مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

رسالة القرآن الكريم‏

آية الله جوادي الآملي‏


إن أفضل معرف لشرح صفات القرآن الكريم هو القرآن نفسه، وإذا كان وصفه في كلمات وأحاديث العترة الطاهرة عليهم السلام مشهوداً فإن هذا يرجع إلى القرآن الحكيم أيضاً. لكن الاستفادة منه على عاتق نظيره وهم الثقل الأصغر الذين هم القرآن الناطق أيضاً، ولا ينفصلون عن القرآن في أيلا مرحلة من مراحل الكمال الوجودي، ولا ينفصل القرآن عنهم في أي مقام من المقامات الوجودية. وإذا كان هناك كمال في القرآن ليس موجوداً عند العترة الطاهرة عليهم اليلام أو كما عندهم وليس موجوداً في القرآن فإن هذا يستلزم محذور انفصال هذين الثقلين، وهذا ما يرده النص المتواتر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بشكل قطعي.

ما هو واقع محل الاهتمام موضوع رسالة القرآن الكريم. أي رسالة ما جعل الإنسان الكامل بحصوله عليه يصل إلى مقام الرسالة العظيم. لأن رسالة كل نبي هي بتلقيه للوحي التشريعي الذي هو منته وجوهر رسالته، ومعرفة رسالة كل نبي مرهونة بمعرفة وحيه التشريعي. لأن نزول أية رسالة يكون على قدر السعة الوجودية لذلك الإنسان الكامل. ومن خلال تفاوت الأنبياء فيما بينهم: ﴿فضلنا بعض النبيين على بعض وتمايزهم عن بعض: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض يمكن الاطلاع على تمايز رسالاتهم. فالرسالات وإن كانت تشترك في الهدف، لكنها تتفاوت فيما بينها في السعة والضيق والعمق والتركيب.
لهذا فإن أكمل الناس هو الذي يتلقى أكثر الرسالات جامعية، وبسبب عمومية رسالته ودوامها فإنه يحمل حتم النبوة معه، ويضع على عاتقه أية الخاتمية هذه وهو يستشعر بثقل حمل مسؤولية ختم آخر رسالة إلى المجتمعات البشرية على طول التاريخ: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً.

فرسالته ليست للحاضر والمستقبل فحسب، بل ينبغي أن تكون ميزاناً قويماً لما جاء به جميع الأنبياء السابقين، وليس هذا في حد التصديق المحص بل في حدود الإشراف والهيمنة والإدارة والحفظ من جميع الجهات لتصون ما بقي بعيداً عن التحريف وإبطال المبطلين، وتبيّن ما علق في الأذهان والعقول محرفاً أو فسر تفسيراً خاطئاً، حتى تحفظ سلسلة الرسالات تحت قيادة سيد القافلة وهو القرآن الكريم. فسلسلة الأنبياء مصونة بتعاليم رائدهم: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه.

إن الدوافع الغائية لكل رسالة تكون بمقدار المرتبة الوجودية لمبدأها الفاعلي وهو المرسِل، وبمقدار وجود مبدأها الصوري أي محتواها وعصارة مضمونها وبسعة مبدأها القابلي أي روح الإنسان الكامل المجردة التي تتقبلها. ورغم أن جميع الرسالات السماوية تتضمن عظمة المبادئ‏ الأربعة، ولكن بعد التحليل النهائي يتضح أنه لا يوجد أي رسالة مثل الرسالة الإلهية الأخيرة، وامتيازها عن جميع سابقاتها يبقى محفوظاً في جميع المبادئ الأربعة.
أما بلحاظ المبدأ الفاعلي فهو وإن كان الله سبحانه مبدأ جميع الرسالات، لكن في كل رسالة فإن الله يظهر بأحد أسمائه الحسنى، ولأن جميع الأسماء ليست متساوية، فإن النتيجة تكون أن المبدأ الفاعلي للرسالات لن يكون متساوياً أيضاً. فالرسالة التي تنشأ من الاسم العظيم لن تكون نظيرة للرسالة التي تنشأ من الاسم الأعظم، فالاسم العظيم ليس في مرتبة الاسم الأعظم. أما بلحاظ المبدأ الصوري، وهو المحتوى للرسالة، فكما مرت الإضارة، فإن مضمون التعاليم التي تنزل من الاسم الأعظم يفوق محتوى التعاليم التي تنشأ من غير الاسم الأعظم. أما بلحاظ المبدأ القابلي وهو روح الإنسان الكامل المرجدة التي هي مهبط الوحي، فإن الرسالة التي يتلقاها أكمل الناس تكون أكمل من أية رسالة أخرى. فالإسلام الأصيل الذي هو دين الله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام، الذي يتلقاه جميع الرسل الإلهيين ويبلغونه لأممهم، لا شك في تفاوت مراتبه في البطون والعمق وعلو الدرجات في "الصعود والرقي".

أما بلحاظ المبدأ الغائي وهو الدافع النهائي والهدف الوجودي للرسالة، فلأنه بمقدار المبادى‏ء السابقة التي هي في أوج الكمال، فالمبدأ الغائي لآخر رسالة يكون في ذروة الكمال، ولن يكون للسالكين الصالحين مقام ميسور أعلى منه، وإلا لم يكن القانون الأخير فسنة الله التي لا تقبل التبديل تقوم على أساس إيصال كل استعداد وقابل إلى فعليته، ولا تسمح بحرمان أي مجتمع مستحق. ومما مر يمكن معرفة سر التعبير الوارد في دعاء اليوم السابع والعشرين من شهر رجب الأصّب يوم البعثة الشريفة لخاتم الأنبياء الإلهيين: "اللهم إني أسألك بالتجلي الأعظم". فالمتكلم وإن كان يتجلى في كلامه كما جاء في نهج البلاغة:" فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا مراده.". لكن جميع التجليات ليست بنفس الدرجة، فأكملها ما نزل على القلب المطهر لأكمل الرسل. ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين.

النقطة التي ينفع ذكرها في هذه المقدمة هي أن المؤمنين وإن كانوا مكلفين بالإيمان بجميع الأنبياء دون تفريق بينهم: ﴿لا نفرق بين أحدٍ من رسله ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بي أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً. لكن عدم التمييز هذا ناظر إلى أصل الرسالة ومتن النبوة ولا يرجع إلى درجتها، وإلا فإنه كما ينبغي أن يؤمن بأصل سمتها يلزم أن يؤمن بالدرجة الخاصة لكل واحدة حتى يمتاز أولو العزم عن غيرهم، ويمتاز خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم عنهم ويتضح من الأفضل، وتظهر بهذه الطريقة مزية الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وآله وسلم بالمقارنة مع الرسالة الأخرى، وتبرز مسؤولية صيانتها وإطاعتها وتعميمها وتعميقها.

إن رسالة هدف القرآن لا تنفصل عن التحقيق في أهداف سائر الكتاب السماوية، فجميعها نزلت لتعليم الإنسان وتزكيته. وموضوعها هداية الإنسان. وحقيقة الإنسان ليست مثل بعض ملائكة نشأة الغيب المجردة التامة، ولا مثل الظواهر الطبيعية المادية الصرفة كالنبات، وليست مجموع المجرد والمادي الذي تكون كثرته حقيقية ووحدته اعتبارية، بل هي وحدة حقيقية واسعة ذات شؤون عديدة، وهي تدير كل تلك الشؤون الإدراكية والتحريكية بذاتها، وقد أودعت في جوهر روحه فطرة التوحيد التي لا تتبدل وجعل وجوده ذا طبيعة سيالة. حيث إن نطاق تربية الوحي الإلهي حقيقة الإنسان، وواقعية الإنسان ما أشير إليه بالإجمال، لهذا فإن دين الله سبحانه الذي هو الإسلام الأصيل لا غير، يظهر في كل عصر بصورة الوحي التشريعي والكتاب السماوي. والخطوط الكلية له والتي تعود إلى الفطرة الثابتة هي الدين حيث لا اختلاف بين الأنبياء في هذا المجال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وإذا شوهد التمايز بينهم فهذا يعود إلى الدقة والعمق والاختلاف الطولي في معارفهم. أما الخطوط الجزئية فيها فإنها ترجع إلى تأمين الاحتياجات المرتبطة بالجانب المتحول للإنسانية والذي أدى إلى إيجاد التحولات المقطعية عبر العصور حيث يذكر هذا الأمر تحت عنوان الشرعة والمنهاج: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. فالدين لتهذيب القسم الثابت في الإنسان، ولا يتطرق إليه النسخ لأن الفطرة الإنسانية التي هي موضوع التربية الدينية لا تتغير: ﴿لا تبديل لخلق الله.

ومن هنا فإن العلاقة ما بين ما جاء به الأنبياء هي مجرد التصديق، ولا يوجد أية عبارة في كلمات النبي اللاحق توحي بنسخ وإبطال وإزالة الدين الساق، وبما أن الشريعة هي لتزكية الجانب المتغير في الإنسان فإنها تقبل النسخ، وقد يحدث النسخ الإلهي في الشريعة الواحدة أحياناً، وإن كان روح هذا النسخ يرجع إلى التخصيص الزماني في مثل هذه الموارد، ومن هنا يعلم سر التعبير بارتباط القرآن بالكتب السماوية المصونة للأنبياء السابقين بقوله تعالى: ﴿مصدقاً لما بين يديه. فعندما يكون الحديث عن الدين وخطوطه العامة يطرح عنوان التصديق دون النسخ وأمثاله، وعندما يكون الحديث عن النسخ ينبغي أن نبحث عن مداره في حدود الخطوط الجزئية بعنوان المنهاج والشريعة.

من خلال تحليل الفرق بين الدين والشريعة، والتحقيق في محيط كل واحد من التصديق والنسخ وإثبات وحدة الدين والتعدد الإجمالي للشرائع يظهر سر تمايز منطقة التصديق من محور المحو والنسخ، ويتضح لزوم الالتفات إلى أهداف الأنبياء السابقين وأغراض الكتب السماوية للسلف في تبيين هدف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وغرض القرآن الكريم، ويظهر سر خاتمية نبوة النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الله سبحانه في علمه الكامل بالنصاب النهائي لرشد الإنسان: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير قد أنزل القوانين الكلية والقواعد الأصولية التي تنبع منها الفروع الكثيرة، وعلّم كيفية الاجتهاد، وأوجب على من لديه القدرة على الاستنباط سلوك سبيله حيث يستظهر الحكم الإلهي من متون المنابع بالاطلاع الكامل على حدود موضوعه وشروطه بدون هجوم لوابس الزمان والمكان. وكما أن سورة التوحيد وأوائل سورة الحديد قد نزلت للمتعمقين في آخر الزمان ليستفيدوا من الفيض الزلال لنعمة الوحي، كذلك أرسل أصولاً جامعة لتفهيم محتاجي المسائل الفقهية حتى لا يبقى المستنبطون عبر التاريخ محرومين من الكتاب والعترة ليديروا النظام الاجتماعي في ظل الأحكام الإسلامية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع