مع الإمام الخامنئي: حزب الله يد لبنان وعينه نتائج مسابقة المهدي الموعود  عجل الله تعالى فرجه الشريف 13 كتابُ البقيّة.. حينما ينطق القلم.. حاضرون في كلّ ساح إعلام المجلّة.. خدمةٌ وصدقٌ ووفاء بين يدي المجلّة منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد

التضليل الإعلاميّ.. بــوق الفتنــــة

د. علي الحاج حسن


الإعلام في جوهره عمليّة ثقافيّة تواصليّة، تلعب دوراً محوريّاً على مستوى إيصال المعلومة والمعرفة إلى الآخر المتلقّي، فتساهم في التكوين الذهنيّ وبناء المجتمعات ورقيّها، وانتقالها إلى مرحلة البناء الحضاريّ(1). 

ولكن بعض الإعلام المعاصر بات يلعب دوراً بعيداً عن أهدافه، أقلّ ما يُقال فيه إنّه أصبح مدعاةً للتفرقة، والفتنة، وإلقاء الشبهات، وتضليل الأذهان، ليحصد في النهاية أهدافاً أخرى سياسيّة أو اقتصاديّة أو ما سواها. وعندما يساهم الإعلام في صناعة وعي باطل وهشّ، فقد يروّج لأنماط من التفكير تخدم مصالح القوى المهيمنة بالدرجة الأولى. 

فما هو التضليل الإعلاميّ؟ وما هو تأثيره؟ وما هي سُبل مواجهته؟

•حقيقة التضليل الإعلامي
قُدّمت العديد من التعريفات لعمليّة التضليل، بيّنت جوانبه وحدوده وأهدافه، والتي يمكن بواسطتها فهم المآلات الحقيقيّة لهذه العمليّة المقصودة والمخطّط لها. التضليل الإعلاميّ في أحد تعريفاته، هو "معلومات كاذبة مقصودة، تقدّم فائدة من أجل شنّ عمليّات عسكريّة فاعلة... وتوجيه عمليّة التلاعب بالوعي والتحكّم به"(2). 

والتضليل في تعريف آخر؛ هو "مشروع منظّم ومخطّط، يهدف إلى تشويش الأذهان والتأثير على العقل كما على العواطف والمُخيّلة، وليس له سوى هدف واحد وهو إدخال الشكوك وخلق الاضطراب وهدم المعنويّات"(3). ويعتمد بشكل أساس على الكذب وتشويه الحقائق، حتّى لو كان في جزء منه يلتقي مع الحقيقة؛ ليقع مؤثّراً عند المستهدفين(4). 

يتّضح من مجمل التعريفات أنّ التضليل الإعلاميّ هو عمليّة خداع متعمّدة من جانب مصادر معلَن عنها، أو جهات وأجهزة لديها قنوات سرّيّة، هدفها خداع الطرف المتلقّي بالأخبار والمعلومات، والتلاعب بالرأي العام، أو تضليل جهات محدّدة أو شخصيّات وقيادات سياسيّة وعسكريّة بعينها، عن طريق خلق واقعٍ مزيّف ومغلوط، بما يؤدّي إلى حصول الإقناع بما فيه الكفاية، وذلك بالاستفادة من وسائل الإعلام والاتّصال الجماهيريّ، وأحدث فنون التسويق الدعائيّ والسياسيّ، وتقنيّات التعامل والتأثير النفسيّ، بواسطة معلومات كاذبة، أو مفبركة، أو إخفاء معلومات حقيقيّة وأساسيّة، بغية تحقيق أهداف سياسيّة أو لإيقاع الخصم في الخطأ بالحسابات، ممّا يدفعه لسلوكات تتوافق مع ما يريده الطرف المضلّل(5). 

•متى يكون التضليل مؤثراً؟
لا يمكن لأيّ نشاط إعلاميّ تضليليّ أن يكون مؤثّراً، إلّا إذا كان بغير علم الطرف المُضلّل، وأن يكون ثمّة موثوقيّة أو مقبوليّة للجهة القائمة به، وقابليّة الفرد والجماعة عامّة، والطرف المضلَّل خصوصاً للوقوع بالتضليل. 

عندما يستغلّ الإعلامُ الناس، فيخدعهم بالكذب وترويج الأضاليل، وتقديم الباطل على أنّه حقّ والعكس صحيح، عند ذلك يحقّق أهدافاً رُسمت له، ومنها: نشر الفتنة، وتأجيج الصراع، وتشويه الرموز والقيادات والشخصيّات وتنصيب أخرى مكانها، فيسهل عند ذلك اختراق المجتمعات(6). 

إنّ إطلالة سريعة على ما تنشره بعض وسائل الإعلام، سواء التقليديّة أو الإعلام الجديد، تبيّن حجم المواد التحريضيّة، والتي تصل إلى حدّ إشعال الفتن، وتدمير القيم، والإساءة إلى كلّ ما هو مشرق في ماضي الشعوب وحاضرها. ولعلّ النموذج المعاصر الأبرز في هذا الإطار ما تتعرّض له المقاومة الإسلاميّة في لبنان من حملات إعلاميّة موجّهة ومخطّط لها؛ لتكون الساعد الأيمن للقوى العسكريّة الصهيونيّة في تدمير إنجازات المقاومة وقيمها ورموزها وشخصيّاتها؛ فتحقق بالحرب الناعمة أحياناً ما عجز الصهاينة عن تحقيقه بأدوات أخرى. والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى؛ فتُتّهم المقاومة على سبيل المثال أنّها تخدم أهدافاً أخرى (إيرانيّة مثلاً)، وأنّها لا تهتمّ بمصلحة البلد وأهله، أو أنّها سبب المشكلات الاقتصاديّة والأزمة الطائفيّة، وغيرها من أشكال الاستهدافات والتشويهات الباطلة.

•أركان التضليل
لذلك، فالتضليل يعتمد بشكلٍ أساس على:

1- الكذب والتشويه: بهدف إضعاف المقاومة وتقديم صورة مشوّهة عنها. ولطالما نعتت أمريكا وحلفاؤها المقاومة بكلمات وصفتها فيها بـ"الإرهاب والتطرّف".

2- استخدام الحيل والمؤامرات والالتفافات المفاجئة: إذ يعمد المضلِّل إلى دفع جهة منبوذة ومشبوهة لمدح الجهة المستهدفة بالتشويه، ليهزّ قيم المؤمنين بها، ويخلق نوعاً من التماثل بين الجهتين. 

3- الاستفزاز: بهدف الدفع نحو ردود أفعال تكون سبباً للإدانة، ومن ثمّ الضغط والإكراه على النزول عند ما يريد. وأسلوب الاستفزاز له مفعول خطير في إثارة الجمهور، إذ قد يعمد الأخير إلى تنفيس الاحتقان بطرق عُنفيّة، وغير عقلانيّة أبداً.

4- الحقن واللعب على الرموز العنصريّة والطائفيّة: كثيراً ما تستخدم الجهات المغرضة هذه الأساليب لإثارة الفتن والنعرات، وتأجيج الخلافات بين الجهات المقصودة، وخطرها كبير.

•في مواجهة التضليل
تبدأ المواجهة من الوعي والبصيرة، واتّخاذ موقف حاسم حيال القضايا المثارة ومدى تأثيرها على التوجّهات واتّخاذ القرارات. وقد قدّم الإمام الخامنئيّ دام ظله رؤيةً متكاملةً في رسم معالم الإعلام الملتزم صاحب القيم، والذي ينحو تُجاه رقيّ المجتمع ورفعة شأنه؛ فأشار إلى البصيرة على أنّها المدماك الأساس في مواجهة التضليل. لذلك قال دام ظله: "ينبغي علينا أن نفتح أعيننا، وألّا نمرّ على الأحداث مرور الكرام، كي نحقّق البصيرة في ضوء التأمّل والتدبّر والتقييم الصحيح للأحداث والقضايا"(7). وأكّد على "أنّ مؤشّر تشخيص الحقّ لا يعتمد على الأشخاص، بل على البصيرة لتمييز الحقّ من الباطل؛ لأنّ الكثير من الشخصيّات المعروفة تخطئ"(8).

•نحو الرقيّ والصلاح
وقد لفت سماحته قبل ذلك إلى الإعلام ودوره، موضّحاً جوانبه، والمسؤوليّات المترتّبة عليه، والمخاطر الكامنة وراءه؛ فأكّد على أنّ للإعلام دوراً جوهريّاً يتمثّـــــل في الـــرقيّ بالمستــــوى الثقافيّ للناس، ونقل الفكر الإسلاميّ الصحيح، بما يتضمّن من توعيــة أخلاقيّـــــة واجتماعيّة، تسير بالمجتمع الإسلاميّ عامّة إلى الخير والصلاح. يقول دام ظله: "يجب أن يكون عموم توجّه الصحافة نحو إصلاح الثقافة العامّة. وعلى المؤسّسات المختصّة بشؤون التبليغ والإعلام، أن تبذل جهودها تُجاه إصلاح الثقافة العامّة"(9).

وحدّد الاتّجاه العامّ لحركة الإعلام، فقال دام ظله: "بشكلٍ عامّ، يجب أن يكون عمل الإذاعة والتلفزيون، كما قال الإمام الراحل قدس سره، جامعة عامّة، يُعلَّم فيها الدِّين، والأخلاق، والقيم الإسلاميّة، وأسلوب العيش الأفضل والجديد في مجال العلم، والسياسة، والأفكار الجديدة بلغة بليغة ومفهومة؛ حتّى يستطيع الجميع، سواء من عامّة الناس، أو من أصحاب العقول المفكِّرة، الارتواء من هذا المعين الفيّاض، كلٌّ حسب استعداده وقابليّته"(10).

•الأخلاق الإنسانيّة: لبّ الدين
وهذا يعني أنّ مسألة الأخلاق الإنسانيّة، هي لبُّ الدين، ولا بدّ بحسب رأي الإمام الخامنئيّ دام ظله أن تحتلّ المركز الأوّل في الترويج الإعلاميّ الهادف، وعن هذا يقول سماحته دام ظله: "إنّ الهويّة الأخلاقيّة هي الهويّة الحقيقيّة للمجتمع، أي إنّ مركز الثقل في المجتمع هو القطب الأخلاقيّ، وجميع الأمور الأخرى إنّما تدور حول محورها. فعلينا أن نولي الأخلاق أهميّة كبيرة. وعلى الإذاعة والتلفاز التخطيط في مجال نشر الفضائل الأخلاقيّة وتفهيمها وبيانها، كالأخلاق السلوكيّة لأفراد المجتمع، والانضباط الاجتماعيّ، والنظم والتخطيط، والأدب الاجتماعيّ، والاهتمام بالأسرة، ورعاية حقوق الآخرين، وحفظ كرامة الإنسان، والإحساس بالمسؤوليّة والاعتماد على النفس، والتحلّي بالشجاعة الذاتيّة والوطنيّة، والقناعة التي هي من أهمّ الفضائل الأخلاقيّة في المجتمع"(11).

•فلنحافظ على هويّتنا
ختاماً، لم يكن التضليل الإعلاميّ وليد القيم العليا والأخلاق النبيلة، ولن يكون وسيلة ارتقاء البشريّة وتقدّمها، بل لم يخرج عن كونه أداةً طيّعةً بأيدي أصحاب السلطة، والمتآمرين، وأصحاب الأهداف المشبوهة؛ فقد أدّى التضليل دوراً ناعماً في تغيير القناعات وحرف الحقائق. وهنا، ينبغي التوقّف عند الدور المطلوب لكلّ فرد في أيّ موقع كان. وعندما نعطي آذاننا وقلوبنا للحقّ والحقيقة، ونتلمّس أبعاد الخبر، ونوقن أنّ الذي يستهدف المجتمعات يريد لها أن تسير في ركابه لاستغلالها فقط، عند ذلك فقط نميّز الحقيقة من الضلال، ونحافظ على هويّتنا من مخاطر الحرب الناعمة. 

1.مبادئ علم الاتّصال ونظريّات التأثير، محمود حسن إسماعيل، الدار العالمية للنشر والتوزيع، ط1، 2003، ص 22.
2.الدعاية والتضليل الإعلاميّ، د. فريد حاتم الشحف، دار علاء الدين، ط1، 2015، ص 13.
3.الدعاية والتضليل في الأفلام الأمريكيّة، مجد عثمان، رسالة ماجستير في كلّية الإعلام جامعة البتراء، 2015، ص 14.
4.من التضليل الإعلاميّ، جلال الشافعي، دار البشير للطباعة والنشر، الأردن، 2005، ص 18.
5.مقال: دور التضليل الإعلامي في الحرب الناعمة-تاريخه وقواعده، حسن الزين، موقع: www.almaaref.org/4658/296/
6.مقال: إعلام الفتنة وفتنة الاعلام، عبد الستار رمضان ، موقع: www.rudaw.net
7.من كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله، بتاريخ 26/10/2010م.
8.(م. ن.).
9.من كلام الإمام الخامنئيّ دام ظله، بتاريخ 11 صفر 1416هـ.
10.نقلاً عن: كتيب الإعلام من منظار الإمام الخامنئيّ دام ظله، الصادر عن دار الولاية للثقافة والإعلام، نُشر على: https://alwelayah.net/post/13280.
11.(م. ن.).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع