يبحث السياسي في هذه المباحث الفلسفية والمنطقية على الرغم من كون التحليل السياسي إلى الفن أقرب منه إلى العلم.


1- الزيارة الجامعة الكبيرة.
2- الحكومة الإسلامية ص‏35- 36 بتصرف.
3- التعرف على علم السياسة، ص 22.
4- فرهاي نبا- فن التحليل السياسي ص 18.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع