مع إمام زماننا: وظائف المنتظـــرين(1)(*) مناسبة: آخيتك في الله مناسبات العدد أسبوع الأسرة: نماذج رائدة التربية على الحياء الحياء قيمة اجتماعيّة عندما ينعدم الحياء الحياء من الإيمان أول الكلام: عيد الله الأكبر مع الإمام الخامنئي: الإمام الخمينيّ صانع التحوّلات (*)

أسبوع الأسرة: نماذج رائدة

تحقيق: نانسي عمر


الأسرة في المنظور الإسلاميّ كيانٌ مقدّس، وقد أولاها الإسلام أهميّة عظيمة باعتبارها أساس صلاح المجتمع أو فساده.

وفي مجتمع يهدّده الغزو الثقافيّ الغربيّ، الذي لا يولي الأسرة أيّة أهميّة واعتبار، بات تكوين أسرة صالحة أمراً هامّاً، والسعي نحو تحقيق أسرة نموذجيّة عملاً يستحقّ التقدير.

من عليّ وفاطمة عليهما السلام تعلّمنا معنى تكوين الأسرة الصالحة، المُحبّة، والمتعاونة على الخير والبرّ وتقوى الله تعالى. وفي ذكرى زواج النورين، أحببنا أن نضيء على نماذج لأسر من مجتمعنا، جمعهم الحبّ بأشكاله المختلفة، فكانوا كالجسد الواحد إذا تداعى عضو منه تداعت سائر أعضائه بالسهر والحمّى.

النموذج الأوّل: لا يفرّقنا الموت
هي قصّة لا تشبه بقيّة القصص العائليّة، لعائلة جمعها الحبّ في الدنيا، فحملته معها حتّى لحظاتها الأخيرة، يداً بيد، إلى جنان الخالق. كان فضيلة السيّد الشهيد عادل عكّاش (رحمه الله) إمام بلدة الدوير الجنوبيّة، وأباً لعشرة أطفال، ربّاهم على الإيمان والمحبّة والأخلاق الحسنة، وعلّمهم أن يكونوا معاً في الحياة بحلوها ومرّها، فلا تفرّقهم أعتى العواصف. إلى أن جاء الثالث عشر من شهر تمّوز من العام 2006م، حين صبّ العدوّ الصهيونيّ وحشيّته على منزل السيّد بصاروخ قضى على العائلة بأكملها، الأب والأمّ والأطفال العشرة، أكبرهم محمّد باقر (18 عاماً) وأصغرهم صفاء (6 أشهر)، فقضوا جميعاً شهداء، حتّى إنّ الموت لم يفرّقهم!

- أمنيّة تحقّقت
"هذه كانت أمنيّة السيّد"، يقول والده، ويضيف: "كان دائماً يدعو الله تعالى أن لا يُيَتَّم أطفاله، وأن لا يُفجع هو بهم أيضاً. كان يتمنّى أن يموتوا جميعاً في يوم واحد، وكان له ما أراد". ويضيف: "كانت أسرتهم نموذجيّة في الحبّ والإيمان والأخلاق الحسنة، وكان السيّد مؤمناً طاهراً صابراً ومحبّاً، وقد ربّى أطفاله على النهج نفسه الذي ربّيته عليه مع إخوته، على الحبّ والودّ والتعاون. وكانت زوجته أيضاً مؤمنة وقنوعة ومحبّة لعائلتها، وكانا شديدي التعلّق بأطفالهما، فليس مستغرباً أنّ الله تعالى منّ على هذه العائلة بأن أكرمهم بالشهادة جميعاً في يوم واحد، وقد كانوا يستحقّونها فعلاً. أنا فخور بهم، ودائماً ما أبارك لنفسي شهادتهم، لعلّهم يشفعون لنا في الآخرة".

- راضٍ بقضاء الله
أمّا الوالدة المفجوعة بابنها وعائلته، فتعتبر أنّ الله تعالى كتب للسيّد ما كان يتمنّى، تقول: "قبل بدء عدوان تمّوز بأيّام قليلة، رأته أخته في منامها أنّه متوفَّى، ورأته أخته الثانية أيضاً في منام كان تفسيره سيّئاً، ومن شدّة قلقي عليه، طلبت منه أن ينتقل من منزله ويبقى قريباً منّي، لكنّه رفض وقال إنّ ما سيصيبه سيلحق به أينما كان، وأنّه راضٍ بما سيكتبه الله له"، وتتابع أم عادل: "لم يكن لديّ أحفاد في حينها سوى أولاد السيّد، وكنتُ شديدة التعلّق بهم، وهم أيضاً لم يعرفوا منذ عودتهم من إيران حيث ولدوا سوى بيت جدّهم، فكانوا يأتون دوماً ويسهرون عندي، وكنت أتسلّى بحضورهم، ولا زلت أذكر حتّى الآن كيف كانوا يتحدّثون ويلعبون ويفرحون عندما يأتي بهم السيّد إلى منزلنا".

أمّا عن ليلة الشهادة، فتروي: "في تلك الليلة كنت قلقة جدّاً على السيّد وعائلته وأنا أسمع صوت الطيران الحربيّ يحوم فوق القرية، ولكنّني لم أتوقّع أنّ أوّل صواريخهم الوحشيّة سينزل على بيت ابني، وأنّ صباح اليوم التالي سيكون مفجعاً وصادماً بشهادته وعائلته جميعاً دفعة واحدة. كلّ ما دعوت الله به في حينها ولا زلت أدعوه أن يلهمني الصبر على فراقهم، كما ألهم مولاتي زينب عليها السلام الصبر على فقد عائلتها وأبنائها وإخوانها في كربلاء".

* النموذج الثاني: حبّ القرآن يجمعنا
وللشيخ حاتم برّو (مدير جمعيّة القرآن الكريم في البقاع الأوسط) وعائلته قصّة أخرى، حيث أبى الوالد -الحافظ والمدرّس للقرآن الكريم- إلّا أن يكون أولاده في الخطّ والنهج نفسه، من الحفظة لكتاب الله تعالى والعاملين به.

ولأنّ وراثة حبّ القرآن لا تتوّقف عند الأولاد، حملها الأحفاد في قلوبهم وعقولهم، وبدأوا صغاراً وكباراً يتنافسون في حفظ السور والأجزاء.

- في بيتنا حَفَظَة
يقول الشيخ برّو: "منذ صغر سنّي، كنت أسمع والدي (رحمه الله) يرتّل آيات القرآن في البيت، وكنت أتأثّر به كتأثّري بالقارئ عبد الباسط عبد الصمد، والمبلّغين والأساتذة الذين علّمونا القرآن الكريم في البلدة. وبما أنّ القرآن يهدي للتي هي أقوم، ارتأيت أنّه يجب أن أتعلّمه وأعلّمه لأبنائي كسائر المواد التعليميّة التي يتعلّمونها في المدارس. واليوم، وبفضل الله، أصبحنا أربعة حفظة لكامل القرآن الكريم في البيت، وابني الأصغر لا يزال يتابع الحفظ، وكذلك أحفادي أيضاً بدأوا يسيرون على الطريق نفسه بتشجيع منّي ومن أهلهم، على أمل أن يُسجّلوا من الحفظة لكامل القرآن قريباً".

ويتابع: "حفظ القرآن يوسّع الآفاق، يقوّي الذاكرة، يطلق اللسان، ويجعل للإنسان حصانة داخليّة وذاتيّة ضدّ الانحراف، طبعاً بشرط أن يكون الحفظ مقروناً بالعمل على نهجه، ونهج الرسول وأهل بيته (صلوات الله عليهم). ونبتغي من ذلك كلّه أنّه إذا جلسنا مجلساً أن نحدّث الناس بما قال الله ونتكلّم بلسانه، كما كانت فضّة خادمة السيّدة الزهراء عليها السلام. ولهذا أحببت أن يكون أبنائي وأحفادي كلّهم أيضاً حفظة للقرآن الكريم وسائرين على دربه؛ لأنّه أفضل الدروب التي تؤدّي إلى الصلاح والبركة والنعيم".

-القرآن مشروع الأسرة
تقول بتول (ابنة الشيخ حاتم برّو وأمّ لثلاثة أطفال): "القرآن الكريم رسالة الله إلينا، وهو معجزته الخالدة التي أنزلها على رسولنا الكريم، ويجب على كلّ مسلم أن يحفظ هذا الكتاب لفضائله المتعدّدة، وأهمّها أنّه يجنّب صاحبه النار يوم القيامة، ويأتي أهله يوم المعاد شفيعاً". وتضيف: "ما ساعدنا وهيّأ لنا هذه الأرضيّة الخصبة لنكون أسرة ملتزمة بحفظ القرآن ومؤمنة بهذا النهج، هو كون الوالد -أطال الله في عمره- يسير في هذا الدرب منذ فترة طويلة، وقد كبرنا ونحن نراه يحفظ القرآن ويراجعه بشكل متواصل، ويرتّل آياته الكريمة، فكان دافعاً أساسيّاً لنا إلى السير على هذه الخطى".

وتتابع بتول: "لديّ ثلاثة أطفال أسعى لتحفيظهم كامل القرآن الكريم، وقد بدأت بالاثنين الأكبر سنّاً، وأدعو الله تعالى أن يوفّقني لهذا مع طفلتي الصغيرة أيضاً. أتمنّى أن نوفّق لنكون من المساهمين في نقل هذا الشغف إلى باقي أفراد أسرتنا، ومنّ ثمّ إلى مجتمعنا؛ لما له من أهميّة كبيرة وأثر على حياتنا العلميّة والعمليّة اليوميّة، ويؤدّي بنا إلى الرقيّ والتقدّم والتطوّر الهادف".

النموذج الثالث: على حبّ صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف
ثمّة شغف آخر يجمع بين أفراد الأسرة، التعاون على البرّ والتكافل، مكلّلاً بحبّ الغائب المؤمّل المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. فبعد أن توفّي الوالدان، بقيت الابنتان مع أخويهما في المنزل. ولأنّ المعيشة تتطلّب جهداً وعملاً، قرّر الإخوة الأربعة أن يبدأوا مشروعاً مُنتجاً يعتاشون منه، فكان العمل في الزراعة وتربية الماشية وصنع المونة، وهم يجهدون كتفاً إلى كتف لتأمين قوت عيشهم؛ لأنّ ليس لهم من بعد الله إلّا بعضهم بعضاً.

-للفقراء جزء من الأرباح
تقول زينب الأخت الكبرى: "بدأنا العمل في زراعة بعض المزروعات وصنع مونة منزليّة متنوّعة، كالكشك وورق العنب وغيرها، وبيعها والاستفادة من ثمنها". وتتابع: "كنّا نعمل لنعتاش، ولكن الخير كثير والحمد لله، لذلك خصّصنا ثُلث أرباحنا للمحتاجين، يُوزَّع كمساعدات وهدايا على حبّ صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف على العوائل المتعفّفة. فعندما نرى مثلاً أباً لخمسة أطفال لا يملك سوى راتب متواضع لإعالتهم، لا يمكن إلا أن نقدّم له يد المساعدة ولو بالقليل، ككسوة العيد للأطفال أو وجبات طعام معيّنة، حتّى لا يُحرم هؤلاء الصغار ممّا يشتهون".

- ببركة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
ويحيي الإخوة المناسبات الإسلاميّة كلّها معاً عبر إقامة ولائم، وتأمين مساعدات للمحتاجين من إنتاجهم، ومن تبرّعات الخيّرين الذين يقدّمون يد المساعدة عند الحاجة.

تقول زينب: "نجمع التبرّعات العينيّة والماليّة للعوائل المحتاجة بحسب حاجتها، ومنها حليب الأطفال ومستلزماتهم، وأصحاب الأيادي البيضاء كثر وصاروا يثقون بنا، وكلّما طلبنا منهم شيئاً للعوائل المحتاجة، فإنّهم يلبّون فوراً، وهذا كلّه ببركة صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ لأنّنا نقدّم ونساعد على حبّه".

مجتمعنا غنيّ، وقويّ بأفراده وأسره التي إمّا أن تنال درجة عالية من الصبر، وإمّا بركةً من بركات الدنيا والآخرة.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع