آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها

الشيخ محمود عبد الجليل

 

جعل الله الظُّلم من أقبح المعاصي وأشدِّها عقوبةً، وقد حرَّمه تبارك وتعالى بكلِّ أنواعه في مواطن كثيرة من كتابه الكريم، وتوعَّد الظالمين بالعذاب الشديد في يوم العدل المطلق، ففيه توفَّى الحقوق وتُستردّ المظالم، حيث يستوفي الله مظالم العباد كاملةً، دونما نقصان، قال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47)، وقال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (آل عمران: 30). 

• معنى المظالم وردِّها
المظالم جمع مظلِمة، وهي كلّ فعلٍ جائرٍ تُجاه الآخر، سواءٌ كان هذا الفعل الجائر مادّيّاً أم معنويّاً، وقد يكون الظالم شخصاً واحداً أو جماعة، كما وقد يكون المظلوم مجتمعاً بأسره كما في الحقوق العامّة. 

وردُّ المظالم من المصطلحات الفقهيّة، ويعني أنّه يجب على الظالم ردُّ تلك المَظلمة إلى المظلوم، أو إرضاؤه بإرجاع حقِّه إليه، أو تعويضُه ما ضيَّع من حقِّه، بما يؤدِّي إلى الصفح عنه، ففي الرواية عن شيخ من النخع قال: "قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنّي لم أزل والياً منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا، فهل لي من توبة؟ قال: فسكت عليه السلام ثمّ أعدت عليه، فقال عليه السلام: لا، حتّى تؤدّي إلى كلّ ذي حقٍّ حقَّه"(1). وممّا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من اقتطع مالَ مؤمنٍ غصباً بغير حقِّه، لم يزل الله عزَّ وجلّ مُعرِضاً عنه، ماقتاً لأعماله التي يعملها من البرِّ والخير، لا يُثبتها في حسناته حتّى يتوب، ويردّ المال الذي أخذه إلى صاحبه"(2). 

ومن المعلوم أنّ ظلم الإنسان لأخيه من الذنوب التي لا يغفرها الله، بل هي موكولةٌ إلى صاحبها، فإن لم يسامح بها، سيتمّ الاقتصاص بها من الظالم يوم القيامة، يوم ينادي الله تعالى: "أنا الله لا إله إلّا أنا الحكم العدل الذي لا يجور، اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي، لا يُظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقِّه، ولصاحب المظلِمة بالمظلِمة بالقصاص من الحسنات والسيّئات، وأثيب على الهبات، ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالمٌ، ولا أحدٌ عنده مظلِمة، إلّا مظلِمة يهبها صاحبها، وأثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب، فتلازموا أيّها الخلائق، واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا، وأنا شاهد لكم عليهم، وكفى بي شهيداً"(3).

•أنواع المظالم
قسّم العلماء المظالم إلى قسمين: أحدهما الحسّيّة أو المادّيّة، والأخرى النفسيّة أو المعنويّة.

1. المظالم المادّيّة: هي المظالم التي تكون بسبب الاعتداء على الآخرين بالضرب المستوجب للدية، أو السطو، أو السرقة، أو الغصب، أو حبس الحقوق، وما يحدث أحياناً بين الورثة من ضياع الحقوق، والحيلولة بين المرء وحقِّه، وكذلك الاعتداء على المال العامّ. وأمثلة ذلك كثيرة جدّاً، منها ما يفعله بعض الطلبة في المدارس، كتخريب مقاعد الدراسة وطاولاتها، وبعض المعدّات كاللّوح وأدوات الكتابة وغير ذلك، أو إتلافها، وكذلك ما يمارسه بعضهم في وسائل النقل، كتمزيق المقاعد أو الكتابة عليها، أو الحفر عليها بآلات حادّة، وكالتلاعب بدوام العمل ووقته، مع كونه يتقاضى الراتب كاملاً دون نقيصة، ومنها ما يقوم به بعضهم من التعدّي على مزروعات الآخرين، بتكسير الغصون أو ما شاكل ذلك، أو تحطيم زجاج منازل بعض الجيران، سواء كان عن عمدٍ أم عن طريق الخطأ. وفي كلّ ذلك يُسمى المخطئ بعرف الحقوق هنا ظالماً، ويجب عليه الضمان من دون فرق في ذلك كلّه، بين كونه مكلّفاً أثناء المظلِمة أو غير مكلّف. 

2. المظالم المعنويّة: هي المظالم التي قد يسمّيها بعضهم بالنفسيّة، ومن أمثلتها: السخرية، والاستهزاء، والسبّ، والشتم، والإهانة، والاستخفاف بالآخرين، وإدخال الحزن والأسى على قلب الآخر من خلال العبارات الجارحة والألفاظ المسيئة، وعدم الالتزام بآداب العلاقات الإنسانيّة، التى دعا إليها الإسلام، وبثّ الشائعات الكاذبة بين الناس، وهتك الأستار وكشف الأسرار، والتعيير، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك، ممّا يُشترط فيه التحلّل بردّ الاعتبار إلى المظلوم، وإصلاح ما أفسده منه، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "من كسر مؤمناً فعليه جبره"(4). وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أتدرون مَن المفلس؟ قالوا:يا رسول الله، المفلس فينا مَنْ لا درهم له ولا متاع، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ليس ذلك المفلس، ولكنّ المفلس مَنْ يأتي يوم القيامة حسناته أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيءٌ، أخذ من سيّئاتهم، فيردّ عليه، ثمّ صُلّ في النار"(5).

•ردّ المظالم.. لا يُنسى
لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ بعض الناس قد يقع في ظلم غيره أو التعدِّي على حقوقه، ولكن قد ينسى مع مرور الوقت ما اقترفه من ظلم، سواءٌ قبل سنّ التكليف أم بعده، وهنا يكمن التساؤل: هل تسقط المظالم وحقوق العباد بتقادم الزمان ومرور الوقت، كما هو الحال في القوانين الوضعيّة، أم تبقى في ذمّة الظالم؟ 

لقد حذَّرَنا النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من خطورة الظلم، وأمَرَنا برَدِّ المظالم، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من كانت لأخيه عنده مَظلِمة في عرض أو مال، فليتحلّلها منه من قبل أن يأتي يومٌ، ليس هناك دينار ولا درهم، إنّما يُؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات، أُخذ من سيّئات صاحبه، فزيدت على سيئاته"(6). 

وقد تعرَّض الفقهاء لأحكام المظالم، ووجوب تلافيها، وكيفيّة ردّها في أبواب فقهيّة عدّة، كالطهارات والغصب والوصيّة وغيرها. وذكروا أنّ المظالم وحقوق العباد لا تسقط بالتقادم، ولا تسقط إلّا بإسقاط صاحبها (المظلوم) حقّه عن الظالم. 

•كيفيّة ردّها
إنّ على من يريد إبراء ذمّته من المظالم والدخول في زمرة التوّابين، الذين يحبّهم الله تعالى، إحصاءَ ما ظلم به الآخرين، ومن هم الذين ظلمهم من النّاس، فإن: 

1. عرف المقدار والشخص، أوصل الحقّ إليه. 

2. وإن عرف الشخص ولم يعرف المقدار، عمل على التسامح منه وإرضائه، مع الالتفات إلى أن التسامح مشروطٌ بأن لا يؤدّي إلى ما هو أخطر أو أفظع، فيمكن عندئذٍ البحث عن وسيلة توصل حقّه إليه، دون أن يتعرّف المظلوم على ظالمه. 

3. إن عرف المقدار، ولم يعرف الشخص، تصدّق بالمقدار عن نيّة صاحبه. 

4. إن جهل الأمرين، حاول التصدّق بمقدارٍ يضمن به براءة ذمّته. 

•الاستعانة بالله على ردّها
ولعظيم خطورة مظالم العباد عند الله تعالى، نجد إمامنا زين العابدين عليه السلام يعلِّمنا كيف ندعو الله تعالى في ردِّها عنّا، فنقرأ في دعائه (دعاء يوم الاثنين): "وَأَسأَلُكَ فِي مَظالِمِ عِبادِكَ عِنْدِي فَأَيُّما عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِكَ أَو أَمَةٍ مِنْ إِمائِكَ كانَتْ لَهُ قِبَلِي مَظْلِمَةٌ ظَلَمْتُها إِيّاهُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي عِرْضِهِ أَوْ فِي مالِهِ أَوْ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أَوْ غيْبَةٌ اغْتَبْتُهُ بِها، أَوْ تَحامِلٌ عَلَيْهِ بِمَيْلٍ أَوْ هَوَىً أَوْ أَنَفَةٍ أَوْ حَمِيَّةٍ أَوْ رِياءٍ أَوْ عَصَبِيَّةٍ غائِباً كانَ أَوْ شاهِداً أَوْ حَيّاً كانَ أَوْ مَيِّتاً، فَقَصُرَتْ يَدِي وَضاقَ وُسْعِي عَنْ رَدِّها إِلَيْهِ والتَحَلُّلِ مِنْهُ، فَأَسْأَلُكَ يا مَنْ يَمْلِكُ الحاجاتِ وَهِي مُسْتَجِيبَةٌ لِمَشِيَّتِهِ وَمُسْرِعَةٌ إِلى إِرادَتِهِ أَنْ تُصَلِّيَّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تُرْضِيَهُ عَنِّي بِما شِئْتَ..."(7).


1.الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 330.
2.العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 101، ص293.
3.الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 8، ص 104.
4.الشيخ الصدوق، الخصال، ص 448.
5.العلّامة الحلّيّ، تذكرة الفقهاء، ج 14، ص 6.
6.النراقي، جامع السعادات، ج 2، ص 243.
7.الشيخ القمّي، مفاتيح الجنان، ص 74.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع