مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

أهل البيت عليهم السلام قدوةٌ في خدمة الناس

الدكتور مصطفى زين

 



الخدمة هي مساعدة تطوعية تنبع من نفس الإنسان لتلبية احتياجات الآخرين المادية (كبذل المال وإطعام الطعام وغيرهما)، والمعنوية (كالهداية، نصرة المظلوم، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين وغيرها). فإذا لاحظنا حياة الأنبياء، وجدنا أن محبة الناس وخدمتهم هي من صميم رسالتهم ومهماتهم في الحياة، وكما كان الأنبياء كان أهل البيت (عليهم السلام).

ـ صور من عطاءاتهم عليهم السلام
ومن هنا، جاءت كلماتهم وأحاديثهم لتؤكد سيرتهم وتقوم جميعاً بدفع الناس نحو الإحسان والتعاون على الخير ورفع البؤس عن المستضعفين، فها هو التاريخ يروي لنا أن بيوت المدينة كانت تعيش من صدقات علي بن الحسين عليه السلام ولا تدري من أين تعيش، فلما مات علي بن الحسين زين العابدين فقدوا من كان يأتيهم، فعلموا بأنه هو الذي كان يعيلهم، فقالوا: "فقدنا صدقة السر مذ فقدنا علي بن الحسين زين العابدين"(1). ليس ذلك فحسب، وإنما كان أهل البيت عليهم السلام يحافظون على شخصية الطرف الآخر ومشاعره الإنسانية حتى لا يشعر بالضعة والضعف.

يروي المحدثون: أن الحسن بن علي عليه السلام أتاه رجل في حاجة فقال له: "أكتب حاجتك في رقعة وارفعها"(2) (وذلك حتى لا يريق ماء وجه الرجل). وينقل لنا المؤرخون عن الحسين بن علي الشهيد عليه السلام أنه وجد على كاهله الشريف بعد وقعة الطف أثر بليغ كأنه جرح عدة صوارم متقاربة، وحيث عرف الشاهدون أنه ليس من أثر جرح عادي، سألوا السجاد عليه السلام عن ذلك، فقال: "هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين"(3). في مفهوم أهل البيت عليهم السلام (إن رأس الإيمان هو الإحسان إلى الناس). وعندهم أن حق الناس مقدم على حق الله، يقول الإمام علي عليه السلام: "جعل الله سبحانه حقوق عباده مقدمة على حقوقه، فمن قام بحقوق عباد الله، كان ذلك مؤدياً إلى القيام بحقوق الله"(4).

وعن صادق أهل البيت عليه السلام: "إن الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة"(5). وقال في حديث آخر: "لئن أسعى مع أخٍ لي في حاجة حتى تقضى أحب إليّ من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل على ألف فارس في سبيل الله مسرجة ملجمة"(6) ويقول في حديث آخر عميق الدلالة ويفيض بالمعاني السامية: "إني لأسارع إلى حاجة عدوي خوفاً أن أرده فيستغني عني"(7). ولم يكتفِ أهل البيت عليهم السلام بنشر المفاهيم وإطلاق الأقوال، بل قرنوها بالوقائع والأفعال، فعلى سبيل الاستشهاد نجد أن أمير المؤمنين عليه السلام أعتق ألف مملوك من كدِّ يده(8). وبلغ من حبه لقضاء حوائج الناس أنه تصدق بخاتمه وهو في أثناء الصلاة! فنزل فيه قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُون (المائدة: 55) تثميناً لهذا الموقف النبيل الذي يهتف بضرورة قضاء حوائج الناس في كافة الحالات حتى في الصلاة.

 ويضرب ابنه الحسن عليه السلام المثل الأعلى في الكرم والسخاء، حتى أنه قد خرج من ماله مرتين، وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات(9)، وعنده "إن المعروف ما كان ابتداءً من غير مسألة، فأما من أعطيته بعد مسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه". أما الإمام السجاد عليه السلام، فقد واصل مسيرة العطاء، وكان إذا أتاه السائل يقول: مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة!. يروي الصدوق في الخصال أنه كان يخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب، حتى يأتي باباً فيقرعه ثم يناول من يخرج إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه، فلما توفي فقدوا ذلك فعلموا أنه كان علي بن الحسين(10).

 وقد سار بقية الأئمة عليهم السلام على هذا النهج، ينقل مؤلف (عمدة الطالب) أن الإمام الكاظم عليه السلام كان عظيم الفضل، واسع العطاء، وكان يُضرب المثل بصرار موسى!… حتى أن أهله يقولون: عجباً لمن جاءته صرة موسى فشكى القلة(11)، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل فيحمل إليهم (الزبيل) فيه العين والورق والأدقة والتمور، فيوصل إليهم ولا يعلمون من أي جهة هو. وينقل المؤرخون وأصحاب المناقب عنه اتباعه لأسلوب عجيب في التعامل مع من يسيئون إليه، وكان إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرة دنانير!!.

 أما عطاء ولده الرضا عليه السلام فحدث ولا حرج، ويكفي أنه قد فرق بخراسان ماله كله في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: إن هذا لمغرم، فقال: "بل هو مغنم، لا تعدّنّ مغرماً ما ابتعت به أجراً وكرماً"(12). وينقل أنه مر رجل بأبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أعطني على قدر مروءتك قال: لا يسعني ذلك، فقال الرجل: على قدر مروءتي قال: أما هذا فنعم(13). هكذا كان أهل البيت عليهم السلام قمماً سامقة في العطاء وقضاء حوائج الناس، كانت أبوابهم مفتحة للسائلين، يتوافد على موائدهم المحرومون، يغرف من بحر جودهم البائس والفقير، وهم مع ذلك لا يسألون الناس إلحافاً ولا تحل عليهم الصدقة، ولا يعتدون على حقوق الآخرين ولو بمقدار نملة يسلبونها جلب شعيرة كما يقول الإمام علي عليه السلام: وكان من جراء ذلك أن التفت حولهم الأمة، فغدت تدين لهم بالولاء والطاعة وتفديهم بالنفس وتضع بين أيديهم مقاليد الأمور.

* طريق إلى الله تعالى:
للخدمة فوائد عديدة: تنمية روح الحب، المشاركة، العطاء، التضحية، رفض الذات والأنانية، التقرب من الله تعالى، فالطرق المؤدية للقرب إلى الله تعالى كثيرة "بعدد أنفاس الخلائق" ومنها خدمة الناس وقضاء حوائجهم: عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: "قال الله عزَّ وجلَّ: الخلق عيالي فأحبهم إليّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم"(14).

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإن للجنة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا، فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكّل اللَّه به ملكين، واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته"(15). وجاء عن مولانا الصادق عليه السلام: "من قضى لأخيه المسلم حاجة كان كمن خدم اللَّه تعالى عمره"(16). ويحدثنا مولانا الباقر عليه السلام عن مدى حبّه وتفضيله لخدمة المحرومين، حيث يقول: لئن أعول أهل بيت من المسلمين، أسدّ جوعتهم وأكسو عورتهم، فأكف وجوههم عن الناس، أحب إليّ من أن أحج حجة وحجة ومثلها ومثلها حتى بلغ عشراً، ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين(17). 

وروي عن مولانا الكاظم عليه السلام أنه قال: "إن للَّه عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة"(18). ونلاحظ هنا أن هذا الأثر الأخروي مترتب على السعي حتى وإن لم تُقضَ الحاجة، فلو بذل الإنسان وسعه وسعى ليقضي حاجة أخيه فلم يوفّق كان له هذا الأثر، فكيف لو قضيت؟ وكذلك يشير هذا الحديث الشريف إلى مسألة طلب وجه اللَّه تعالى بذلك لا طلب وجه الناس والدنيا.  يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كما روي عنه: "من سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنما عبد اللَّه تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره، قائماً ليله"(19). 

وإذا كانت السيرة وكتب التاريخ قد حوت الكثير الكثير من القصص والشواهد على مدى رعاية أهل البيت عليهم السلام واهتمامهم شخصياً بالمستضعفين فإن القرآن الكريم قد تضمن بين دفتيه سورة كاملة هي سورة (الإنسان) - ولك عزيزي القارئ أن تتدبر في مغزى التسمية - حيث رسمت لنا أفضل صور العطف والحب والإيثار يوم أن تصدق أصحاب الكساء عليهم السلام وهم صائمون، على المسكين واليتيم والأسير، على مدى ثلاث ليال متواليات لم يتجرع أهل الكساء خلالها غير الماء. ما ذكرنا من نماذج وصور الاهتمام الشخصي بالمستضعفين في المجتمع من قبل أهل البيت عليهم السلام يمثل في الحقيقة التطبيق الحي لتعاليم الإسلام وتشريعاته.. وإذا كان القرآن الكريم يسجل مواقف الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ويشخصها في أخلاقهم تجاه الناس فلكي يقتدي الناس بها عبر الزمن وفي كل العصور والأمكنة.


(1)بحار الأنوار، ج46، ص 89.
(2)صلح الحسن، السيد عبد الحسين شرف الدين، ص 28.
(3)مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج 3، ص 222.
(4)ميزان الحكمة، الشيخ الريشهري، ج 1، ص 622.
(5)أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج1، ص674.
(6)بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 71، ص 316.
(7)بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 75، ص 207.
(8)التهذيب للشيخ الطوسي، ج2، ص 326.
(9)إحقاق الحق للتستري، ج19، ص322.
(10)الخصال، الشيخ الصدوق، ص 517 .
(11)عمدة الطالب، ابن عنبة، ص 196.
(12)أعيان الشيعة، ج 2، ص 15.
(13)نفس المصدر.
(14)وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج 16، ص 367.
(15)بحار الأنوار، ج 71، ص 328.
(16)الرسالة السعدية، العلامة الحلي، ص 162.
(17)الكافي، الشبخ الكليني، ج 4، ص 2.
(18)وسائل الشيعة، الحر العاملي ج 16، ص 366.
(19)من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج2، ص 190.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

اليمن

771181142

2019-09-22 21:39:59

مجلة بقية الله من اروع ما اشاهد هي برامجكم وصوركم وموضيعكم