عليّ بن الحسين عليه السلام والتكافل الاجتماعيّ التربية الروحيّة في دعاء مكارم الأخلاق الحياة السياسيّة للإمام السجّاد عليه السلام في فكر الإمام الخامنئي دام ظله أول الكلام: شوقٌ إلى الحسين عليه السلام أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟ إضاءات فكرية: فلسطين للفلسطينيين اعرف عدوك: "إسرائيل" وقضيّة أطفال اليمن أسرتي: مهر المرأة: مفاهيم خاطئة أول الكلام: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*)

أخلاقنا: الطلاق حلّ أم مشكلة؟

آية الله الشيخ حسين مظاهريّ


إنّ إحدى المصائب الكبرى التي تشهدها مجتمعاتنا في وقتنا الحاضر هي كثرة الطلاق، هذا في ظلّ شدّة التضييق على الطلاق من خلال الإرشادات والنصائح التي يتفضّل بها العلماء والمثقّفون في وسائل الإعلام كافّة، وعبر الدروس والمحاضرات، وكذلك في الوقت الذي عرّف فيه الإسلام الحنيف الطلاق على أنّه أبغض الحلال إلى الله، حين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أحلّ الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق"(1).

وفي هذا المقال، بحث يدور حول سبب تفشّي هذا الأمر، من خلال تقسيم الطلاق إلى ثلاثة أقسام، والوقوف عند أسباب وعوامل كلّ قسم.

* أقسام الطلاق
1- الطلاق الضروريّ
بما أنّ قوانين الإسلام شاملة، ولم تدع مفصلاً حياتيّاً إلّا وطرقته، لذا يكون الطلاق هو أحد القوانين المشمولة بالنظام الإسلاميّ المتكامل. وعلى الرغم من كراهيّة الطلاق في الإسلام، يُعدّ وجوده ضروريّاً في الحالات التي تستوجب ذلك.

إنّ مَثَل الطلاق الضروريّ كمَثَل اليد التي أصابها السرطان، والتي يجب أن تُقطع حتّى لا يسري المرض إلى بقيّة أجزاء الجسم، وقد يكون صاحب اليد ممتعضاً لقطع يده، لكنّه في الوقت ذاته مقتنع بذلك القطع، بل ويقدّم المال للطبيب الذي قطعها، ويشكره على فعله ذاك.

يحصل الطلاق الضروريّ عندما لا يكون هناك توافق أخلاقيّ بين الرجل والمرأة، بعد طرق جميع أبواب التضحية والإيثار والعفو، وكلّ ما يمنع حدوثه من مساعٍ وتدابير خاصّة اعتمدها الإسلام للإبقاء على الحياة العائليّة.

فحينما يُبتلى مؤمن -والعياذ بالله- بامرأة غير عفيفة، أو تُبتلى امرأة خيّرة بزوج وضيع، ويصل الأمر إلى طريق مسدود، ماذا يمكن أن يكون الحلّ عندئذٍ؟

في هذه الحالة، لا حلّ سوى بالطلاق، ويكون الطلاق هنا ضروريّاً وحسناً بنظر الإسلام والمجتمع.

2- الطلاق الترفيّ
في الطلاق الترفيّ، يكون الرجل من الذين يبحثون عن شيء جديد يلبّي رغباته وحاجاته؛ لذا تراه يطلّق زوجته التي حملت منه مرّات عدّة ليتزوّج أخرى معجبٌ بطريقة كلامها مثلاً، والأنكى من ذلك حينما تكون هذه الحالة عند المرأة.

* منبع الطلاق الترفيّ
وهنا، لا بدّ من طرح سؤال مهمّ: ما هو منبع الطلاق الترفيّ، أو الطلاق الاعتباطيّ والعشقيّ؟

وأجيب عن هذا السؤال بالقول: إنّه يحدث نتيجة أسباب عدّة، من بينها:

1- الاختلاط: إنّ اختلاط الرجال مع النساء، والنظر في الوجوه، والأحاديث غير الضروريّة التي تتمّ بينهما، وكذلك التبرّج أو السفور، كلّها عوامل قد تؤدّي إلى الوقوع في الحرام.

وعليه، فقد حرّم الإسلام النظر إلى كلّ ما يمكن أن يثير الشهوة، وكذلك التحدّث والاختلاط بين النساء والرجال إلّا لضرورة.

2- العشق المحرّم: إنّ أحد الأشياء التي توجب ظهور المصائب والبلايا هو العشق الذي يحدث بين الرجال والنساء، وهو إجمالاً يترك البيوت بلاقعَ(2)، حيث ترى في بعض الأحيان العاشق يتنكّر لكلّ القيم والمُثل في سبيل الحظوة بمعشوقه، بل ويصل الأمر به إلى أنّه يكون ذليلاً مستكيناً في مقابل تلك الحظوة المتدنّية.

وإذا ما كانت المرأة كثيرة النظر والتحدّث للرجال، فقد تضحى عاشقة على الرغم من أنّها متزوّجة، وحينها تحدث الكارثة بسبب ذلك التصرّف والنظر هنا وهناك، وتكون عندها مصداقاً للآية المباركة التي تقول: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: 11).

* ضرورة الفصل بين الجنسَين
إنّ للمرأة جاذبيّة خاصّة، وإنّ جاذبيّتها تلك حدت بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار من أهل بيته عليهم السلام إلى أن يُكرّهوا حتّى المشي خلفها، إلاّ أن تكون هناك مسافة تحول دون الجذب.

أمّا إذا لم يلتزم الرجل بهذه المسائل، فسوف يكون عرضةً لذلك الجذب، وعرضةً لشِراك الشيطان الرجيم الذي يسعى دائماً للإيقاع به. من هنا، فإنّ الفصل بين الرجال والنساء أمر ضروريّ لا بُدّ منه.

لذا أقول للمرأة: إنّك درٌّ ثمين، وكلّما حُفِظ الدرّ في مكان آمن، كلّما كان بعيداً عن أيدي السرّاق. وعليه، ينبغي أن يحذر الرجل والمرأة التمادي في التحدّث إلى بعضهما بعضاً، وأن يلتزما بالأخلاق الإنسانيّة والإسلاميّة العريقة التي تحول دون استشراء الفساد في المجتمعات البشريّة.

3- الطلاق المعقّد
يحدث هذا الطلاق في الأعمّ الأغلب عندما تقصّر المرأة في واجباتها تجاه أسرتها، بعد أن تبرز في كوامن الرجل عقدة نفسيّة تتفاقم شيئاً فشيئاً، لتصل إلى مرحلة قد يُقدم فيها الزوج على التزوّج ثانية وثالثة ورابعة.

وعلى عكس ما ذكرنا، حينما نشاهد عدم مراعاة الرجل للمسائل الصغيرة والكبيرة، وحينما يكون بخيلاً، وجافّاً في تعامله مع الأبناء والزوجة قولاً وفعلاً، تتعقّد الزوجة، وحينما تتعقّد، تدخل في مداخل ضيّقة، ناهيك عن كراهيّتها لكلّ ما يمكن أن يذكّرها بزوجها من مثل عشيرته، أو أبنائه، أو... وصولاً إلى طلب الطلاق.

* الاهتمام المتبادل
إنّ بعض الرجال لا يولون أهمّية تذكر لتنظيم أوقاتهم، فتراهُ يخلط بين الوقت المخصّص لزوجته وأبنائه، وبين الوقت الذي يمارس فيه قراءة القرآن أو مطالعة الكتب العلميّة مثلاً، وهذا أمرٌ خطير جدّاً، حيث تصبح الأسرة في مثل هذه الحالة في الحاشية، لتبقى المسائل الأخرى المتعلّقة به في المتن.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى سائل كلّ راع عمّا استرعاه أحفظ ذلك أم ضيّعه، حتّى يُسأل الرجل عن أهل بيته"(3).

ويجب على المرأة المثاليّة في المقابل أن تتبسّم في وجه زوجها حينما يعود متعباً من عمله، وبذلك تتأصّل أواصر المحبّة والألفة والانسجام في المؤسّسة الأسريّة.

كان أحد العلماء الكبار يبكي بشدّة لوفاة زوجته، وعندما قلنا له: "ألا ترضى بقضاء الله؟ قال: أنا راضٍ بقدر الله تباركت أسماؤه، ولكنَّ قلبي يشتعل ناراً حينما أتذكّر أنّ مؤنسي، ومعهد علمي، لن يعود إليّ ثانيةً. فعندما أكون مُتعباً أثناء المطالعة، أرى زوجتي الرؤوفة تطلّ عليّ بابتسامة عريضة، وهي تحمل بيدها قدح الشاي، ثمّ تجلس إليّ لتحدّثني قليلاً؛ لذا أرى أنّ كلّ أعمالي العلميّة مرهونة بوجود تلك المرأة التي ذهبت إلى رحمة الله الواسعة".

* كيف نتجنّب الطلاق المعقّد؟
وبناءً على ما تقدّم، فإن الرجل الذي لا يهتمّ بزوجته وأبنائه لانشغاله الدائم بالكسب الحلال، أو في طلب العلم، سيكون سبباً في تعقيد زوجته، وعندما يتفاقم ذلك التعقيد، قد يصل بها الأمر إلى طلب الطلاق. وعندما تُسأل عن كيفيّة تركها لأبنائها الذين سيفشلون في حياتهم، تُجيب: "دعوني أحظى بقسطٍ من الراحة ولو على حساب فشل أبنائي". وهذا ما يسمّى بالطلاق المعقّد!


(*) من كتاب الأخلاق البيتيّة، الفصل الخامس– بتصرّف.

1- مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج15، ص280.
2- بلاقع: جمع بلقع، ويعني الخالي من كلّ شيء.
3- ميزان الحكمة، الريشهريّ، ج2، ص1212.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع