مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

التشيع والإسلام‏- الشهيد الصدر

العلامة الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر


جرى بعض الباحثين المحدثين، على دراسة التشيع بوصفه ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، والنظر إلى القطاع الشيعي في جسم الأمة الإسلامية بوصفه قطاعاً تكون على مر الزمن، نتيجة لأحداث وتطورات اجتماعية معينة أدّت إلى تكوين فكري ومذهبي خاص بجزء من ذلك الجسم الكبير ثم اتسع الجزء بالتدريج.

وهؤلاء الباحثون بعد أن يفترضوا ذلك، يختلفون في تلك الأحداث والتطورات التي أدت إلى نشوء تلك الظاهرة وولادة ذلك الجزء بالتدريج.
فمنهم من يفترض أن عبد الله بن سبأ ونشاطه السياسي المزعوم هو الأساس لذلك التكتل الشيعي.
ومنهم من يرد ظاهرة التشيع إلى عهد خلافة الإمام علي عليه الصلاة والسلام، وما هيأه ذلك العهد من مقام سياسي واجتماعي على مسرح الأحداث، ومنهم من يزعم أن ظهور الشيعة يكمن في أحداث متأخرة عن ذلك في التسلسل التاريخي للمجتمع الإسلامي.
والذي دعا فيما أظن كثيراً من هؤلاء الباحثين إلى هذا الافتراض والاعتقاد: بأن التشيع ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي، هو أن الشيعة لم يكونوا يمثلون في صدر الإسلام إلا جزءاً ضئيلاً من مجموع الأمة الإسلامية.
فقد أوحت هذه الحقيقة شعوراً بأن اللاتشيع كان هو القاعدة في المجتمع الإسلامي، وأن التشيع هو الاستثناء والظاهرة الطارئة التي يجب اكتشاف أسبابها من خلال تطورات المعارضة للوضع السائد.
ولكن اتخاذ الكثرة العددية والضآلة النسبية، أساساً لتمييز القاعدة والاستثناء أو الأصل والانشقاق ليس شيئاً منطقياً؛ فمن الخطأ إعطاء الإسلام اللاشيعي صفة الأصالة على أساس الكثرة العددية، وإعطاء الإسلام الشيعي صفة الظاهرة الطارئة ومفهوم الانشقاق، فإن هذا لا يتفق مع طبيعة الانقسامات العقائدية.

إننا كثيراً ما نلاحظ انقساماً عقائدياً في إطار رسالة واحدة تقوم على أساس بعض الاختلاف في تحديد معالم تلك الرسالة وقد لا يكون القسمان العقائديان متكافئين من الناحية العددية.
ولكنهما متكافئان في أصالتهما ومعبران بدرجة واحدة عن الرسالة المختلف بشأنها. ولا يجوز بحال من الأحوال أن نبني تصوراتنا عن الانقسام العقائدي داخل إطار الرسالة الإسلامية إلى شيعة وغيرهم على الناحية العددية.
كما لا يجوز أيضاً أن نقرن ولادة الأطروحة الشيعية في إطار الرسالة الإسلامية بولادة كلمة "الشيعة" أو "التشيع" كمصطلح واسم خاص لفرقة محددة من المسلمين؛ لأن ولادة الأسماء والمصطلحات شي‏ء ونشوء المحتوى أو الأطروحة شي‏ء آخر.
فإذا كنا لا نجد كلمة "الشيعة" في اللغة السائدة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، فلا يعني هذا أن الأطروحة والاتجاه الشيعي لم تكن موجودة.
فبهذه الروح يجب أن نعالج قضية التشيع والشيعة، ونجيب على السؤالين التاليين:
كيف ولد التشيع؟
وكيف وجد الشيعة؟

* كيف ولد التشيع‏
أما فيما يتعلق بالسؤال الأول: كيف ولد التشيع؟ فنحن نستطيع أن نعتبر التشيع نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلاً لأطروحة كان من المفروض للدعوة الإسلامية أن تتوصل إليها حفاظاً على نموها السليم.
ويمكننا أن نستنتج هذه الأطروحة استنتاجاً منطقياً من الدعوة التي كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها والظروف التي عاشتها، فإن النبي كان يباشر قيادة دعوة انقلابية، ويمارس عملية تغيير شاملة للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه. ولم يكن الطريق قصير أمام عملية التغيير هذه، بل كان طريقاً طويلاً وممتداً بامتداد الفواصل المعنوية الضخمة بين الجاهلية والإسلام، فكان على الدعوة التي يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فتنشؤه إنشاءاً جديداً، وتجعل منه الإنسان الإسلامي الذي يحمل النور الجديد وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها.
وقد خطأ القائد الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بعملية التغيير خطوات مدهشة في برهة قصيرة، وكان على عملية التغيير أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أدرك منذ فترة قبل وفاته أن أجله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في "حجة الوداع" ولم يفاجئه الموت مفاجئة.
وهذا يعني أنه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتى إذا لم ندخل في الموقف عامل الاتصال الغيبي والرعاية الإلهية للرسالة عن طريق الوحي. وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أمامه ثلاثة طرق بالإمكان إنتاجها تجاه مستقبل الدعوة.

* الطريق الأول‏
أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته ويتركها في مستقبلها للظروف والصدف.
وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها إنما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه:
(الأمر الأول) الاعتقاد بأن هذه السلبية والإهمال لا تؤثر على مستقبل الدعوة، وإن الأمة التي سوف يخلف لها الدعوة قادرة على التكيُّف بالشكل الذي يحيي الدعوة ويضمن عدم الانحراف.

وهذا الاعتقاد لا مبرر له من الواقع إطلاقاً، بل إن طبيعة الأشياء كانت تدل على خلافه، لأن الدعوة بحكم كونها عملاً تغييرياً انقلابياً في بدايته، يستهدف بناء أمة واستئصال كل الجذور الجاهلية منها، تتعرض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها دون أي تخطيط، فهنالك الأخطار التي تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق، وعن الضرورة الآنية لاتخاذ موقف مرتجل في ظل الصدمة العظيمة بفقد النبي. فإن الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة فسوف تواجه الأمة ولأول مرة مسؤولية التصرف بدون قائدها تجاه أخطر مشاكل الدعوة، وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد، وسوف يتطلب منها الموقف تصرفاً سريعاً آنياً بالرغم من خطورة المشكلة لأن الفراغ لا يمكن أن يستمر، وسوف يكون هذا التصرف السريع في لحظة الصدمة التي تمنى بها الأمة، وهي تشعر بفقدها لقائدها الكبير. هذه الصدمة التي تزعزع بطبيعتها سير التفكير وتبعث على الاضطراب، حتى أنها جعلت صحابياً معروفاً يعلن بفعل الصدمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت ولن يموت.
وهناك الأخطار التي تنجم عن عدم النضج الرسالي بدرجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وموضوعية التصرف الذي سوف يقع، وانسجامه مع الإطار الرسالي للدعوة وتغلبه على التناقضات الكامنة التي كانت ولا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام إلى: مهاجرين وأنصار، أو قريش وسائر العرب، أو مكة والمدينة.
وهناك الأخطار التي تنشأ لوجود القطاع المستتر بالإسلام والذي كان يكيد له في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم باستمرار، وهو القطاع الذي كان يسميه القرآن "بالمنافقين".

وإذا أضفنا إليهم عدداً كبيراً ممن أسلم بعد الفتح استسلاماً للأمر الواقع لا انفتاحاً على الحقيقة، نستطيع أن نقدر الخطر الذي يمكن لهذه العناصر أن تولده، وهي تجد فجأة فرصة لنشاط واسع في فراغ كبير مع خلو الساحة من رعاية القائد.
فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً يمكن أن يخفى على أي قائد مارس العمل العقائدي فضلاً عن خاتم الأنبياء.
وإذا كان أبو بكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل تدخلاً إيجابياً في ضمان مستقبل الحكم بحجة الاحتياط للأمر..
وإذا كان الناس قد هرعوا إلى عمر حين ضرب قائلين "يا أمير المؤمنين لو عهدت عهداً"1، خوفاً من الفراغ الذي يخلفه الخليفة، بالرغم من التركز السياسي والاجتماعي الذي كانت الدعوة قد بلغته بعد عقد من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم...
وإذا كان عمر قد أوصى إلى ستة تجاوباً مع شعور الآخرين بالخطر...
وإذا كان عمر يدرك بعمق خطورة الموقف في يوم السقيفة وما كان بالإمكان أن تؤدي إليه خلافة أبي بكر بشكلها المرتجل من مضاعفات، إذ يقول "إن بيعة أبي بكر كانت فلتة غير أن الله وقى شرها"2...
وإذا كان أبو بكر نفسه يعتذر عن تسرُّعه إلى قبول الحكم وتحمل المسؤولية الكبيرة بأنه شعر بخطورة الموقف وضرورة الإقدام السريع على حلها إذ يقول: وقد عوتب على السلطة "إن رسول الله قبض والناس حديثو عهد بالجاهلية فخشيت أن يفتتنوا وأن أصحابي حملونيها"3...
إذا كان كل ذلك صحيحاً، فمن البديهي أيضاً أن يكون رائد الدعوة ونبيها أكثر شعوراً بخطر السلبية، وأكبر إدراكاً وأعمق فهماً لطبيعة الموقف ومتطلبات العمل التغييري الذي يمارسه في أمة حديثة عهد بالجاهلية على حد تعبير أبي بكر.

(الأمر الثاني) الذي يمكن أن يفسر سلبية القائد تجاه مستقبل الدعوة ومصيرها بعد وفاته، إنه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبية لا يحاول تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر، لأنه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحية، فلا يهمه إلا أن يحافظ عليها ما دام حياً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها، ولا يعني بحماية مستقبلها بعد وفاته.
وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إذا لم نلاحظ بوصفه نبياً ومرتبطاً بالله سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة، وافترضناه قائداً رسالياً كقادة الرساليين لا يملك نظيراً للقائد الرسول في إخلاصه للدعوة وتفانيه فيها وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته، وكل تاريخه يبرهن على ذلك. وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم على فراش الموت وقد ثقل مرضه لخوضها، فكان يقول: "جهّزوا جيش أسامة، وأنقذوا جيش أسامة، أرسلوا بعث أسامة" ويكرر ذلك ويغمى عليه بين الحين والحين4.
فإن اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقضيته على قضايا الدعوة العسكرية يبلغ إلى هذه الدرجة وهو يجود بنفسه على فراش الموت ولا يمنعه علمه بأنه سيموت قبل أن يقطف ثمار تلك المعركة عن تبينه لها؛ وأن يكون همه الشاغل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة... فكيف يمكن أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعيش هموم مستقبل الدعوة ولا يخطط لسلامتها بعد وفاته من الأخطار المترقبة.
وأخيراً، فإن في سلوك الرسول في مرضه الأخير رقماً واحداً يكفي لنفي الطريق الأول.

وللتدليل على أن القائد الأعظم كان أبعد ما يكون عن فرضية الموقف السلبي تجاه مستقبل الدعوة وعدم الشعور بالخطر أو عدم الاهتمام بشأنه، وهذا الرقم أجمعت صحاح المسلمين جميعاً سنة وشيعة على نقله، وهو أن الرسول لما حضرته الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: "ايتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً"5.
فإن هذه المحاولة من القائد الكريم المتفق على نقلها وصحتها؛ تدل بكل وضوح على أنه كان يفكر في أخطار المستقبل، ويدرك بعمق ضرورة التخطيط لتحصين الأمة من الانحراف وحماية الدعوة من التمييع والانهيار، فليس من الممكن افتراض الموقف السلبي بحال من الأحوال.

* الطريق الثاني‏
أن يخطط الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم لمستقبل الدعوة بعد وفاته ويتخذ موقفاً إيجابياً، فيجعل القيمومة على الدعوة وقيادة التجربة للأمة الممثلة على أساس نظام الشورى في جيلها العقائدي الأول، الذي يضم مجموع المهاجرين والأنصار، فهذا الجيل الممثل للأمة هو الذي سيكون قاعدة للحكم ومحور قيادة الدعوة في خط نموها.
وهنا يلاحظ أن طبيعة الأشياء والوضع العام الثابت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والدعوة والدعاة، يدحض هذه الفرضية وينفي أن يكون النبي قد انتهج هذا الطريق واتجه إلى ربط المهاجرين والأنصار على أساس نظام الشورى.

وفيما يلي بعض النقاط التي توضح ذلك:
1- لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد اتخذ من مستقبل الدعوة بعده موقفاً ايجابياً يستهدف وضع نظام الشورى موضع التطبيق بعد وفاته مباشرة وإسناد زعامة الدعوة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام، لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف الإيجابي أن يقوم الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم بعملية نوعية للأمة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله وإعطائه طابعاً دينياً مقدساً، وإعداد المجتمع الإسلامي إعداداً فكرياً وروحياً لتقبل هذا النظام، وهو مجتمع نشأ من مجموعة من العشائر لم تكن قد عاشت قبل الإسلام وضعاً سياسياً على أساس الشورى، وإنما كانت تعيش في الغالب وضع زعامات قبلية وعشائرية تتحكم فيها القوة والثروة وعامل الوراثة إلى حد كبير.
ونستطيع بسهولة أن ندرك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمارس عملية التوعية في نظام الشورى وتفاصيله التشريعية أو مفاهيمه الفكرية، لأن هذه العملية لو كانت قد أنجزت لكان من الطبيعي أن تنعكس وتتجسد في الأحاديث المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو في ذهنية الجيل الطليعي منها الذي يضم المهاجرين والأنصار بوصفه هو المكلف بتطبيق نظام الشورى، مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى.
وأما ذهنية الأمة أو ذهنية الجيل الطليعي منها، فلا نجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محددة لتوعية من ذاك القبيل.

ونلاحظ بهذا الصدد للتأكد من ذلك، أن أبا بكر حينما اشتدت به العلة، عهد إلى عمر بن الخطاب، فأمر عثمان أن يكتب عهده، فكتب:
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله إلى المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم إني أحمد إليكم الله. أما بعد، فإني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا".
ودخل عليه عبد الرحمن بن عوف فقال: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله؟ فقال: أصبحت مولياً وقد زدتموني على ما بي، ورأيتموني استعملت رجلاً منكم، وكلكم قد أصبح ورماً أنفه؛ وكلكم قد أصبح يطلبها لنفسه6.
وواضح من هذا الاستخلاف وهذا الاستنكار للمعارضة أن الخليفة لم يكن يفكر بعقلية نظام الشورى وأنه كان يرى من حقه تعيين الخليفة، وأن هذا التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا أمرهم بالسمع والطاعة، فليس هو مجرد ترشيح أو تنبيه، بل هو إلزام ونصب.
ونلاحظ أيضاً أن عمر رأى هو الآخر أنّ من حقه فرض الخليفة على المسلمين، ففرضه في نطاق ستة أشخاص؛ وأوكل أمر التعيين إلى الستة أنفسهم دون أن يجعل لسائر المسلمين أي دور حقيقي في الانتخاب.
إن عقلية نظام الشورى لم تتمثل في طريقة الاستخلاف التي انتهجها عمر، كما لم تتمثل في الطريقة التي سلكها الخليفة الأول، وقد قال عمر حين طلب منه الناس الاستخلاف: "لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه لوثقت، به سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة الجراح، ولو كان سالم حياً ما جعلتها شورى"7.
وقال أبو بكر لعبد الرحمن بن عوف وهو يناجيه على فراش الموت: "وددت لو أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد"8.

وحينما تجمع أنصار السقيفة لتأمير سعد بن عبادة قال منهم قائل: "إن أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرين ونحن عشيرته وأولياؤه، قالت طائفة منهم: إذاً نقول منا أمير ومنكم أمير لن نرضى بدون هذا أبداً"9.
وحينما خطب أبو بكر فيهم قال: "كنا معاشر المسلمين والمهاجرين أول الناس إسلاماً؛ والناس لنا في ذلك تبع؛ ونحن عشيرة رسول الله وأوسط العرب أنساباً".
وحينما اقترح الأنصار أن تكون الخلافة دورية بين المهاجرين والأنصار، رد أبو بكر قائلاً: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخالفوه وشاقوه، وخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، فهم أول من عبد الله في الأرض، وهم أولياؤه وعترته وأحق الناس بالأمر بعده، ولا ينازعهم فيه إلا ظالم.
وقال الحباب بن المنذر وهو يشجع الأنصار على التمسك: "املكوا عليكم أيديكم؛ إنما الناس في فيئكم وظلكم، فإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير".
فرد عليه عمر قائلاً: "هيهات، لا يجتمع سيفان في غمد، من ذا يخاصمنا في سلطان ممد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلاَّ مدل بباطل أو متجانف لأثم أو متورط في هلكة"10.

إن الطريقة التي مارسها الخليفة الأول والخليفة الثاني للاستخلاف، وعدم استنكار تلك الطريقة والروح العامة التي سادت على الجناحين المتنافسين من الجيل الطليعي "المهاجرين والأنصار" يوم السقيفة، والاتجاه الواضح الذي بدأ لدى المهاجرين نحو تقرير مبدأ انحصار السلطة بهم وعدم مشاركة الأنصار في الحكم، والتأكيد على المبررات الوراثية التي تجعل من عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى العرب بميراثه، واستعداد كثير من الأنصار، لتقبل فكرة أميرين أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين، وإعلان أبي بكر الذي فاز بالخلافة في ذلك اليوم عن أسفه لعدم السؤال من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صاحب الأمر بعده..
كل ذلك يوضح بدرجة لا تقبل الشك أن هذا الجيل الطليعي من الأمة الإسلامية بما فيه القطاع الذي تسلم الحكم بعد وفاة النبي لم يكن يفكر بذهنية الشورى، ولم يكن لديه فكرة محددة عن هذا النظام، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي مارس عملية توعية على نظام الشورى تشريعياً وفكرياً، وأعد جيل المهاجرين والأنصار لتسلم قيادة الدعوة بعده على أساس هذا النظام؛ ثم لا نجد لدى هذا الجيل تطبيقاً واقعياً لهذا النظام أو مفهوماً محدداً عنه؟!!
كما أننا لا يمكن أن نتصور من ناحية أخرى، أنّ الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم وضع هذا النظام وحدده تشريعياً ومفهومياً، ثم لا يقوم بتوعية المسلمين عليه وتثقيفهم به...

2- إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لو كان قد قرر أن يجعل من الجيل الإسلامي الرائد الذي ضم المهاجرين والأنصار من صحابته قيماً على الدعوة بعده ومسؤولاً عن مواصلة عملية التغيير.
فهذا يحتم على الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم أن يعبأ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة، يستطيع أن يمسك بالنظرية بعمق ويمارس التطبيق على ضوئها بوعي، ويضع للمشاكل التي تواجهها الدعوة باستمرار الحلول النابعة من الرسالة، خصوصاً إذا لاحظنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان الذي بشّر بسقوط كسرى وقيصر، يعلم بأن الدعوة مقبلة على فتوح عظيمة، وأن الأمة الإسلامية سوف تنضم إليها في غد قريب شعوب جديدة ومساحة كبيرة وتواجه مسؤولية توعية تكل الشعور على الإسلام، وتحصين الأمة من أخطار هذا الانفتاح وتطبيق أحكام الشريعة على الأرض المفتوحة وأهل الأرض.
وبالرغم من أن الجيل الرائد من المسلمين كان أنظف الأجيال التي توارثت الدعوة وأكثرها استعداداً للتضحية، لا نجد فيه ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها، والأرقام التي تبرز هذا النفي كثيرة لا يمكن استيعابها في هذا المجال.

ويمكننا أن نلاحظ بهذا الصدد، أن مجموع ما نقله الصحابة من نصوص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجال التشريع لا يتجاوز بضع مئات من الأحاديث، بينما كان عدد الصحابة يناهز اثني عشر ألفاً على ما أحصته كتب التاريخ وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعيش مع الآلاف من هؤلاء في بلد واحد وفي مسجد واحد صباحاً ومساءً، فهل يمكن أن نجد في هذه الأرقام ملامح الإعداد الخاص؟
والمعروف عن الصحابة أنهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال، حتى أن أحدهم كان ينتظر فرصة مجي‏ء إعرابي من خارج المدينة يسأل ليسمع الجواب، وكانوا يرون أن من الترفع السؤال عن حكم قضايا لم تقع بعد.
ومن أجل ذلك قال عمر على المنبر: "احرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن النبي قد بين ما هو كائن"11.
وقال: "لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، إن الله قد قضى فيما هو كائن".
وجاء رجل يوماً إلى ابن عمر يسأله عن شي‏ء، فقال له ابن عمر: "لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن"12.
وسأل رجل أبي بن كعب عن مسألة، قال: "يا بني أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا قال: أما لا، فأجلني حتى يكون"13.

وقرأ عمر يوماً القرآن، فانتهى إلى قوله تعالى: ﴿فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلبا وفاكهة وأبا14. فقال: كل هذا عرفناه فما الأب؟ ثم قال: هذا لعمر الله هو التكلف، فيما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفون فكلوه إلى ربه.
وهكذا نلاحظ اتجاهاً لدى الصحابة إلى العزوف عن السؤال إلا في حدود المشاكل المحددة الواقعة. وهذا الاتجاه هو الذي أدى إلى ضآلة النصوص التشريعية التي نقلوها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي أدى بعد ذلك الاحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة، كالاستحسان والقياس وغيرهما من ألوان الاجتهاد التي يتمثل فيها العنصر الذاتي للمجتهد الأمر الذي أدى إلى تسرب شخصية الإنسان بذوقه وتصوراته الخاصة إلى التشريع.
وهذا الاتجاه أبعد ما يكون عن عملية الإعداد الرسالي الخاص التي كانت تتطلب تثقيفاً واسعاً لذلك الجيل وتوعية له على حدود الشريعة للمشاكل التي سوف يواجهها عبر قيادته.

وقد أثبتت الأحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن جيل المهاجرين والأنصار لم يكن يملك أي معلومات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة التي كانت من المفروض أن تواجهها الدعوة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أن مساحة هائلة من الأرض التي امتد إليها الفتح الإسلامي لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده أي تصور محدد عن حكمها الشرعي، وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أم تجعل وقفاً على المسلمين عموماً. فهل يمكننا أن نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد للمسلمين أنهم سوف يفتحون أرض كسرى وقيصر ويجعل من جيل المهاجرين والأنصار القيم على الدعوة والمسؤول عن هذا الفتح ثم لا يخبره بالحكم الشرعي الذي يجب أن يطبق على تلك المساحة الهائلة من الدنيا التي سوف يمتد إليها الإسلام؟!
بل إننا نلاحظ أكثر من ذلك، أن الجيل المعاصر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يملك تصورات واضحة محددة حتى في مجال تصورات واضحة محددة حتى في مجال القضايا الدينية التي كان النبي يمارسها مئات المرات وعلى مرأى ومسمع من الصحابة.

ونذكر على سبيل المثال لذلك، الصلاة على الميت، فإنها عبادة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد مارسها علانية مئات المرات، وأداها في مشهد عام في المشيعين والمصلين، وبالرغم من ذلك يبدو أن الصحابة كانوا لا يجدون ضرورة لضبط صورة هذه العبادة ما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤديها وما داموا يتابعون فيها النبي فصلاً بعد فصل، ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميت.
فقد أخرج الطحاوي عن إبراهيم قال: قبض رسول الله والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلاً يقول: سمعت رسول الله يكبر سبعاً، والآخر يقول: سمعت رسول الله يكبر خمساً، وآخر يقول: سمعت رسول الله يكبر أربعاً، فما اختلفوا في ذلك حتى قبض أبو بكر فلما ولى عمر رأى اختلاف الناس في ذلك، شق عليه جداً؛ معاشر أصحاب رسول الله! متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه، فانظروا ما تجتمعون عليه، فكأنما أيقظهم، فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين15.

وهكذا نجد أن الصحابة كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتكلون غالباً على شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يشعرون بضرورة الاستيعاب المباشر للأحكام والمفاهيم ما داموا في كنف النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكل ما تقدم يدل على أن التوعية التي مارسها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المستوى العام في المهاجرين والأنصار لم تكن بالدرجة التي يتطلبها إعداد القيادة الواعية الفكرية والسياسية، لمستقبل الدعوة وعملية التغيير، وإنما كانت توعية بالدرجة التي تبنى القاعدة الشعبية الواعية التي تلتف حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل.
وأي افتراض يتجه إلى القول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطط لإسناذ قيادة التجربة والقيمومة على الدعوة بعده مباشرة إلى جيل المهاجرين والأنصار، يحتوي ضمناً اتهام أكبر وأبصر قائد رسالي في تاريخ العمليات التغييرية،، بعدم القدرة على التمييز بين الوعي المطلوب على مستوى قيادة الدعوة وإمامتها الفكرية والسياسية.

3- إن الدعوة عملية تغيير ومنهج حياة جديدة، وهي تكلف بناء أمة من جديد واقتلاع كل جذور الجاهلية ورواسبها من وجودها.
والأمة الإسلامية- ككل- لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير هذه إلا عقداً واحداً من الزمن على أكثر تقدير، وهذا الزمن لا يكفي عادة في منطق الرسالات العقائدية والدعوات التغييرية لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي والاستيعاب لمعطيات الدعوة الجديدة، تؤهله للقيمومة على الرسالة وتحمل مسؤوليات الدعوة ومواصلة عملية التغيير بدون قائد.
بل إن منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمر الأمة بوصاية عقائدية فترة أطول في الزمن، تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة.

وليس هذا شيئاً نستنتجه استنتاجاً فحسب، وإنما يعبر أيضاً عن الحقيقة التي برهنت عليها الأحداث بعد وفاة القائد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتجلت بعد نصف قرن أو أقل من خلال ممارسة جيل المهاجرين والأنصار لإمامة الدعوة والقيمومة عليها إذ لم يمض على هذه القيمومة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة والتجربة الرسالية التي تولي جيل المهاجرين والأنصار قيادتها، تنهار تحت وقع الضربات الشديدة التي وجهها أعداء الإسلام القدامى، ولكن من داخل إطار التجربة الإسلامية لا من خارجها، فاستطاعوا أن يتسللوا إلى مراكز النفوذ في التجربة بالتدريج، ويستغلوا القيادة غير الواعية، ثم صادروا بكل وقاحة وعنف تلك القيادة وأجبروا الأمة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عنت شخصيته وقيادته، وتحولت الزعامة إلى ملك موروث يستهتر بالكرامات ويقتل الأبرياء ويبعثر الأموال ويعطل الحدود ويجمد الأحكام ويتلاعب بمقدرات الناس وأصبح الفي‏ء والسواد بستاناً لقريش، والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني أمية.
فواقع التجربة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما تمخض عنه بعد ربع قرن من نتائج يدعم الاستنتاج المتقدم الذي يؤكد أن إسناد القيادة والإمامة الفكرية والسياسية لجيل المهاجرين، والأنصار عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، إجراء مبكر وقبل وقته الطبيعي، ولهذا ليس من المعقول أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد اتخذ إجراء من هذا القبيل.

* الطريق الثالث‏
وهو الطريق الوحيد الذي بقي منسجماً مع طبيعة الأشياء، ومعقولاً على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أن يقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً إيجابياً، فيختار بأمر من الله سبحانه وتعالى شخصاً يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعده إعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً لتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة، وليواصل بعده وبمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار قيادة الأمة وبناءها عقائدياً، وتقويتها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهلها لتحمل المسؤوليات القيادية.
وهكذا نجد بأن هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالإمكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة التجربة من الانحراف في خط نموها، وهكذا كان.
وليس ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النصوص التي تدل على أنه كان يمارس إعداداً رسالياً وتثقيفاً عقائدياً خاصاً لبعض الدعاة على مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية، وأن صلى الله عليه وآله وسلم قد عهد إليه بمستقبل الدعوة وزعامة الأمة من بعده فكرياً وسياسياً، ليس هذا إلا تعبيراً عن سلوك القائد الرسول للطريق الثالث الذي كانت تعرضه، وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الأشياء كما عرفنا.

ولم يكن هذا الشخص الداعي المرشح للإعداد الرسالة والقيادي والمنصوب لتسلم مستقبل الدعوة وتزعمها فكرياً وسياسياً، إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي رشحه لذلك عمق وجوده في كيان الدعوة؛ وإنه المسلم الأول والمجاهد الأول في سبيلها عبر كفاحه المرير ضد كل أعدائها، وعمق وجوده في حياة القائد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأن ربيبه الذي فتح عينيه في حجره ونشأ في كنفه وتهيأت له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه ما لم يتوفر لأي إنسان آخر.
والشواهد من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام. على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعد الإمام إعداداً رسالياً خاصاً كثيرة جداً، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها، ويبدؤه بالعطاء الفكري والتثقيف، إذا استنفد الإمام أسئلته. ويختلي به الساعات الطول في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ومناهج العمل إلى آخر يوم من حياته الشريفة.

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق، سألت القاسم بن العباس، كيف ورث علي رسول الله؟ قال: لأنه كان أولنا به لحوقاً وأشدنا به لزوقاً.
وفي حلية الأولياء، عن ابن عباس أنه يقول: كنا نتحدث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلى علي سبعين عهداً لم يعهد إلى غيره.
وروى النسائي عن ابن عباس عن علي، أنه يقول: كانت لي منزلة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن لأحد من الخلائق، كنت أدق على نبي الله كل ليلة، فإن كان يصلي سبح فدخلت، وإن لم يكن يصلي إذن لي فدخلت.
وروي أيضاً عن الإمام عليه السلام قول: كان لي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدخلان مدخل بالليل، ومدخل بالنهار.
وروي النسائي عن الإمام أيضاً أنه كان يقول: كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطيت، وإذا سكت ابتدأني. رواه الحاكم في المستدرك أيضاً، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وروى النسائي عن أم سلمة أنها كانت تقول: والذي تحلف به أم سلمة أنه أقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه السلام قالت: لما كانت غداة قضى رسول الله فأرسل إلى رسول الله وأظنه كان بعثه في حاجة، فجعل يقول: جاء علي؟ ثلاثة مرات، فجاء قبل طلوع الشمس، فلما أن جاء عرفنا أن إليه حاجة، فخرجنا من البيت، وكنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ في بيت عائشة، وكنت في آخر من خرج من البيت، ثم جلست من وراء الباب فكنت أدناهم إلى الباب، فأكب عليه علي، فكان آخر الناس به عهداً فجعل يساره ويناجيه.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته القاصعة الشهيرة وهو يصف ارتباطه الفريد بالرسول القائد وعناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعداده وتربيته: "وقد علمتم موضعي من رسول الله والقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشي ثم يلقمينه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل؛ وقد كنت أتبعه اتباع الفصيل لأثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاورني كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما؛ أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة".
إن هذه الشواهد وشواهد أخرى كثيرة، تقدم لنا صورة عن ذلك الإعداد الرسالي الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمارسه في سبيل توعية الإمام على المستوى القيادي للدعوة، كما أن في حياة الإمام علي عليه السلام بعد وفاة القائد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أرقاماً كثيرة جداً تكشف عن ذلك الإعداد العقائدي الخاص للإمام علي من قبل النبي، بما تعكسه من آثار ذلك الإعداد الخاص ونتائجه. فقد كان الإمام هو المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ، ولا نعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد الخلفاء الأربعة، واقعة واحدة رجع فيها الإمام إلى غيره لكي يتعرف على رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف، بينما في التاريخ عشرات الوقائع التي أحسست القيادة الإسلامية الحاكمة فيها بضرورة الرجوع إلى الإمام بالرغم من تحفظاتها في الموضوع.

وإذا كانت الشواهد كثيرة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعد الإمام إعداداً خاصاً لمواصلة قيادة الدعوة من بعده، فالشواهد على إعلان الرسول القائد على تخطيطه هذا وإسناد الزعامة لا تقل عنها كثرة، كما نلاحظ ذلك في "حديث الدار" و"حديث الثقلين" و "حديث المنزلة" و"حديث الغدير" و "عشرات النصوص النبوية الأخرى".
وهكذا وجد التشيع في إطار الدعوة الإسلامية متمثلاً في الأطروحة النبوية التي وضعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله للحفاظ على مستقبل الدعوة.
وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الأحداث، بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الأصلية التي كانت تفرض على الإسلام أن يلد التشيع.
وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الأول للتجربة أن يعد للتجربة قائدها الثاني الذي تواصل على يده ويد خلفائه نموها الثوري، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسي الماضي الجاهلي وجذوره وبناء أمة جديرة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها.

* كيف وجد الشيعة؟
عرفنا الآن كيف ولد التشيع، أما كيف وجد الشيعة ونشأ الانقسام على أساس ذلك في الأمة؟
فهذا ما سنجيب عليه الآن:
إننا إذا تتبعنا المرحلة الأولى من حياة الأمة الإسلامية في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجد بأن اتجاهين رئيسين مختلفين قد رافقا نشوء امة وبداية التجربة الإسلامية منذ السنوات الأولى، وكانا يعيشان معاً داخل إطار الأمة الوليدة التي أنشأها الرسول القائد، وقد أدى هذا الاختلاف بين الاتجاهين إلى انقسام عقائدي عقيب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، شطر الأمة الإسلامية إلى شطرين قدر لأحدهما أن يحكم، فاستطاع أن يمتد ويستوعب أكثرية المسلمين، بينما أقصى الشطر الآخر عن الحكم وقدر له أن يمارس وجوده كأقلية معارضة ضمن الإطار الإسلامي العام، وكانت هذه الأقلية هي (الشيعة).

والاتجاهان الرئيسيان اللذان رافقا نشوء الأمة الإسلامية في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ البدء هما:
أولاً: الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه والتسليم المطلق للنص الديني في كل جوانب الحياة.
وثانياً: الاتجاه الذي لا يرى أن إيمانه بالدين يتطلب منه التعبد إلا في نطاق خاص من العبادات والغيبيات، ويؤمن بإمكانية الاجتهاد، وجواز التصرف على أساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني وفقاً للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة.
وبالرغم من أن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأوسع بذرة لنشأة رسالية، حتى أن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلاً عقائدياً أروع وأطهر وأنبل من الجيل الذي أنسأه الرسول القائد...
بالرغم من ذلك، من الضروري التسليم بوجود اتجاه واسع منذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قيد الحياة، يميل إلى تقديم الاجتهاد في تقدير المصلحة واستنتاجها من الظروف على التعبد بحرفية النص الديني، كما كان هناك اتجاه آخر يؤمن بتحكيم الدين والتسليم له والتعبد بكل نصوصه في جميع جوانب الحياة.

وقد يكون من عوامل انتشار الاتجاه الثاني (الاجتهادي) في صفوف المسلمين أنه يتفق مع ميل الإنسان بطبيعته إلى التصرف وفقاً لمصلحة يدركها ويقدرها، بدلاً عن التصرف وفقاً لقرار لا يفهم مغزاه.
وقد قدر لهذا الاتجاه ممثلون جريئون من كبار الصحابة؛ من قبيل عمر بن الخطاب الذي ناقش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واجتهد في مواضع عديدة خلافاً للنص، إيماناً منه بجواز ذلك ما دام يرى أنه لم يخطي‏ء المصلحة في اجتهاده.
وبهذا الصدد يمكن أن نلاحظ موقفه من صلح "الحديبية" واحتجاجه على هذا الصلح، وموقفه من الآذان وتصرفه فيه بإسقاط (حي على خير العمل)؛ وموقفه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين شرع متعة الحج... إلى غير ذلك من مواقفه الاجتهادية.
وقد انعكس كلا الاتجاهين في مجلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في آخر يوم من أيام حياته؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: "لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي:
هلم اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده؛ ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم: قوموا.
وهذه الواقعة وحدها كافية للتدليل على عمق الاتجاهين ومدى التناقض والصراع بينهما.

ويمكن أن نضيف إليها- لتصوير عمق الاتجاه ورسوخه- ما حصل من نزاع وخلاف بين الصحابة حول تأمير "أسامة بن زيد" على الجيش، بالرغم من النص النبوي الصريح على ذلك، حتى خرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو مريض، وخطب الناس وقال: "يا أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم من تأمير أسامة ولئن طعنتم في تأمير أبيه من قبل، وايم والله إنه كان لخليقاً بالإمارة، وأن ابنه من بعده لخليق بها".
وهذان الاتجاهان اللذان بدأ الصراع بينهما في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد انعكسا على موقف المسلمين من أطروحة زعامة الإمام للدعوة بعد النبي.
فالممثلون للاتجاه التعبدي وجدوا في النص النبوي على هذه الأطروحة سبباً ملزماً لقبولها دون توقف أو تعديل، وأما الاتجاه الثاني فقد رأى أنه بإمكانه أن يتحرر من الصيغة المطروحة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أدى اجتهاده إلى صيغة أخرى أكثر انسجاماً في تصوره مع الظروف.
وهكذا نرى أن الشيعة ولدوا منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة متمثلين في المسلمين الذي خضعوا عملياً لأطروحة زعامة الإمام علي عليه السلام وقيادته التي فرض النبي الابتداء بتنفيذها من حين وفاته مباشرة.
وقد تجسّد الاتجاه الشيعي منذ اللحظة الأولى في إنكار ما اتجهت إليه السقيفة من تجميد لأطروحة زعامة الإمام علي عليه السلام وإسناد السلطة إلى غيره.

ذكر الطبرسي في الاحتجاج عن أبان بن تغلب، قال: قلت لجعفر بن محمد الصادق عليه السلام: جعلت فداك هل أن أحد في أصحاب رسول الله أنكر على أبي بكر فعله؟ قال: نعم كان الذي أنكر عليه اثني عشر رجلاً من المهاجرين: خالد بن سعيد بن أبي العاص، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان، وعثمان بن حنيف، خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري.
هذه خطوط عامة عن تفسير التشيع بوصفه ظاهرة طبيعة في إطار الدعوة الإسلامية؛ وتفسير ظهور الشيعة كاستجابة لتلك الظاهرة الطبيعية.
وأوّد أن أشير قبل ختام الحديث إلى نقطة، واعتبر توضيحها على درجة كبيرة من الأهمية، فإن بعض الباحثين يحاول التمييز بين نحوين من التشيع: أحدهما التشيع الروحي والآخر التشيع السياسي ويعتقد أن التشيع الروحي أقدم عهداً من التشيع السياسي، وأن أئمة الشيعة الإمامية في أبناء الحسين عليه السلام قد اعتزلوا بعد مذبحة كربلاء السياسة وانصرفوا إلى الإرشاد والعبادة والانقطاع عن الدنيا.
والحقيقة أن التشيع لم يكن في يوم من الأيام منذ ولادته مجرد اتجاه روحي بحث، وإنما ولد التشيع في أحضان الإسلام بوصفه أطروحة مواصلة الإمام على القيادة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفكرية وقيادته السياسية للدعوة على السواء، كما أوضحنا سابقاً عند استعراض الظروف التي أدت إلى ولادة التشيع.

ولم يكن بالإمكان بحكم هذه الظروف الذي استعرضناها أن يفصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي في أطروحة التشيّع، تبعاً لعدم انفصال أطروحة التشيّع، تبعاً لعدم انفصال أحدهما عن الآخر في الإسلام نفسه.
فالتشيّع إذن لا يمكن أن يتجزأ إلاّ إذا فقد معناه كأطروحة لحماية مستقبل الدعوة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مستقبل بحاجة إلى المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة الإسلامية معاً.
وقد كان هناك ولاء واسع النطاق للإمام علي عليه السلام في صفوف المسلمين باعتباره الشخص الجدير بمواصلة دور الخلفاء الثلاثة في الحكم، وهذا الولاء هو الذي جاء به إلى السلطة عقيب قتل عثمان، وهذا الولاء تشيعاً روحياً وسياسياً، وإنما التشيّع الروحي والسياسي داخل إطاره، فلا يمكن أن نعتبره مثالاً على التشيّع المجزأ.
أما أن الإمام عليه السلام كان يتمتع بولاء روحي وفكري من عدد من كبار الصحابة في عهد أبي بكر وعمر، من قبيل سلمان وأبي ذر وعمّار وغيرهم، ولكن هذا لا يعني تشيّعاً روحياً منفصلاً عن الجانب السياسي، بل إنه تعبير عن إيمان أولئك الصحابة بقيادة الإمام عليه السلام للدعوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكرياً وسياسياً، وقد انعكس إيمانهم بالجانب الفكري من هذه القيادة بالولاء الروحي المتقدم.
وانعكس إيمانهم بالجانب السياسي منها بمعارضتهم لخلافة أبي بكر وللاتجاه الذي أدى إلى صرف السلطة عن الإمام عليه السلام إلى غيره.

ولم تنشأ في الواقع، النظرة التجزيئية للتشيّع الروحي بصورة منفصلة عن التشيّع السياسي، ولم تولد في ذهن الإنسان الشيعي إلا بعد أن استسلم للواقع وانطفأت جذوة التشيع في نفسه كصفة محدودة لمواصلة القيادة الإسلامية في بناء الأمة وإنجاز عملية التغيير الكبيرة التي بدأها الرسول الكبير صلى الله عليه وآله وسلم، وتحولت إلى مجرد عقيدة يطوي الإنسان عليها قلبه أو يستمد منها سلوته وأمله.
وهنا نصل إلى ما يقال من أن أئمة أهل البيت عليهم السلام من أبناء الحسين عليه السلام اعتزلوا السياسة وانقطعوا عن الدنيا، فنلاحظ أن التشيّع بعد أن فهمناه كصيغة لمواصلة القيادة الإسلامية، والقيادة الإسلامية لا تعني إلا ممارسة عملية التغيير التي بدأها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لتكميل بناء الأمة على أساس الإسلام، فليس من الممكن أن نتصور تنازل الأئمة عليهم السلام عن الجانب السياسي إلا إذا تنازلوا عن التشيّع.
غير أن الذي ساعد على تصور اعتزال الأئمة عليهم السلام وتخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم، ما بدا من عدم إقدامهم على عمل مسلح ضدّ الوضع القائم من إعطاء الجانب السياسي من السياسة معنى ضيقاً لا ينطبق إلا على عمل مسلح من هذا القبيل. ولدينا نصوص عديدة عن الأئمة عليهم السلام توضح أن إمام الوقت دائماً كان مستعداً لخوض عمل مسلح وإذا وجدت لديه القناعة بوجود الأنصار والقدرة على تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء ذلك العمل المسلح.

ونحن إذا تتبعنا سير الحركة الشيعية، نلاحظ أن القيادة الشيعية المتمثلة في أئمة أهل البيت عليهم السلام كانت تؤمن بأن تسلم السلطة وحده لا يكفي ولا يمكن من تحقيق عملية التغيير إسلامياً، ما لم تكن هذه السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم، وتعمل في سبيل حمايتها وتفسير مواقفها للجماهير، وتصمد في وجه الأعاصير.
وفي نصف القرن الأول بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت القيادة الشعبية- بعد إقصائها عن الحكم- تحاول باستمرار استرجاع الحكم بالطرق التي تؤمن بها، لأنها كانت تؤمن بوجود قواعد شعبية واعية أو في طريق التوعية من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ولكن بعد نصف قرن- وبعد أن لم يبق من هذه القواعد الشعبية الشي‏ء المذكور ونشأت أجيال مائعة في ظل الانحراف- لم يعد تسلم الحركة الشيعية للسلطة محققاً للهدف الكبير، لعدم وجود القواعد الشعبية المساندة بوعي وتضحية.

وأمام هذا الواقع كان لا بد من عملين:
أحدهما:
العمل من أجل بناء هذه القواعد الشعبية الواعية التي تهيئ‏ء أرضية صالحة لتسلم السلطة.
والآخر: تحريك ضمير الأمة الإسلامية وإرادتها، والاحتفاظ بالضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية بدرجة من الحياة والصلابة تحصن الأمة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين.
والعمل الأول هو الذي مارسه الأئمة عليهم السلام بأنفسهم، والعمل الثاني هو الذي مارسه ثائرون علويون كانوا يحاولون بتضحياتهم الباسلة أن يحافظوا على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية وكان الأئمة عليهم السلام يسندون المخلصين منهم.
قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن علي الشهيد: "أنه كان من علماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم غضب لله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر عليه السلام أنه سمع أباه جعفر يقول: رحم الله عمي زيداً، إنه دعى إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر أوفى لله من ذلك أنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد16.
وفي رواية أنه ذكر بين يدي الإمام الصادق عليه السلام خرج من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجون من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله17.

فترك الأئمة عليهم السلام إذاً العمل المسلح بصورة مباشرة ضد المنحرفين، لم يكن يعني تخليهم عن الجانب السياسي من قيادتهم وانصرافهم إلى العبادة، وإنما كان يعبر عن اختلاف صيغة العمل السياسي التي تحددها الظروف الموضوعية وعن إدراك معمق لطبيعة العمل التغييري وأسلوب تحقيقه.


1- تاريخ الطبري: 5- 26.
2- تاريخ الطبري: 3- 20.
3- شرح النهج لابن أبي حديد: 6- 42.
4- تاريخ الكامل لابن الأثير وغيره.
5- مسند أحمد: 1- 300، وصحيح مسلم: ج‏2 في آخر الوصايا وصحيح البخاري: ج‏1 كتاب الصلح.
6- تاريخ اليعقوبي: 2- 126- 127.
7- طبقات ابن سعد: 3- 248.
8- تاريخ الطبري: 4- 52.
9- تاريخ الطبري: 4- 52.
10- راجع في نصوص يوم السقيفة شرح النهج: 6- 6- 9.
11- سنن الدرامي: 1- 50.
12- نقص المصدر السابق والصفحة.
13- سنن الدرامي: 1- 50.
14- نقص المصدر السابق والصفحة.
15- سنن الدرامي: 1- 56.
16- الوسائل، كتاب الجهاد.
17- السرائر لابن ادريس.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع