آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

مفاتيح الحياة: أثر المعاصي على البيئة(*)


آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ


نظافة فناء الدار لها تأثير في نظافة جسم الإنسان وسلامة روحه، مضافاً إلى تأثيرها في زيادة رزقه؛ قال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: "تَرْكُ الزِّنَا وَكَنْسُ الفِنَاءِ وَغَسْلُ الإِنَاءِ مَجْلَبَةٌ للَغَنا (الغنى)"(1). وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: "غَسْلُ الإِنَاءِ وَكَسْحُ الفِنَاءِ مَجْلَبَةٌ للرِّزْق"(2). وهو ما ورد أيضاً في حديث للإمام الرضا عليه السلام: "كَنْسُ الفِنَاءِ يَجلِبُ الرِّزْقَ"(3).

يشير الإمام المجتبى عليه السلام في حديثه إلى أثر النظافة الماديّة والمعنويّة في حفظ النعمة ووفرة الرزق.

يتناول هذا المقال، مسؤوليّة الإنسان تُجاه البيئة، فضلاً عن تأثير المعاصي فيها.

* وصايا في حفظ البيئة
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه نَهَى أن يَبُولَ أحدٌ تحت شجرةٍ مُثْمِرَةٍ أو على قارعةِ الطَّريق(4)؛ لذا، لا يليق بالمسلم، بعد الاستفادة من الأماكن العامّة، مثل الطرقات والمحطّات والحدائق والمساحات الخضراء، أن يخلّف أكوام النفايات في تلك الأماكن، ويلوّث البيئة.

إذا لم يهتمّ كلّ من الدولة والشعب، بتوسيع المساحات الخضراء السليمة والترفيهيّة، ولم يمنعا تلويثها، وعملا على تدمير نِعَم الطبيعة الإلهيّة، أو وقفا موقف المتفرّج من تلويثها، فإنّهما سيحصدان غضب الله وسخطه، كما جاء في حديث النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ثَلاثٌ مَلْعُونٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ: الْمُتَغَوِّطُ فِي ظِلِّ النُّزَّالِ [كالشوارع والأزقّة والظلال والحدائق ومحطّات استراحة المسافرين]، والْمَانِعُ الْمَاءَ الْمُنْتَابَ [أي لا يراعي نوبة الآخرين]، والسَّادُّ الطَّرِيقَ الْمَسْلُوكَ"(5).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً أنّه قال: "لا يَبُلْ عَلَى سَطْحٍ فِي الهَوَاءِ وَلا في مَاءٍ جَارٍ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ"(6).

* المعاصي تدمّر البيئة
إنّ وقائع العالم، إلى حدّ ما، هي نتيجة أفعال البشر؛ بمعنى لو أطاع الإنسان ربّه، وسلك طريق عبوديّته، فسيفتح الله عليه أبواب الرحمة والبركة الإلهيّة، أمّا إذا حاد عن طريق العبوديّة، وسلك وادي الانحراف والضلال، وتلوّث بالفكر الباطل والأهداف الفاسدة، فسيظهر الفساد في المجتمع ليشمل البرّ والبحر، ويسوق الأُمم نحو الهلاك بسبب الظلم والحروب وانعدام الأمن والشرور الأخرى؛ فكلّ مصيبة تصيب الإنسان هي نتيجةٌ طبيعيّةٌ لأفعاله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30).

فالمصائب والكوارث المدمّرة، كالسيول والزلازل والصواعق، هي نتائج أفعال الإنسان، كما ورد في القرآن الكريم من أنّ السيل العَرِم (الأعاصير الشديدة)(7)، وطوفان نوح(8)، وصاعقة ثمود(9)، وصرصرِ عاد(10) من هذا القبيل من الكوارث(11).

* الأعمال الشريرة تجلب الكوارث
ورد ذكر تأثير الأعمال الشريرة في التسبّب بالكوارث والحوادث المدمّرة، وخاصّة في الطبيعة، في آيات القرآن الكريم وروايات المعصومين عليهم السلام كذلك.

يقول الإمام محمّد الباقر عليه السلام: "أَمَا إنَّهُ لَيْسَتْ سَنَةٌ أَمْطَرَ مِنْ سَنَةٍ وَلَكِنْ يَصِفُهُ [يَضَعُهُ] حَيْثُ يَشَاءُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالْمَعَاصِي صَرَفَ عَنْهُمْ مَا كَانَ قَدَّرَ لَهُمْ مِنَ المَطَرِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الفَيَافِي وَالبِحَارِ وَالجِبَالِ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعَذِّبَ الجُعَلَ فِي جُحْرِهَا، يَحْبِسُ المَطَرَ عَنِ الأَرْضِ لِخَطَأ مَنْ بِحَضْرَتَهَ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ السَّبِيلَ وَالمُسْلَكَ إِلَى مَحَلِّ أَهْلِ الطَّاعَةِ". ثمّ تلا عليه السلام: "﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2) وَالأَلْبَابِ". ثُمَّ قَالَ عليه السلام: "وَجَدْنَا فِي كِتَابِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا كَثُرَ مَوْتُ الفَجْأَةِ، وَإِذَا طُفِّفَ المِكْيَالُ أَخَذَهُمُ اللهُ بِالسِّنِينَ وَالنَّقْصِ، وَإِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ مَنَعَتِ الأَرْضُ بَرَكَتَها مِنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالمَعَادِنِ، وَإذَا جَارُوا فِي الأَحْكَامِ تَعَاوَنُوا عَلَى الظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ، وَإِذَا نَقَضُوا العُهُودَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَإِذَا قَطَّعُوا الأَرْحَامَ جُعِلَتِ الأَمْوَالُ فِي أَيْدِي أَشْرَارِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ وَلَمْ يَتَّبِعُوا الأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ أَشْرَارَهُمْ فَيَدْعُو أَخْيَارَهُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"(12).

مضافاً إلى تأثير الأعمال الشرّيرة والمعاصي في استجلاب الكوارث والحوادث، فإنّ نيّة المعصية أيضاً ذات تأثير سيّئ، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: "إِنَّ المُؤْمِنَ لَيَنْوِي الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ رِزْقَه"(13).

* إذا رأيتم الحريق.. فكبّروا
إنّ منع إشعال الحرائق، وإطفاء النيران في الأبنية، والغابات، والمزارع، ووسائط النقل، وغيرها، فهي، مضافاً إلى كونها تصبّ في صالح أصحابها، إلّا أنّها من أسباب المحافظة على البيئة ونظافتها، وقد حظيت بثواب إلهيّ كما تذكر الروايات الخاصّة بالمحافظة على البيئة. فعلاوةً على الطرق المعروفة في إطفاء الحرائق، حثّت الروايات على الاستعانة بالطرق الروحيّة والمعنويّة أيضاً.

روى الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن أجداده العظام عليهم السلام نقلاً عن جدّه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ فَكَبِّرُوا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُطْفِئُه"(14). وفقاً لهذا الحديث الشريف، فكما أنّ دعاء المضطرّ مستجابٌ، فإنّ دعاء الموحّد وصرخته أيضاً لها تأثير؛ كما حدث للنبيّ إبراهيم عليه السلام. وعندما احترقت دار الإمام جعفر الصادق عليه السلام بأمرٍ من المنصور الدوانيقيّ، خرج عليه السلام من بين ألسنة اللهب مردّداً: "أَنَا ابْنُ أَعْرَاقِ الثَّرَى، أَنَا ابنُ إِبراهِيمَ خَلِيلِ اللهِ عليه السلام"(15)، فلم تؤثّر النار فيه.

إنّ حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ فَكَبِّرُوا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُطْفِئُه" يحمل مضمونين، هما:

1- لا تقتصر إشارة الحديث على النار الماديّة الظاهريّة فحسب، وإنّما تصدق على الحرب المعنويّة المشتعلة في أعماق الإنسان أيضاً؛ فعندما يدرك الإنسان في أعماق نفسه كبرياء الحقّ تعالى ويعترف بذلّته، فإنّه بذلك يطفئ نار الشهوة والشيطنة. إذاً، فنداء "الله أكبر"، الذي ينطق به الموحّد الكامل، ويخرج من فم طاهر لم يدنّسه الشرك، يطفئ النار، سواء كانت نيران الظاهر أو الباطن. والفم المدنّس بالشرك لا يُكبّر الله؛ بينما يتحوّل تكبير الموحّدين إلى مظهر الفعل الإلهيّ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ (المائدة: 64). وهذا هو سرّ الانتصار الذي يتحقّق بفعل تكبير المجاهدين المسلمين في ميادين الجهاد.

2- ليس المراد من التكبير مجرّد النطق؛ بل أن تنطق شفتاك بتكبير الحقّ، ويتجلّى في قلبك كبرياء الحقّ فيفيض به، ويمتلئ وجودك بعظمة الله تعالى؛ حينئذٍ، أطلق التكبير من أعماق روحك لتطفئ بهذه الصرخة نيران الباطن؛ أي الشهوة والغضب، ونيران العدوّ الظاهريّ. وهذا نهجٌ علّمنا إيّاه الحبيب المصطفى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم.


(*) من كتاب: مفاتيح الحياة- الباب الخامس: تعاطي الإنسان مع الخِلقة البيئيّة- الفصل الأوّل- بتصرّف.
(1) العلامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج 73، ص 318.
(2) الشيخ الصدوق، الخصال، ص 54.
(3) العلامة المجلسيّ، مصدر سابق، ج 73، ص 177.
(4) الكاشاني، الوافي، ج 5، ص 1069.
(5) الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 2، ص 292.
(6) الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص 103.
(7) ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ (سبأ: 16).
(8) ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14).
(9) ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصّلت: 17).
(10) ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (الحاقّة: 6). صَرصَر، هي الريح الشديدة العاتية المصحوبة بالبرد القارس والحرارة اللاهبة، التي لا تأتي على شيء إلّا دمّرته. (تسنيم، ج 15، ص 417).
(11) اسلام ومحيط زيست، ص 204.
(12) الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال، ص 252.
(13) المصدر نفسه، ص 242.
(14) العلامة المجلسي، مصدر سابق، ج 92، ص 139.
(15) الشيخ الكليني، مصدر سابق، ج 1، ص 473.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع