منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام 



الشيخ أمين ترمس


عاش الإمام الباقر عليه السلام مرحلةً قاسية وصعبة، بسبب معاصرته مجموعةً من الحكّام الأمويّين، الذين أحكموا الخناق والتضييق عليه. ومع ذلك، عمل عليه السلام على تثبيت دعائم الرسالة والشريعة. ومن أبرز خطواته تربية نخبة من التلامذة وأوفى الأصحاب الذين لقّبوا بـ"أصحاب السرّ". عن هؤلاء الخواصّ ودورهم في نشر فكر أهل البيت عليهم السلام، يتحدّث هذا المقال.

* معاصرة الحكّام الأمويّين
قبل الدخول في موضوع البحث، من الضرورة بمكان الإشارة إلى الحقبة الزمنيّة التي عاشها الإمام الباقر عليه السلام في ظل حكّام عصره من الأمويّين، لما لتلك المرحلة من دخالة في السياسات التي اتّبعها الإمام عليه السلام تُجاه الأُمّة بشكلٍ عام، وتُجاه أصحابه بشكلٍ خاصّ.

فقد عاصر عليه السلام ستّة من الحكّام الأمويّين زمن إمامته، التي امتدّت من سنة 85هـ إلى 114هـ، وهم:

1- عبد الملك بن مروان بن الحكم: 65هـ إلى 86هـ.

2- الوليد بن عبد الملك: 86هـ إلى 96هـ.

3- سليمان بن عبد الملك: 96هـ إلى 99هـ.

4- عمر بن عبد العزيز: 99هـ إلى 101هـ.

5- يزيد بن عبد الملك: 101هـ إلى 105هـ.

6- هشام بن عبد الملك: 105هـ إلى سنة 125هـ.

وهؤلاء الحكّام كغيرهم ممّن سبقهم من بني أُميّة، ومن لحق بهم من تلك الشجرة الملعونة، أفسدوا وظلموا وارتكبوا الفظائع، وما يندَى له جبين البشريّة. وعلى الرغم من أنّ عمرَ بن عبد العزيز لم يكن بمستواهم من الظلم، باعتبار أنّه خفّف عن أهل البيت عليهم السلام وعن شيعتهم بعض أنواع العذاب، وأعاد بعض الحقوق إليهم، ورفع سبّ وشتم أمير المؤمنين عليه السلام من على منابرهم، إلا أنّه جلس مجلساً ليس له، وتبوّأ منصباً لا يستحقّه، والصاحبُ الحقيقيّ لذلك المنصب -وهو الإمام المعصوم عليه السلام - جليس بيته.

* ظهور الانحرافات
شاع عن الحكّام الأمويّين ظلمهم وبطشهم بكلّ من خالفهم، وانتشر الخوف والفزع في كلّ المجتمعات التي لا توافقهم الرأي، ولا تشاركهم سياساتهم الجائرة.

وعُرف عنهم أيضاً انغماسهم باللّهو والفسق والمجون والترف، فكَثُرت مظاهر التحلّل وإشاعة الفواحش، خصوصاً في المدينة المنوّرة عاصمة المسلمين، مرقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومسكن العديد من أئمّة المسلمين، ومنهم الإمام الباقر عليه السلام، وما كلّ ذلك إلّا بهدف إسقاط قدسيّة تلك المدينة المباركة من نفوس المسلمين.

يقول أبو الفرج الأصفهانيّ: "إنّ الغناء في المدينة لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم"(1). فكانت الأمّة تعيش غربة حقيقيّة عن الإسلام الذي جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعن القرآن الذي نزل عليه. فكان من الطبيعيّ في ظلّ هذه الأجواء المتفلّتة من كلّ الضوابط الدينيّة، ظهور جماعات تجاهر بالكفر والإلحاد والزندقة، ونشوء العديد من الفرق الإسلاميّة البعيدة عن حقيقة الإسلام.

* 500 تلميذ
في ظلّ هذا الانحراف والتشتّت والضياع، كان الإمام الباقر عليه السلام يعمل بكلّ ما استطاع من قوّة وإمكانات متاحة له؛ لكي يُبقي راية الإسلام مرفوعة خفّاقة؛ ففتح أبواب مدرسته على مصاريعها لكلّ من طلب العلم، ولو كان مخالفاً للإمام عليه السلام في الرأي والمعتقد. وقد تخرّج من تلك المدرسة مئات الأصحاب الذين تتلمذوا على يديه عليه السلام، وحملوا عنه العلوم والمعارف الإسلاميّة، وانتشروا في البلاد يروون عنه، وعن آبائه عليهم السلام، وعن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما وصلنا من أسماء هؤلاء في كتب الرجال ناهز الخمسمائة رجل(2)، تنوّعوا في تخصّصاتهم، وفي علوم ومعارف إسلاميّة متعدّدة: من فقه وعلوم القرآن وتفسيره، والعقيدة، والأخلاق، والسيرة، والمغازي، واللّغة، والسياسة، وغيرها.

* النخبة الصالحة وصيانة الدين
كان الإمام عليه السلام حريصاً كلَّ الحرص على تربية كوادر يتحلّون بالكفاءة، وقادرين على التصدّي لهجمات الانحراف الفكريّ في الأمّة، وتزييف تلك الادّعاءات الباطلة، وردّ شبهات الضلال التي كانت تشكّل خطراً على عقيدة المسلمين، كلّ ذلك بالاعتماد على الأدلّة الساطعة والبراهين القاطعة. واستطاع أولئك النخب، ومن خلال سمعتهم الطيّبة، وسيرتهم الحسنة، وأسلوبهم الحكيم، ولغتهم المعتدلة مع المخالفين لهم بالعقيدة، أن يعالجوا الكثير من الانحرافات في المجتمع الإسلاميّ.

والذي يبدو من خلال سيرة الإمام الباقر عليه السلام أنّه كان يُخصص لهؤلاء الخواصّ أوقاتاً خاصّة، يزوّدهم فيها بما يحتاجون إليه من علوم ومعرفة، تمكّنهم من إيصال صوت الحقّ إلى الآخرين. من هؤلاء الأصحاب:

1- جابر بن يزيد الجعفيّ: وهو أبرز تلاميذ الإمام الباقر عليه السلام، الذي كان يُطلعه على العديد من الأمور الخاصّة، ويحمّله أسراراً يضطرب بها صدره. لازم الإمام عليه السلام وكان بخدمته مدّة ثماني عشرة سنة(3).

وقد روى الشيخ الكشّيّ عن جابر بن يزيد الجعفيّ أنّه قال: "حدّثني أبو جعفر عليه السلام [الإمام الباقر عليه السلام ] بسبعين ألف حديث لم أحدّث بها أحداً قط، ولا أحدّث بها أحداً أبداً. قال جابر: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، إنّك قد حمّلتني وقراً عظيماً بما حدّثتني به من سرّكم الذي لا أحدّث به أحداً، فربّما جاش‏ في‏ صدري‏ حتّى يأخذني منه شبه الجنون! قال عليه السلام: يا جابر، فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبان فاحفر حفيرة، ودلّ رأسك فيها ثمّ قل: حّدثني محمّد بن عليّ بكذا وكذا"(4).

وهذا الحمل الثقيل الذي أتعب قلب جابر، ومنعه الإمامُ عليه السلام أن يبوح به، هو نوع من الأحاديث والأسرار التي لا يتحمّلها ولا يتعقّلها المجتمع الكوفيّ، الذي كان جابر منه ويعيش فيه. ومن المعلوم أنّ الكوفة كان يغلب عليها الولاء لغير مذهب أهل البيت عليهم السلام والحاكم في وقتها كان أمويّاً. وإلّا فجابر كان موصوفاً في أوساط الكوفيّين وغيرهم أنّه عالم ومحدِّث، ويعترف له بذلك خصومه، فيقول سفيان الثوريّ (وهو أحد كبار فقهاء الكوفة من السنّة) عنه: "إنّه لم يَرَ أورع بالحديث منه"(5). وعندما كتب هشام بن عبد الملك إلى واليه على الكوفة يوسف بن عثمان أن يضرب عنق جابر ويبعث إليه برأسه، سأل يوسف جلساءه عن جابر، فقالوا: "إنّه رجل علّامة وصاحب حديث وورع وزهد"(6)، فلو لم ينشر الكثير من العلوم التي حملها عن الإمام الباقر عليه السلام، لما كان معروفاً في أوساط الكوفيّين بذلك. أمّا منع الإمام عليه السلام له أن يروي، فقد كان بخصوص نوع خاصّ من الأحاديث.

2- أبان بن تغلب: كان أبان بن تغلب من أخصّ الخواصّ عند الإمام الباقر عليه السلام، وكذلك عند ابنه الإمام الصادق عليه السلام، فقد قال له الإمام الباقر عليه السلام: "اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أحب أن يُرى في شيعتي مثلك"(7). "وكان مقدّماً في كلّ فنٍّ من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو"(8). وعندما بلغ الإمام الصادق عليه السلام نبأ وفاة أبان، قال: "أمّا والله لقد أوجع قلبي موت أبان"(9).

3- حُفّاظ الدين الأربعة: ومن هؤلاء أيضاً ما رواه الشيخ المفيد رحمه الله بإسناده عن سليمان بن خالد الأقطع، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام [الإمام الصادق عليه السلام ] يقول‏: "ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي عليه السلام، إلّا زرارة، وأبو بصير المراديّ، ومحمّد بن مسلم، وبُريد بن معاوية، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هدى‏، هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي عليه السلام على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا وفي الآخرة"(10).

وفي نصّ آخر يقول الإمام الصادق عليه السلام: "رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست‏ أحاديث أبي عليه السلام "(11).

وعندما أُطلع الإمام الباقر عليه السلام على أنّ محمّد بن مسلم مريض، أرسل له شراباً كان شفاؤه فيه، ومحمّد يتحسّر على عدم البقاء والإقامة عند الامام عليه السلام (12). فالإمام عليه السلام كان يتعاهد هؤلاء الأصحاب ويسأل عن أحوالهم، حتّى أمورهم الشخصيّة، وكذلك تظهر هذه العناية عندما كان يخاطب شيعته ويرسل لهم الوصايا من خلال هؤلاء النخبة(13).

* تغيير واقع الأمّة
إذاً، هؤلاء وغيرهم كان لهم دور كبير في نشر الثقافة الإسلاميّة الصحيحة، وتثبيت الناس على أُسس متينة للشريعة المحمّديّة. والإمام الباقر عليه السلام -وكذلك آباؤه من قبل وأبناؤه من بعده- كان يحرص على إيجاد نخبة من أصحابه وتلامذته، ويعمل على تربيتهم وتزويدهم بكلّ ما يلزم من أدوات معرفيّة وأفكار علميّة تؤهّلهم للتصدّي وإبطال المخطّطات الأمويّة الخبيثة والرامية للقضاء على كلّ ما يمتّ بصلة إلى الدين الإسلاميّ.

ونتيجةً لذلك، اعتمد الإمام عليه السلام خطّة أبيه الإمام عليّ بن الحسين السجّاد عليه السلام القائمة على تغيير واقع الأمّة بإعادتها إلى أصالتها، التي غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليّ عليه السلام والصحابة المخلصون والأوفياء، وذلك بنشر العلوم الإسلاميّة الصحيحة المستمَدّة من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد نجح الأئمّة عليهم السلام باعتمادهم هذه الخطّة، في الحفاظ على هذا الدين حتّى بقي واستمرّ متألّقاً.


1- الأغاني، الأصفهاني، ج 8، ص 224؛ ويراجع: الأبرار للزمخشري، ج 3، ص 117 الباب الأربعون.
2- انظر: رجال الطوسي، ص 123 إلى ص 151.
3- الأمالي، الطوسي، ص 296.
4- رجال الكشّي، ص 194.
5- (م. ن.).
6- الفصول المهمّة في أصول الأئمّة عليهم السلام، الحرّ العامليّ، ج 1، ص 588.
7- رجال النجاشي، ص 10.
8- (م. ن.).
9- (م. ن.).
10- الاختصاص، المفيد، ص 66.
11- (م. ن.).
12- انظر: رجال الكشي، (م. س.)، ص 167.
13- انظر: الأمالي، (م. س.)، ص 296.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع