مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

مصارعُ عشّاقٍ شـهـداء

الشيخ موسى خشّاب

يقاس الحبّ بالتضحية؛ فأن تحبّ يعني أن تكون مضحّياً. ويُعرف مستوى الحبّ من خلال مستوى التضحية في سبيل من نحبّ. وفي اللحظة التي نتوقّف فيها عن التضحية، يتوقّف الحبّ؛ لأنّنا نكون قد اخترنا الأمر الآخر على من نحبّ.

•الحبّ والدين
ليست هذه المقالة مقالة غزليّة أو عاطفيّة، بل هي مقالة تتحدّث عن نظرة دينيّة، باعتبار أنّ الدين هو الحبّ، بل الدين ليس شيئاً آخر سوى الحبّ؛ كما عن الإمام الباقر عليه السلام: "وهل الدين إلّا الحبّ"(1). على هذا الأساس، فإنّ المتديّن هو إنسان محبّ، بل إنّه لن يدخل الجنّة إلّا من أتى الله بقلب سليم لا حقد ولا غلّ فيه، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: 47).

وحيث إنّ الدين لله تعالى، فهذا يعني أنّ الحبّ له أيضاً. والله غيور لا يرضى بشراكة الحبّ؛ ولذلك لم يجعل لنا إلّا قلباً واحداً: ﴿مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: 4)؛ وهو سبحانه يذمّ الذين يحبّون أحداً كمثل حبِّه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ (البقرة: 165)، ويمتدح الذين يحبّونه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ (البقرة: 165).

•المشكلة: تقديم الدنيا على الآخرة
لا شكّ في أنّ الله لا ينفعه حبّ أحد، ولكنّه تعالى يريد منّا أن نعطي لكلّ شيء قيمته، ونحبّ كلّ شيء على قدره، وأن لا نكون كبني إسرائيل حينما فضّلوا تنوّع الأطعمة مع الذلّ، على الطعام الواحد مع العزّ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: 61). وهذه الآية الكريمة تبيّن مشكلة أساسيّة من مشكلات البشر، وهي تقديمهم الأدنى على الأعلى، والفاني على الباقي، والدنيا على الآخرة.

•الحل: الفرائض هي تمارين روحيّة
حتّى يخلّص الله تعالى البشر من هذه المشكلة، وضع لهم برنامجاً تدريبيّاً يتضمّن مجموعة من التمارين الروحيّة، بعضها سنويّ، وبعضها يوميّ، وبعضها يتكرّر مرّات عدّة في اليوم. وهذه التمارين على مراتب، وعلى رأس تلك المراتب الفرائض التي فرضها الله تعالى علينا. ففريضة الصوم تمرين على ترك شهوة البطن والفرج تقرّباً لله تعالى، وفريضة الحجّ تمرين على الهجرة من الوطن تقرّباً لله تعالى، وفريضة الزكاة تمرين على تقديم حبّ الله تعالى على حبّ المال، والتمرين الأكثر أهمّيّة هو حين يرتفع الأذان ويطلب الله منّا أن نترك كلّ شيء ونتوجّه للصلاة، قال تعالى معاتباً: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (الجمعة: 11). والفارق بين هذه التمارين، أنّنا في الصوم والحجّ والزكاة نترك بعض الأشياء دون بعضها الآخر، ولكن في الصلاة نترك كلّ شيء؛ ولذلك كانت الصلاة هي معراج القرب من الله، بل هي معراج الحبّ.

•المرحلة الأصعب
إنّ المرحلة الأهمّ والأصعب تتمثّل في فريضة "الولاية"، والتي على أساسها ينقسم المجتمع إلى موالٍ ومعادٍ، فتتشكّل الجبهات وتبدأ المواجهة وتُبذل الأثمان، وحينها يظهر زيف الكثير من الادّعاءات، كما ظهر زيف عبادة إبليس في اختبار السجود لآدم عليه السلام، الذي لم يكن سجود صلاة وعبادة، بل سجود طاعة وولاية. ويتضمّن اختبار الولاية خمسة اختبارات أو تكاليف يمكن أن نختصرها بثلاثة:

1- الاختبار الأوّل: التولّي والتبرّي؛ أي موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائهم. والتحدّي الأكبر في هذا الاختبار يتمثّل في الإجابة عن السؤال الآتي: هل نحن مستعدّون لمعاداة أعداء الله ولو كانوا أقرباءنا؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ (التوبة: 23).

2- الاختبار الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسؤال هذا الاختبار: هل نحن مستعدّون لأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر الأشخاص الذين تكون مصالحنا بأيديهم؟ عن الإمام الحسين عليه السلام: "ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم"(2).

3- الاختبار الثالث: الجهاد والتحدّي الأكبر في هذا الاختبار يكون بالقتال في سبيل الله تعالى، وتقديم النفس قرباناً في ساحة الجهاد، التي هي ساحة حبّ وعطاء؛ لأنّ الحبّ عطاء، ولكن هل كلّ عطاء حبّ؟

من الواضح أنّه ليس كلّ عطاء حبّاً، فقد يكون العطاء لمصلحة، أو يكون عطاءً قسريّاً دون اختيار، أو يكون عطاءً محدوداً يقف عند حدود معيّنة.

•كربلاء: عطاء الحبّ
إنّ جمال كربلاء يكمن في كونها أعطت النموذج الأرقى لعطاء الحبّ الذي تجلّى بأبهى صوره. وقد حرص الإمام الحسين عليه السلام على أن لا يسمح لغير عطاء الحبّ بالتسلّل إلى كربلاء. وهذه الاستراتيجيّة التي اتّبعها عليه السلام تظهر في كلّ تفصيل منذ بدء المسير وحتّى الشهادة، وقد نجح الإمام الحسين عليه السلام في مقصده، وجعل العطاءَ في كربلاء:

1- عطاءً اختياريّاً: وفي هذا الإطار قام الإمام الحسين عليه السلام بخطوات عدّة، منها: توضيح مجريات الأحداث للناس، ورفع الإحراج، وجعل الجميع في حلّ من بيعته، ففي الطريق إلى كربلاء قرأ كتاباً على الناس: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد؛ فإنّه قد أتانا خبر فظيع، قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منّا ذمام". فتفرّق الناس عنه تفرّقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً، حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه إلى المدينة(3).

وفي كربلاء، يخاطب عليه السلام أهل بيته وأصحابه قائلاً: "هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً. ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يفرج الله، فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري"(4). ويخاطب بني عقيل: "يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم"(5). وقد كان الخيار بيد الإمام الحسين عليه السلام، لكنّه قدّم كلّ شيء باختياره ورفض الخيار الآخر المتمثّل بالذلّة، واختار السلّة عليها، وقال: "هيهات منّا الذلّة".

2- عطاء دون حدود: وهنا نجد أنّ الإمام الحسين عليه السلام رفض العطاء المحدود الذي عرضه عليه بعضهم، وقدّم دون أيّ حدّ:

فبعد أن رفض الحرّ بن يزيد الجعفي نصرته، وقال له: هذا فرسي خذه إليك، فوالله ما ركبته قطّ -وأنا أروم شيئاً- إلّا بلغته، ولا أرادني أحد إلّا نجوت عليه، فدونك فخذه، فأعرض الإمام عليه السلام عنه بوجهه، وقال له: "إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في مالك، وتلا الآية: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: 51)"(6).

من جهةٍ أخرى، نجد أنّ عطاء الكربلائيّين لا حدود له، فلا الجراح توقفهم عن القتال، ولا قطع اليمين، ولا سهم ينبت في العين. وبعد استشهاد الأصحاب والعبّاس والأكبر والقاسم والرضيع وعبد الله نجده عليه السلام يردّد: "هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله"(7). ولم يتوقّف العطاء عند قتل الإمام الحسين عليه السلام، بل استمرّ بعد مقتله الشريف؛ ففي حين يبذل العرب أموالهم وأنفسهم لحفظ نسائهم، نجد أنّ الإمام الحسين عليه السلام بعد أن قدّم نفسه وماله، يقدّم أهله من خلال تعريض نسائه وأخواته وبناته للسبي في سبيل الله.

3- عطاء لا أخذ فيه: لم يأخذ الإمام الحسين عليه السلام أيّ مقابل، وهو الذي كان لا يضمن بقاء ثوبه على جسده الشريف، أو حتّى أن يأتي أحد يواري جسده الشريف بعد شهادته. لقد أعطى كلُّ من في كربلاء دون مقابل، حتّى إنّ العبّاس عليه السلام لم يأخذ بضع قطرات من الماء وقلبه كصالية الجمر ليكون عطاؤه عطاءً لا أخذ فيه.

•كربلاء: عطاءٌ غير محدود
إنّها كربلاء، جوهرةٌ صاغها الإمام الحسين عليه السلام بيديه الشريفتين ونقّاها من كلّ شوب، ورفعها بيده نحو السماء، فأضاءت كالشمس لكلّ المضحّين في سبيل الله تعالى ليقدّموا من دون حدود، ومن دون مقابل، ومن دون جبر أو إكراه.


1.الكافي، الكليني، ج8، ص80.
2.موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام، ص314.
3.مقتل الحسين، أبو مخنف الأزدي، ص79.
4.موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام، ص479.
5.(م.ن)، ص485.
6.الأمالي، الصدوق، ص219.
7.بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص46.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع