مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

مراتب الإمامة

آية الله الشهيد مرتضى المطهري

إن قضية الإمامة تحوز على أهمية فائقة عندنا نحن الشيعة، بخلاف سائر الفرق الإسلامية الأخرى التي لم توليها اهتماماً مميزاً. وسبب ذلك أن مفهوم الإمامة عند الشيعة يختلف عن المفاهيم الأخرى للإمامة عند بقية الفرق والمذاهب. وبالطبع يوجد جهات اشتراك، ولكن نقاط الاختصاص عند الشيعة هي التي جعلت من هذه المسألة قضية مهمة جداً. فنحن عندما نريد أن نعد أصول الدين طبق مذهبنا نقول أنها: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد. فتعتبر الإمامة أحد أصولاً لدين. أما السّنة فإنهم يؤمنون بشكل من أشكال الإمامة ولا ينكرونها مطلقاً، ولكن هذا الشكل يجعل الإمامة عندهم من فروع الدين لا أصوله.
ما هو السبب الذي دعى الشيعة للاعتقاد بالإمامة كأحد أصول الدين بينما جعلها السنة من فروعها؟
السبب كما ذكرنا أن مفهوم الإمامة عند الشيعة يختلف عن مفهومها المطروح من قبل السنة.

* معنى الإمام

إن معنى الإمام بحد ذاته ليس له قداسة خاصة. فالإمام هو الذي يتقدم القوم (يؤمهم) ويقودهم سواء كان عادلاً أم فاسقاً. ولذلك نجد القرآن الكريم يستعمل هذه الكلمة في الموردين:
ففي آية يقول: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا (الأنبياء/73).
وبالنسبة لمعنى الإمام. فإن السنة يؤمنون بضرورته في بعض الموارد ولكنهم يختلفون معنا في شخصه. وفي موارد أخرى ينكرونه قلباً وقالباً.
أما الإمامة التي يؤمنون بها فهي الزعامة والرئاسة التي وردت في كتب المتكلمين. فالطوسي في كتابه "تجريد الاعتقاد" يعرف الإمامة بأنها رئاسة عامة.

* شؤون الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
لقد كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بحكم الشؤون والأبعاد المختلفة للإسلام شؤون متعددة. ففي نفس الوقت كان يمارس الأعمال والوظائف المختلفة.
1- فأول الوظائف والمهمات تبليغ رسالة الله وأحكامه: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.

2- المهمة الأخرى هي القضاء والفصل. لأن القضاء في الفكر الإسلامي ليس أمراً اعتباطياً يتدخل فيه من يشاء، وإنما هو منصب إلهي. وقد أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً (النساء/65).

3- المنصب الآخر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتولاه هو:
الرئاسة العامة. فهو حاكم المجتمع الإسلامي وسائسه وقد قيل أن الآية: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ناظرة إلى هذا المنصب.

* الإمامة بمعنى الرئاسة العامة
عندما ارتحل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى بقي منصب من مناصبه بدون مسؤول. وهو الرئاسة العامة والحكومة. ولا يوجد عند أحد ما أدنى شك في حاجة المجتمع الإنساني إلى قائد ومدير.

فمن يكون هذا القائد بعد النبي؟
فبالنسبة للمسألة الأولى لم يختلف الشيعة والسنة في أهميتها وضرورتها. ولهذا طرحت مسألة الخلافة في الأوساط. ولكن الشيعة تقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عين خليفته من بعده وهو علي عليه السلام. أما السّنة، فمع قبولهم لأصل الخلافة، لم يوافقوا على الكلام الثاني وقالوا إن النبي قد ترك هذا الأمر للمسلمين أنفسهم.
فإذا كانت الإمامة تقف عند هذا الحد (القيادة السياسية) لكان من المفترض أن نجعلها (نحن الشيعة) من فروع الدين لا أصوله.
ولقلنا أنها مسألة فرعية كالصلاة. ولكن الشيعة لا يقفون عند هذا المفهوم المختص بعليّ عليه السلام في أحقيته وأفضليته وأعلميته وتعيينه من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إنما يوجد هنا مفهومان آخران لا يعتقد السنة بوجودهما أو اختصاصهما بأحد أبداً:

* الإمامة بمعنى المرجعية الدينية
قلنا إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المبلغ للوحي الإلهي. وعندما يريد الناس أن يتعرفوا على الإسلام وأحكمها عليهم أن يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فالشيء الذي لا يكون في القرآن يسألون عنه النبي.
إن للإمامة ثلاث مراتب فإذا لم نفرق بينها لا يمكننا أن نتجنب الوقوع في الإشكالات.
وهنا يطرح هذا السؤال، وهو: هل أن كل ما كان الإسلام يريد أن يبينه للناس من الأحكام والمعارف والتعاليم قد ورد في القرآن وجاء به النبي؟ أم أن الظروف الزمنية لم تسمح للنبي أن يبينها لجميع المسلمين؟

وكان علي بن أبي طالب عليه السلام وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد تلقى منه كل تعاليم الإسلام فعرّفه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم كإنسان معصوم. ورغم أنه لا يوحى إليه، فهو لا يقول خطأ ولا اشتباهاً. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ارجعوا من بعدي إلى وصيي.
هنا تكون الإمامة نوعاً من التخصص والمعرفة بالإسلام. ولكن هذه المعرفة أعلى بكثير من معرفة المجتهد. لأنها من لدن الله. والأئمة عليهم السلام هم العلماء بالإسلام: ليس عن طريق التحليل والرؤية الخاصة التي يمكن أن يتطرق إليها الخطأ أو النسيان. فتعلموا علومهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريق غيبي مجهول لدينا.
ولم يقل السنة بمثل هذا المقام لأحد على الإطلاق ولهذا فهم منكرون للإمامة بهذا المفهوم. ونجد في كتبهم عشرات الروايات التي تبين أخطاء أبي بكر وعمر في المسائل الدينية. أما الشيعة فهم يعتقدون بعصمة أئمتهم وعدم صدور الباطل منهم.

وطبيعة هذا البحث تعود إلى الوحي. فنحن لا نقول إن الله يوحي للأئمة عليهم السلام. فالإسلام يبينه النبي فقط. وكل ما كان ينبغي أن يوحى إليه قد تم. ولم يبق شيء مستور أو أغفل عنه. ولكن، هل أن كل التعاليم قد وصلت إلى عموم الناس؟
يقول السنة أن الإسلام هو ما بينه النبي لأصحابه وفقط. فإذا صادفنا مسألة لم يحدث فيها الصحابةُ ماذا نفعل؟ هنا أدخلوا عملية القياس. وقالوا إننا نكملها من خلال قياسها بالأحكام الأخرى. وهنا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "هل أن الله أرسل ديناً ناقصاً لتكملوه؟!".
فالشيعة تقول إن الله قد أكمل وحي الإسلام، والنبي قد أكمل تبليغه ولكن كل ما بلغه النبي لم يصل إلى عموم الناس (فالكثير من التعاليم لم تكن مطروحة في زمن النبي، وقد برزت فيما بعد وقد قام الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله بتعليم تلميذ خاص له وأمره بإمامة الناس).

وهنا تأتي مسألة العصمة. حيث تقول الشيعة مثلما جاء في النبوة بضرورة عصمة النبي في القول والفعل وبضرورة عصمة الإمام أيضاً وكما أن النبي مؤيد بنوع من التأييد الإلهي كذلك تلميذه الخاص... وهذه مرتبة أُخرى للإمامة.

* الإمامة بمعنى الولاية

للإمامة درجة ومرتبة ثالثة، هي القمة لهذا المفهوم. وتمتلئ الكتب الشيعية بالحديث عن هذا المقام وهو النقطة المشتركة بين التشيع والتصوف. وعندما نقول نقطة اشتراك لا ينبغي أن نقع في الخطأ وسوء الفهم. لأنكم قد تصادفون بع المستشرقين الذين يطرحون المسألة بهذا الشك. وأذكر قبل حوالي عشرين سنة أن "كوربن" التقى بالعلامة الطباطبائي وسأله: هل أن الشيعة قد أخذوا هذه المسألة من الصوفيين أم العكس؟
فقال العلامة أن الصوفيين قد أخذوها من الشيعة. لأن هذه الفكرة كانت موجودة في الفكر الشيعي في الوقت الذي سبق ظهور التصوف بعشرات السنين.
وهذه المسألة هي قضية الإنسان الكامل.
وبتعبير آخر: حجة العصر.

ويعتمد العرفاء والصوفيون على هذا الأصل كثيراً. ويقولون أن كل عصر ينبغي أن يوجد فيه إنسان كامل حامل لكل مراتب المعنويات الإنسانية. ويعبرون عنه "بالقطب". وله مقامات قد نجدها الآن بعيدة جداً عن أذهاننا. منها مثلاً معرفته لما في الضمائر، وهو روح كلي محيط بكل الأرواح.
وقضية الولاية عند الشيعة تطرح بهذا المعنى العميق، بمعنى حجة العصر الذي لا يخلو منه أي زمان؛ "ولولا الحجة لساخت الأرض بأهلها" فالأرض لا تخلو من إنسان كامل أبداً. ولهذا الإنسان مقامات كثيرة، نحن نتلوها في أغلب الزيارات المعروفة، ونقر بها ونعترف. نقول:
"أشهد أنك تشهد مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلامي"، (ولا يختلف هذا الأمر سواء كان متوفى أم حياً). ويقول السنة بهذا المقام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (إلا الوهابيون). ولكن هذا الاعتقاد يعد عند الشيعة أحد أصول المذهب.

لهذا فإنّ للإمامة مراتب ثلاث. فإذا لم نفصل بينها لا يمكننا أن نتجنب الوقوع في الإشكالات حين الاستدلال. ولهذا أيضاً يوجد للتشيع مراتب.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع