منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

الحياة السياسيّة للإمام الباقر عليه السلام 


(إطلالة على فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله) 
الشيخ علي متيرك


عايش الإمام الباقر عليه السلام زمن حكم بني أميّة بمرحلتيه، السفيانيّة والمروانيّة. وقد تسلم مقاليد الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام السجّاد عليه السلام. في هذه المرحلة، وما بعدها، بدأ البيت الأمويّ الداخليّ بالتصدّع والانهيار التدريجيّ بسبب سياسة الولاة الإرهابيّة من جهة، والتنازع على السلطة من جهة أخرى، فكانت الأخطار الخارجيّة والداخليّة تحيط بالدولة الإسلاميّة والحكم الأمويّ من كلّ حدبٍ وصوب، الأمر الذي أدّى إلى انشغالهم عن الإمام الباقر عليه السلام، فتصدّى للإصلاح، بعيداً عن المواجهة السياسيّة العلنيّة. وهذا ما سيتناوله هذا المقال، لكن من خلال ما طرحه الإمام الخامئنيّ دام ظله عن الحياة السياسيّة لباقر علوم أهل البيت عليهم السلام.

* التصدّي والمواجهة
يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "... تجنّب الإمام عليه السلام أيّ مواجهة حادّة ومجابهة مباشرة مع الجهاز الحاكم. فلا يعمد إلى سيف، ولا يسمح للأيدي المتسرّعة أن تمتدّ إلى السلاح وتشهره، ويحملها على المزيد من حدّة النظر ومعرفة الموقف المناسب، ويمتنع عن شهر سيف اللّسان كذلك، ما لم يتطلّب عمله التغييريّ الأساس الجذريّ ذلك. كما أنّه لا يُرخّص لأخيه زيد، الّذي بلغ به الغضب مبلغه وثارت عواطفه أيّما ثورة، أن يخرج (يثور)، بل أن يُركّز نشاطه العامّ على التوجيه الثقافيّ والفكريّ. وهو بناء أساس أيديولوجيّ في إطار مراعاة التقيّة السياسيّة. ولكن هذا الأسلوب لم يكن يمنع الإمام عليه السلام من توضيح حركة الإمامة لأتباعه الخُلّص، وإذكاء أمل الشّيعة الكبير، وهو إقامة النّظام السياسيّ بمعناه العلويّ الصّحيح في قلوب هؤلاء"(1).

وقد اتّسم عصر الإمام الباقر عليه السلام بأشكال عدّة من المواجهة للنظام الحاكم، نذكر بعضها:

1- بثّ الوعي العامّ
بلغ الاعوجاج الفكريّ من الأمّة في عهد الإمام الباقر عليه السلام مبلغاً كبيراً، وبات إسلام علماء البلاط، موظّفاً في خدمة السلطة والحاكم؛ لذا قام الإمام عليه السلام بمواجهة شاملة للجهاز الحاكم، مواجهة من نوعٍ آخر، تؤتي أُكلها بعد حين، إذ عمل على بثّ الوعي في المجتمع الإسلاميّ، محاولاً تبديل هذه الذهنيّة ووضعها في المسار السليم. يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله عن دور الأئمّة عليهم السلام في إقامة حكم إلهيّ: "إنّ أوّل خطوة هي تبديل الذهنيّة العامّة، فعليهم أن يبدّلوا تلك الثقافة، الّتي يُصطلح عليها أنّها (إسلاميّة ضدّ الإسلام)، إلى ثقافةٍ صحيحةٍ، وإلى القرآن الحقيقيّ والتوحيد الواقعيّ. وهذه هي المواجهة الثقافيّة، والتي تعني السعي لتبديل الذهنيّة العامّة والثقافة الحاكمة على عقول الناس، لكي يتمّ تعبيد الطريق تُجاه الحكومة الإلهيّة، وسدّ السبيل على حكومة الطاغوت والشيطان. وقد بدأ الإمام الباقر عليه السلام هذا العمل... كان يبيّن القرآن للناس، لهذا، كان كلّ من يحتكّ بالإمام الباقر عليه السلام نفسه، ولم يكن تابعاً ولا خاضعاً ولا مشاركاً لمعلفهم، يبدّل رأيه بالنسبة إلى وضع حاكميّة الزمان"(2).

2- إعداد الخواصّ وتربيتهم
مضافاً إلى نشاط الإمام عليه السلام العامّ في المجتمع الإسلاميّ، كان له نشاطه الخاصّ، من إعدادٍ فكريّ وتربويّ لخاصّة أتباعه وشيعته، يرفدهم بعلمه، ويحوطهم ببرّه. وقد أثمر هذا الجهد الكبير وتمثّلت حصيلته في كوكبة من أصحاب الإمام عليه السلام، وعلى رأسهم: زرارة بن أعين، وأبو بصير الأسديّ، والفضيل بن يسار، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجليّ... (3).

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "إنّ مرحلة حياة الإمام الخامس، الإمام الباقر عليه السلام، هي استمرارٌ منطقيّ لحياة الإمام السجّاد عليه السلام. فها هم الشيعة مرّة أخرى يصبحون جماعةً، ويشعرون بوجودهم وشخصيّتهم. إنّ الدعوة الشيعيّة الّتي توقّفت لسنوات عدّة على أثر حادثة كربلاء والأحداث الدمويّة الّتي تلتها -كواقعة الحرّة وثورة التوّابين- وبسبب بطش الأمويّين، لم تكن تُظهر نفسها إلّا تحت الأستار السميكة، وها هي اليوم في العديد من الأقطار الإسلاميّة، وخصوصاً في العراق والحجاز وخراسان، تتجذّر وتستقطب شرائح كبيرة، حتّى إنّها في الدوائر المحدودة أضحت رابطةً فكريّة وعمليّة يمكن التعبير عنها بالتشكيلات الحزبيّة"(4).

3- بناء التشكيلات السرّيّة
إنّ إعداد الخواصّ وتربيتهم، كان هدفه حفظ الرسالة والمجتمع الإسلاميّ، لكن كان لا بدّ من حفظ هذه الجماعة الصالحة وضمان بقائها واستمرارها؛ لذا فإنّ أمر بنائها لم يقتصر على الإعداد الفكريّ والتربويّ، بل عمل الإمام الباقر عليه السلام على بناء ما سمّاه الإمام الخامنئيّ دام ظله بالتشكيلات السرّيّة، فيقول: "العمل الآخر في حياة هذا الإمام عليه السلام، كان عبارة عن تنظيم التشكيلات، من خلال تجهيز أشخاصٍ وبثّهم في أرجاء العالم الإسلاميّ من أجل القضاء على الشبهات الّتي وقع فيها أولئك الّذين تأثّروا بذلك الإعلام والتعاليم، فيحصلون على المزيد من المعرفة، ولا يقعون تحت تأثير إلقاءات العدوّ.

وقد كان هذا الأمر من أعمال الإمام الباقر عليه السلام، حيث كان يُربّي أشخاصاً ويُعدّهم ويخصّهم بالعناية، ثمّ يربط بعضهم ببعض، ويبثّهم في أرجاء العالم الإسلاميّ كأقطابٍ وأركانٍ ووكلاء ونوّاب ليتابعوا ما قام به، ويتحمّلوا أعباء التّبليغ والتّعليم الّذي قام به. وهذا التّنظيم السرّي للإمام الباقر عليه السلام، كان قد بدأ قبل عصره، لكنّه تفاقم وازداد في زمانه، وبالطّبع، فقد وصل في زمن الإمام الصادق والإمام موسى بن جعفر  عليهما السلام إلى أوجه، لقد كان هذا عملاً آخرَ وهو شديد الخطورة"(5).

ولقد كان لهذا البناء إرشاداته السياسيّة الخاصّة الّتي تختلف عن إرشاداته للآخرين، إذ كان ينهاهم عن التعاون مع الجهاز الحاكم مطلقاً، ومن ذلك عن أبي بصير: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أعمالهم، فقال لي: "يا أبا محمّد، لا ولا مدّة قلم؛ إنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلّا أصابوا من دينه مثله"(6). كما كان يأمرهم بكتمان الأسرار والتقيّة، وكانوا يُعرفون بأصحاب السرّ كجابر بن يزيد الجُعفيّ.

4- مواجهة الخلفاء
لقد عمل الإمام الباقر عليه السلام على نشر الأفكار والمفاهيم الصحيحة في السياسة، موجّهاً الأنظار إلى أحقّيّة أهل البيت عليهم السلام في الحكم وقيادة الأمّة، فكان يقول: "نحن ولاة أمر الله، وخزائن علم الله، وورثة وحي الله، وحملة كتاب الله، وطاعتنا فريضة، وحبّنا إيمان، وبغضنا كفر، محبّنا في الجنّة، ومبغضنا في النار"(7).

يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "... لم يكن في متون التواريخ الإسلاميّة، وكذلك في كتب الأحاديث وغيرها، حديثٌ صريحٌ عن أنشطة الإمام الباقر عليه السلام الاعتراضيّة والحادّة نسبيّاً، وبالطبع إنّ هذا نفسه ناشئٌ من أسبابٍ وعوامل عدّة، أهمّها القمع المسيطر على الأجواء، وضرورة التقيّة من قِبَل أصحاب الإمام عليه السلام، الّذين كانوا المراجع الوحيدين المطّلعين على مجريات الحياة السياسيّة للإمام عليه السلام. ولكن يُمكن دوماً اكتشاف عمق أداء أيّ إنسان من خلال ردود الفعل المحسوبة بدقّة من قِبل أعدائه المتيقّظين. فإنّ مواجهة جهازٍ مقتدرٍ ومدبّرٍ، كجهاز هشام بن عبد الملك -الّذي عدّه المؤرّخون أكثر الخلفاء الأمويّين اقتداراً- للإمام الباقر عليه السلام أو لأيّ شخص آخر بذلك الوجه العنيف، هو لا شكّ ناشئٌ من رؤيته تهديداً لنفسه في أدائه وعمله، وعدم قدرته على تحمّل وجوده. فلا شكّ أنّه لو كان الإمام الباقر عليه السلام مشغولاً بالحياة العلميّة فحسب، دون البناء الفكريّ والتنظيميّ، لما كان الخليفة ورؤوس نظامه ليرَوا أنّه من مصلحتهم ونفعهم أن يتصرّفوا بشدّة وعنف"(8).

* مواجهة هشام بن عبد الملك
على الرغم من التقيّة التي مارسها الإمام الباقر عليه السلام، كانت له بعض المواجهات الصريحة والواضحة مع هشام بن عبد الملك. يقول الإمام الخامنئيّ دام ظله: "من الحوادث المهمّة في أواخر حياة الإمام الباقر عليه السلام وأكثرها شهرةً حادثة إحضاره إلى الشّام. أُحضر الإمام عليه السلام إلى قصر الخليفة في الشام (...) يدخل الإمام، وبخلاف الرّسوم والعادات المتعارفة، الّتي تقتضي أنّ كلّ من يدخل إلى المجلس، يجب أن يُسلّم على الخليفة بذلك اللقب المخصوص بأمير المؤمنين، فإنّه يتوجّه إلى جميع الحاضرين، ويُخاطبهم مشيراً بيده، وقائلاً: (السلام عليكم). ويجلس دون انتظار الإذن بذلك. وبهذا التصرّف يُشعل نيران الحقد والحسد في قلب هشام، الذي يبدأ بقول: "أنتم يا أبناء عليّ، كنتم دوماً تشقّون عصا المسلمين، (...) وتدّعون الإمامة لأنفسكم بجهلكم وسفاهتكم". يتفوّه بأمثال هذه الترّهات ويسكت. ثمّ بعد ذلك، كلّ واحد من عبيده، ينهض ويتفوّه بمثل هذه الكلمات، ويتوجّه بلسانه للطّعن بالإمام عليه السلام وتوبيخه.

أمّا الإمام عليه السلام، فقد كان يجلس طيلة هذا الوقت ساكتاً وهادئاً. وعندما يسكت الجميع، ينهض الإمام عليه السلام ويقف ويتوجّه إلى الحاضرين، وبعد الحمد والثناء على الله تعالى والسلام على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يردّ (...): (أيّها الناس! أين تذهبون؟ وأين يُراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾) (الأعراف: 128)(9).

بهذا البيان المختصر والمليء بالمعنى -الّذي تضمّن التظلّم والبشارة والتهديد والإثبات والردّ- تحقّق التأثير والجاذبيّة إلى درجة أنّه لو أذيع ووصل إلى أسماع الناس، لكان من الممكن أن يجعل كلّ من يسمعه معتقداً بحقّانية قائله. ولأجل الردّ على هذا الكلام، لم يعد أمامهم سوى استخدام العنف والقهر؛ فيأمر هشام بإلقاء الإمام عليه السلام في السجن، وهو بذلك يكون عمليّاً قد اعترف بضعف معنويّاته وعجز منطقه"(10).

فالسلام على خامس الأئمّة عليهم السلام.

1- إنسان بعمر 250 سنة، الإمام الخامنئيّ دام ظله، ص 332.
2- (م. ن.)، ص315-316.
3- مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج 3، ص 340.
4- إنسان بعمر 250 سنة، (م. س.)، ص 311.
5- (م. ن.)، ص317.
6- الكافي، الكلينيّ، ج 5، ص 106.
7- مناقب آل أبي طالب، (م. س.)، ج 3، ص 336.
8- إنسان بعمر 250 سنة، (م. س.)، ص 325-326.
9- الكافي، (م. س.)، ج 1، ص 471.
10- إنسان بعمر 250 سنة، (م. س.)، ص 327-329.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع