قصة: عند التقاطع مناسبات العدد رثاء: الصوت المقاوم في ذمّة الله مقابلة: في رحاب وليد الكعبة عليه السلام الإعلام الحربي: ذاكرة المقاومة العدسة بعبق الشهادة الإعلام المقاوم: المفهوم والتأسيس مع الإمام الخامنئي: الزهراء نموذج المرأة المسلمة(*) نور روح الله: أدبُ الإخلاص في العبادة (2) مع إمام زماننا: شروط الانتظار الحقيقيّ(١)(*)

أسرتي: طباع الزوجين: هـــل تتــغيّـــر؟

فاطمة نصر الله(*)


هل يستطيع أحد الزوجين أن يغيّر طباع الآخر؟ وهل تساهم العِشرة في تغيير طباع أحدهما أو كليهما؟

الطباع هي المفردة التي طالما سمعناها تتردّد على ألسن الناس في غير مناسبة، لا سيّما أثناء الحديث عن الخلافات بين الناس عامّةً والأزواج خاصّة، إذ غالباً ما يُلقى على هذه المفردة التهمة المركزيّة المسبّبة للخلافات المتنوّعة بين أيّ طرفين.

من هنا، يمكننا أن نطرح العديد من التساؤلات التي من شأنها أن تحدّد معنى الطباع الإنسانيّة وماهيّتها ومنشأها، وهل تنتمي إلى التركيبة النفسيّة للإنسان، بالتالي، فهي تتأثّر بالفروق الفرديّة بين الإناث والذكور، أم أنّها تنتمي إلى نظام الخصائص الوراثيّة التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات، وهنا لا مكان للتمييز فيها بين الذكور والإناث، أم أنّها تنتمي إلى منظومة التربية التي يتعرّض لها الفرد في طفولته؟


•تعريف الطباع
الطباع هي الصفات السلوكيّة التي يأتي بها الإنسان دائماً وبغير تكلّف، وبعبارةٍ أخرى: هي ما جُبِلَ عليه الإنسان؛ أي السّجايا(1).

انطلاقاً من التعريف، يمكننا القول إنّ الطباع أقرب ما تكون إلى أنماط الشخصيّة، وهي ميزة الإنسان النفسيّة ومجموعة تصرّفاته وطريقة عيشه وتفكيره ومزاجه(2)، وهي الشكل الذي يكون عليه الإنسان أثناء تعاطيه مع نفسه ومع الآخر، والتي لا يجب أن تتعدى حدود الأخلاق وقضايا الحقّ والباطل، فتتحوّل الطباع إلى شمّاعة يعلّق عليها الإنسان كلّ أخطائه تحت عنوان أنّ الأمر قهريّ ولا سلطة له على طباعه التي تتحمّل مسؤوليّة هذه التصرّفات، وبذلك يكون قد أعطى نفسه الفرصة للتنصّل من مسؤوليّاته تجاه نفسه والآخرين.

كما أنّ الطباع في الحياة العامّة للبشر تحتلّ مساحةً معتبرةً من التداول، كذلك في الحياة الزوجيّة والأسريّة، إلّا أنّ ما تختصّ به حياة الزوجَين هو أدقّ وأخطر ممّا تختص به الحياة العامّة للناس من صداقات وتواصل متنوّع، كالتعارف وزمالة العمل والمجاورة والمصالح الماديّة وغيرها.

•خصائص الحياة الزوجيّة الناجحة
تتّصف الحياة الزوجيّة بالتقارب والمشاركة والاستمراريّة والنموّ. وهذه الصفّات تفرض على كِلا الزوجين أن يكونا على مستوى مُرضٍ من المواصفات الشخصيّة التي تساعد كلّاً منهما على تأدية دوره ووظيفته المطلوبة منه، وذلك بهدف إسعاد هذه الحياة المشتركة، التي لا بدّ من أن يطمح كلّ منهما أن تكون بعيدة بقدر الإمكان عن السّلبيّات والمشاحنات والنتائج الفاشلة. وفي هذا السياق، يحرص المختصّون في الشأن النفسيّ والتربويّ على تقديم النصائح المتنوّعة للمُقدمين على الزواج، وذلك ضمن ما يسمّى مواصفات الشريك أو معايير اختيار الشريك، والتي تتضمّن العديد من العناصر أو المقوّمات التي تُعتبر أساسيّةً للإقدام على هذه الخطوة المهمّة جدّاً في حياة الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، فإنّنا لا نجد مفردة (الطباع) موجودة بشكل منفرد ضمن المعايير أو الشروط، إلّا أنّها متداخلة بشكل كبير وأساسيّ في المواصفات كافّة التي من المتوقّع أن تتضمّنها شخصيّة شريك المستقبل.

•سمات الطباع من الناحية النظريّة
الطباع من الناحية النظريّة هي:

1- عامل إضافيّ من عوامل الاستقرار الزوجيّ والأسريّ.

2- حقٌّ بديهيٌّ لكلّ إنسان، وهو الذي يعطيه هويّة التمايز عن غيره من الناس، وهذا ما يجب أن يمثّل نقاط خير ودليل صحة وعافية وأداةً للتفاعل والحيويّة بين الناس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

3- لا يوجد ربط مباشر ووثيق بين الطبع والسلوك السيّئ.

4- لا سلطة للطباع على سلوك الإنسان وتصرّفاته، فهي ليست أمراً إلزاميّاً يجعل من صاحبه مسيّراً بما يعطي سلوكاته سِمة الإجبار وفقد الإرادة.

5- إنّها قابلة للتغيير، وخاصّية الثبات مناطة بطبع الحيوان لا الإنسان، فهناك مثل بلغاريّ شعبيّ يقول: "يستطيع الذئب تغيير جلده لا تغيير طبعه".

•الطباع من حيث التطبيق في الحياة الزوجيّة
هذا من الناحية النظريّة، أما من حيث التطبيق والملاحظة العينيّة، فإنّنا نجد أنّ الطباع تلعب دوراً معاكساً في قضايا الخلافات الاجتماعيّة عامّةً والزوجيّة والأسريّة خاصّةً؛ إذ إنّ أغلب التبريرات التي يلجأ إليها كلٌّ من الزوجين في الأسباب الخلافيّة التي أوصلت الأمور إلى هذا الحدّ، هي أنّ أحدهما يتّصف بطباع محدّدة تمنعه من السيطرة على نفسه، ما يفسد الأمور بمستويات مختلفة بحسب حدّة الموقف أو عدمه.

إنّ ما يزيد الأزمة في التعاطي مع الطباع السيّئة هي المقبوليّة الاجتماعيّة لأصحابها، والتعاطي معهم وكأنّهم مرضى ومرضهم مستعصٍ ولا يمكن السيطرة عليه، وقد تنتهي كلّ النقاشات عند أعتاب الجملة الشهيرة (فلان طبعه هكذا)، وليس هذا التصرّف إلّا تحفيز لارتكاب الأخطاء وتكرارها والتمادي في الظلم والأذيّة والتجاوز، سواء كان واعياً أو لم يكن.

إنّ العبور إلى داخل البيت الزوجيّ ومراقبة أغلب الخلافات التي تحصل بين الزّوجين يُظهران أنّ قدراً كبيراً من المواقف التي يكون فيها اختلاف الرأي بينهما منطلقاً من قناعةٍ راسخةٍ أنّ السبب الرئيس هو اختلاف الطباع، بيدَ أنّ السبب الرئيس هو اختلاف القناعات والرأي المتشكّل بناءً على العديد من العناصر التي أحاطت أو تحيط بالفرد، كالبيئة والتربية والخبرة الشخصيّة والعوامل الوراثيّة وغيرها، في حين أنّ الطبع لا دخل له في القناعة أو التوجّه، فالطبع هو الآلة التي تحمل القناعة والتوجّه أو الرأي وتوصله للآخر. فإن كانت القناعة حقّة أو محقّة، فإنها تشكّل مضمون الموقف أو جوهره، والطبع يلعب دور المظهر في هذه الحالة.

•نصائح للزوجين حول تغيير الطباع
بناءً على ما تقدّم، فإنّ سؤالاً يفرض نفسه: هل يمكن لأحدنا أن يتحكّم بطباعه، أو أن يعمل على تغييرها أو تحسينها؟

الجواب البديهيّ أو المنطقيّ عن هذا السؤال: نعم، يمكن ذلك. فالإنسان عامّةً هو في حالة نموٍّ ونضوجٍ وتطوّرٍ دائم، ومرحلتا البلوغ والرشد في حياته لا تعنيان إغلاق باب تربية النفس ومجاهدتها على ترك ما لا يليق بتوازن شخصيّته والإبقاء على ما هو لائق وحَسَن. ثمّ إنّ السّعي لتعديل ما فسد من الطبع له انعكاسات هامّة جدّاً على النفس والآخرين، ولا سيّما أفراد الأسرة من زوجين وأبناء.

وفي هذا السياق نورد النصائح الآتية:

1- أن لا ينسى الزوجان أنّهما القدوة في حياة أبنائهما، وأنّ السلوك السيّئ الناتج عن الطباع السيّئة تشوّه الصورة المرجو أن تترسّخ في أذهانهم عنهما كقدوة ونموذج يحتذى.

2- أن لا ينسى الزوجان أنّ الحياة المشتركة تحت عنوان "الحياة الزوجيّة" تتطلّب منهما الاستعداد للتخلّي عن كثير من الأفكار والعادات والطباع التي تعزّز الفردانيّة أو تُبقي عليها، بحيث يتحوّل المنزل إلى فندق يضمّ أشخاصاً لا يجمعهم إلّا سقف واحد.

3- أن يؤمن كلّ من الزوجين أنّ الله تعالى قد وهب الإنسان العقل والإرادة وزيّنهما بالوجدان والمواهب العديدة، والتي تعتبر كلّها أدوات التغيير نحو الأفضل.

4- إنّ تغيير الطباع أو تعديلها يحتاج إلى مراقبة النفس ومحاسبتها والصبر على ذلك؛ إذ إنّ العديد من الطباع البشريّة تتأصّل في شخصيّات الأفراد نتيجة نشأتهم في بيئات غير كفوءة تحرّض على السلوك السيّئ، لا بل تعتبره أمراً عاديّاً أو ملزماً لا يمكن التخلّص منه.

•حتّى يغيّروا ما بأنفسهم
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فليس للإنسان حجّة بعدم التغيير الذي لا بدّ من أن يبدأ من ذاته ليمتدّ نور مكارم أخلاقه إلى كلّ من حوله.


(*) مختصّة في التربية الاجتماعيّة.
1.www.almaany.com.
2.أنماط الشخصيّة أسرار وخفايا، ألبرت كارل، ص29.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

ارض الله الواسعة

محمد

2020-12-09 02:05:44

مقال جميل جدا. رحم الله القيمين على نشر النور و المعرفة. دمتم بخير