مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: الوعدُ الإلهيّ  أخلاقنا: النسل الصالح: رعاية وصيانة أمّهات مفقودي الأثر: عيدنــــا بعودتكم (1) الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*) احذر عدوك: العدوّ والفضاء الافتراضيّ(1)  اللقاح لا يغني عن الكمامة السيّاح الإسرائيليّون يفعلونها مجدّداً تطبيق "معاً" لتتبّع المخالطين 

قواعد بناء أسرة سعيدة ومجاهدة..

ثانياً: اختيار الشريك‏

أميرة برغل‏(*)


بيّنا، في مقالة العدد السابق، أهمية بناء أسرة سعيدة ومجاهدة من أجل تشكيل مجتمع قوي متماسك ومستقر. كما أشرنا إلى أن بناء أسرة سعيدة ومجاهدة يرتكز على قواعد تتعلق بأهداف الشريكين وخياراتهما وطريقة تعاملهما وأسلوب تربيتهما للأولاد. وحيث أننا قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن القواعد التي تتعلق بالأهداف، وخلصنا إلى أن بناء أسرة سعيدة ومجاهدة يتطلب من مؤسسيها:
1- عدم الاكتفاء بالأهداف الغرائزية المتعلقة بالجنس والإنجاب بل الانطلاق، في الرغبة بالزواج، من أهداف أسمى تتعلق بالمشروع الإلهي واستمرار الحياة بصورتها الفضلى.
2- توافق الشريكين على هذه الأهداف منذ بداية تأسيس الأسرة.

سوف نتطرق، في هذه المقالة، إلى قواعد بناء أسرة سعيدة ومجاهدة على صعيد اختيار الشريك. فما هي هذه القواعد؟ وما هي أهميتها على صعيد تفاصيل حياة الشريكين فيما بعد؟ الحياة سلسلة متصلة من المواقف. وكل موقف هو اختيار بحد ذاته. وأول الاختيارات في الأسرة هو نفس اختيار الشريك. فهل اختيار من يريد تأسيس أسرة سعيدة ومجاهدة في آن لشريك حياته يختلف عن غيره من الراغبين في الزواج أم لا؟ بالطبع نعم؛ إذ أن كل اختيار مرتبط بالهدف منه. فمن أراد بناء أسرة للمساهمة في تشييد مجتمع موحِّد وإقامة دولة العدل الإلهية، سيختلف، بلا شك، في طريقة اختياره للشريك عمّن يهدف إلى تلبية غرائزه الخاصة فحسب. وذلك لأن من يحدد لزواجه أهدافاً مسبقة لا يمكن أن يرتكز في اختياره على مجرد لقاء عابر حدث صدفة أو في جلسة سمر أو ما يسمى بالحب من أول نظرة والذي غالباً ما يتأتى من الانجذاب إلى جمال الوجه أو الجسد أو خفة الظل أو ما شابه... بل سيختار شريكه انطلاقاً من التعرف على ذاته المعنوية والثقافية والأخلاقية وهو أمر يتطلب تفحصاً وسؤالاً ونقاشاً واطلاعاً على ماضي الشريك وحاضره واهتماماته ومستوى نضجه ورؤاه المستقبلية أيضاً. وصحيح أنه قد يقترن أحياناً الجمال الخارجي بجمال داخلي، ولكنهما غالباً ما يفترقان، والهادف لبناء أسرة سعيدة ومجاهدة يقدم الجمال المعنوي على جمال الشكل. وقد يعتقد البعض أن ذلك أمر خيالي وصعب "فإن اللَّه جميل ويحب الجمال" كما يقول البعض، ولكن أي جمال؟! فمن يحمل في داخله أهدافاً إنسانية عليا يرَ الوجود بعينين مختلفتين، يرَ الجمال الحقيقي في كل ما هو متصل بالجمال الإلهي، جمال الأسماء الحسنى، بل ويأنس به دون سواه. وهو ما نستطيع أن نستشفه بوضوح من حديث الرسول صلى الله عليه وآله الذي يحذر فيه الشباب بقوله: "إياكم وخضراء الدمن"، قيل: وما خضراء الدمن يا رسول اللَّه؟ قال صلى الله عليه وآله: "المرأة الحسناء في منبت السوء". وكما الجمال الخارجي يأتي حكم الجاه والمال... فمن يريد تأسيس أسرة سعيدة ومجاهدة لا ينطلق في اختياره للشريك على أساس ما يملك من مال وجاه أو مكانة اجتماعية مزيفة، بل ينظر إلى قيمة ذات الشريك في منأى عن الاعتبارات المادية أو المعنوية المفاضة عليه من الخارج. وهو ما ألفت إليه الرسول صلى الله عليه وآله في أحاديث عدة، نذكر منها: ﴿لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولَأَمَة سوداء ذات دين أفضل..." وهو ما يؤكده اللَّه تعالى في الآية 221 من سورة البقرة "ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم.

وفي هذا الإطار تندرج خيارات الأنبياء والصالحين:
فهذه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تنتخب محمد بن عبد اللَّه زوجاً، وهو الشاب اليتيم الفقير، وتزهد فيمن دونه من أغنياء القوم وزعمائهم، مرتكزة في اختيارها على ما توسمته فيه من سمو الأهداف وعلو المقاصد. وهذه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ترفض الزواج ممن يملكون وهْبَها صِداقاً يساوي مئات الجمال وتقبل بعلي عليه السلام ذي الأهداف السامية، بالرغم من عدم ملكيته إلاّ لورعه ثمناً لصداقها وأثاث منزلها. وهذا علي بن أبي طالب عليه السلام لا يسعى في زواجه، بعد وفاة فاطمة عليها السلام من الاقتران بامرأة جميلة أو ذات حسب وجاه بل يبحث عن امرأة تنتمي إلى قوم مشهورين بالإباء والكرم والشجاعة لتنجب له ولداً يكون نصيراً لأخيه الحسين عليه السلام في معركته التاريخية ضد الباطل. وتجدر الإشارة إلى أن لقواعد اختيار الشريك هذه أهمية خاصة، إذ ستترتب عليها آثار أخرى كثيرة. فبعد اختيار الشريك، سوف تكر سبحة الاختيارات، بدءاً من الصداق (المهر) وهدية العروس (العلامة) إلى حفل الزفاف والدعوات والضيافة ثم التهاني ومكان السكن وحجمه وأثاثه... سلسلة طويلة من الخيارات قد يتفق عليها الشريكان وقد يختلفان. والعمدة، بلا شك، في اتفاقهما هو مقدار تلاقي نظرتهما إلى الحياة والهدف منها. إذا ليس خفياً على أحد أن السبب الرئيس الذي يُفسد سعادة الأسرة هو اختلاف وجهات نظر الشريكين حول ما يعتقده كلٌ منهما خياراً أنسب لراحته وسعادته. وعليه، فإن الشريكين، اللذين يعملان لأهداف واحدة تتعلق بمصلحة أعلى وأسمى من مصالحهما الشخصية، وحدهما يستطيعان أن يجاهدا نفسيهما ويقتربا في خياراتهما ويعيشان في جو من الأنس والود والتراحم. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24) إشارة واضحة إلى الأسباب التي تؤدي إلى التناحر بين الناس وكيفية تجنبها وما يصدق في الحياة عامة يصدق داخل الأسرة. بالإضافة إلى الخيارات المتعلقة بمقدمات الزواج ومستلزماته هناك خيارات أخرى، قد تكون أصعب وأدق، تتعلق بالمواقف والأعمال. أيكمل أحد الشريكين أو كلاهما تحصيله الدراسي بعد الزواج أم لا؟ أيعمل الزوج في هذه المؤسسة أو تلك؟ هل تعمل الزوجة أو لا تعمل؟ هل تتطوع في قسم من وقتها لبعض الأعمال الاجتماعية أو الدينية أو الإنسانية أم تكرس وقتها بالكلية للمنزل؟

سلسلة أخرى من الخيارات قد تشكل مصدر تهديد مهم لاستقرار الأسرة وسعادة الشريكين في حال تباينت وجهات نظرهما حولها وانطلق كلٌ منهما في قراره بدافع من "تحقيق ذاته" كما أصبح متداولاً. وحيث أن الرغبة في تحقيق الذات مسألة فطرية وحاجة لا تتحصل سعادة الفرد بدونها ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات: 8) وحيث أن سعادة الأسرة لا تتم إلا إذا كان كل فرد فيها يشعر بأنها مصدر لسعادته وتحقيق ذاته. فلا بد إذاً أن تكون أهداف الشريكين العليا واحدة وسامية، الأمر الذي يمكنهما من اتخاذ الخيار الذي وإن تضارب مع رغبة محدودة في تحقيق الذات يرضي طموحهما في تحقيق ذات أسمى وأكبر "ورضوان من اللَّه أكبر". والمرجعية هنا في تحديد الخيار الأنسب لمصلحة الرسالة هو اللَّه ورسوله وأولو الأمر المعنيون بقيادة الأمة وتبيان الأحكام ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء: 65).

وهكذا نستطيع أن نخلص مما تقدم إلى أن بناء أسرة سعيدة ومجاهدة يقتضي من كلا الشريكين الالتزام بالقواعد التالية:
1- تقديم المواصفات المعنوية على المواصفات المادية على صعيد اختيار الشريك.
2- عدم الخضوع للاعتبارات الاجتماعية الخاطئة في مجال الخيارات المتعلقة بمقدمات الزواج وأساليب العيش.
3- تقديم المصلحة الرسالية على المصالح الشخصية في مجال الخيارات المتعلقة بالمواقف والأعمال.

إن الانطلاق من أهداف عليا في مشروع الزواج والالتزام بالخيارات التي تنسجم مع هذه الأهداف سيحمل شبابنا وشاباتنا على التنافس في سبيل بناء ذواتهم المعنوية لا التنافس في امتلاك مواصفات مادية أو اعتبارية زائفة وفي ذلك وحده ضمانة كبيرة لسعادة الأسرة وحصانة المجتمع وتقدمه. إلاّ أن الانطلاق من أهداف عليا سيفرض على كلا الزوجين أسلوباً مميزاً في التعامل فيما بينهما، نتطرق إليه، بعونه تعالى، في المقالة التالية.

(*) باحثة في التربية الإسلامية

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع