مع الإمام الخامنئي | الحجّ: لقاءٌ وارتقاء* نور روح الله | الإمام عليّ عليه السلام الحاكم العادل* فقه الولي | فقه الرياضة (2) أخلاقنا | أين الله في حياتك؟* لماذا غاب الإمام عجل الله تعالى فرجه حتّى الآن؟ (1)* مجتمع | أب الشهيد: ربّيته فسبقني إلى الشهـادة صحة وحياة | كي لا يقع أبناؤنا ضحيّة المخدّرات تاريخ الشيعة | بيروت والجنوب في مواجهة الصليبيّين أذكار للتخلّص من الهمّ والضيق مناسبة | من أرض مكّة دحاها

صفات عباد الرحمن (6): يجتنبون الشرك والمعاصي

آية الله الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي

 


تتمحور الآيات الأخيرة من سورة الفرقان حول عباد الرحمن، حيث أشرنا فيما مضى إلى خمس صفات لهؤلاء العباد. من الواضح أن الآيات الشريفة ليست في مقام حصر هذه الصفات، بل اختيارها وذكرها بمقتضى المقام. طبعاً من غير الواضح لنا سبب اختيار هذه الصفات على وجه الخصوص.

* مجمل الصفات الإيجابية
أما الصفة الأولى، فهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (الفرقان: 63). فأشرنا إلى أن الظّاهر من الآية الشّريفة أنّها تبيّن روح التواضع عند عباد الرحمن.
الصفة الثانية، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وفيها إشارة إلى حلمهم وصبرهم أيضاً، عندما يواجه هؤلاء الأشخاص الجاهلين لا يرتبكون ولا ينفعلون، بل يُظهرون ما عندهم من حلم وصبر.
الصفة الثالثة، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (الفرقان: 64) فعباد الرحمن عابدون لله، يشتغلون بعبادته جزءاً كبيراً من الليل.
الصفة الرابعة، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (الفرقان:65). فهم يطلبون من الله ويدعونه ليبعد عنهم ما يؤدّي إلى عذابهم وشقائهم.
الصفة الخامسة، وهي الصفة الإيجابية الأخيرة لعباد الرحمن حيث يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (الفرقان: 67) فتوضح الآية الشريفة مسألة الاعتدال في المصرف. فالإنسان ينبغي أن يكون معتدلاً في كل شيء. وهذه الصفات التي ينبغي التحلّي بها هي صفات عباد الرحمن الإيجابية.

* صفات عباد الرحمن السلبية
أما صفات عباد الرحمن السلبية أي الصفات التي يجب ألّا يتّصف بها عباد الله والمؤمنون، فهي عبارة عن الموبقات والكبائر من الذنوب.

* اجتناب الشرك
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (الفرقان : 68). الصفة الأولى هي الشرك. وإن العنصر الأهم في تعاليم كافة الأنبياء عليهم السلام هو محاربة الشرك والدعوة إلى التوحيد: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ (النحل: 36). ثم إن القرآن الكريم تحدث فيما يتعلق بهذه المسألة الهامة عن أشخاص هم ليسوا من الأنبياء كلقمان عليه السلام الذي تحدث مع ولده داعياً إياه إلى نبذ الشرك: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: 13). إذاً الأمر الأول الذي يجب اجتنابه هو الشرك.

* مراتب الشرك
قد يكون الشرك في الاعتقاد حيث يتصوّر الشخص أن خالق العالم اثنان وليس واحداً. والآيات الشريفة المتقدمة لا تتحدث حول هذا الشرك، بل تشير إلى الشرك في العمل أي الشرك في العبادة، والشرك في السلوك.
قد يكون الشّخص موحّداً من حيث الاعتقاد إلّا أنّه مشرك في العمل بسبب الشّبهات والعادات أو الظروف الاجتماعية الخاصة. ولهذا النوع من الشرك مراتب أيضاً، من جملتها أن يعبد معبوداً آخر. ويأتي بعد ذلك الرياء في العبادة والذي هو مرتبة أخرى من الشرك، أو أن يعتمد في حياته على الآخرين ويعلّق عليهم الآمال بدل أن يطلب حوائجه من الله تعالى. 

 تصادفنا في حياتنا اليومية احتياجات متعددة، سواء كانت طبيعية أم نفسية، وعندما نشعر بها نسارع إلى وسائل وأدوات إيجادها ولكننا قلما نتوجه إلى الله تعالى. طبعاً هذا لا يعني أن لا يستعين الإنسان بالأدوات والوسائل وأن يجلس للدعاء فقط ويطلب من الله تعالى تأمين حاجاته. لا، هذا مخالف للحكمة الإلهية. والصحيح أن الله تعالى خلق العالم لتجري الاستفادة من أسبابه، لا بل هناك الكثير من الحكم في الاستفادة من الوسائط والأسباب. ولكن الكلام في مكان توجه القلب، فأين يكون الاعتماد؟ وإلى أي مكان يتوجه؟ فإذا توجهنا في جميع الأمور إلى الله تعالى نكون من الموحدين وإلا فنحن مبتلون بنوع من الشرك: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (يوسف: 106). ولعلّ أكثر حالات الإيمان ممزوجة بالشرك. قد يكون الإنسان مؤمناً في مرحلة إلّا أنه مشرك في مراحل متعددة. وإذا سألت الشخص: من الذي رزقك؟ يقول: الله، ولكنه قد لا يتذكر وجود الله تعالى حين العمل وكأنه يظن أن الرزق بيد الآخرين. عندما ابتلعت الأرض قارون وثرواته: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ (القصص: 82) كان بعض الناس قبل يوم يتمنى الحصول على مقامه وثروته، ولكنهم تعجبوا مما حصل، وأين أصبحت الثروة، فقالوا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء (القصص: 82) فهم نطقوا بقولهم: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ، أما الله تعالى فيقول: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ (الروم: 37).

إذا أردنا أن نكون موحدين فينبغي أن نتوجه بقلوبنا إلى الله تعالى لتأمين احتياجاتنا، وأن نعتبر الآخرين مجرد أسباب. والأمر ينطبق أيضاً على مسألة التوسل بأولياء الله تعالى، فهم وسيلة جعلها الله بيد العباد وذلك انطلاقاً من لطفه وعنايته بالعباد، ليصبح التوجه نحو الله أكثر سهولة وتتهيأ الأرضية لرشد الآخرين. وفي هذا الأمر حِكَم إلهية متعددة. ولكن الله تعالى هو الذي أوجدهم ليقوموا بهذا الدور. يقول الله تعالى حول الرسول صلى الله عليه وآله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 128). لقد بلغ حرصه وحبّه وعشقه هداية الآخرين إلى مستوى أنه كان يتألم عندما يرى بعضهم لا يهتدي أو يضل الطريق ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ( الكهف: 6). فمن أين جاء بهذه المحبة؟ الله تعالى هو الذي أعطاه إياها. ومحبة الرسول صلى الله عليه وآله مع كل العظمة التي تحيط به، قطرة من محبة الله، فهو الذي هيأ الأسباب. إن أصل التوحيد ومواجهة الشرك هو هدف كبير، والشرك هو أول الكبائر: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ (النساء: 48) لذلك ينبغي أن يلتفت الإنسان لعدم ابتلائه بالشرك سواء كان الشرك الجلي الواضح أم الخفي.

* اجتناب قتل النفس
ثم يذكر واحدة أخرى من كبائر الموبقات: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (الفرقان: 68). وقتل النفس من كبائر الذنوب وأخطرها والتي لا يتم العفو عنها بسهولة ولا تتحقق التوبة فيها بسهولة، لأنها عبارة عن التعرض لحياة شخص خلقه الله وأعطاه الحياة. طبعاً الله تعالى قد أوجد استثناءً لهذه القاعدة الكلية. فهناك بعض الموارد التي يصح فيها سلب الحياة. ونشاهد مثل ذلك في القصاص والحدود التي أوضحها الشرع. والحدود أمور أوضحها الشرع ويجب عدم تعطيل أحكام الله تعالى. من هنا يمكن القول إنّ سلب الحياة في بعض الأحيان جائز، كما أوضح الشرع: ﴿حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ (الأنعام: 151). فعبارة ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ استثناء، ولكن في غير موارد الاستثناء فإن قتل النفس ممنوع: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (النساء: 93).

* اجتناب الانحرافات الجنسية
تعتبر الانحرافات الجنسية واحدة أخرى من الموبقات الكبيرة التي ينبغي أن يلتفت الإنسان إليها. وقد أوضحت الآيات الشريفة الواردة في عدد من السور القرآنية حدود الاستفادة من الغرائز الجنسية وطريق إرضائها: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (المؤمنون: 6)، فهذا هو الطريق الوحيد لإرضاء الغريزة الجنسية.  وبعد أن تحدثت الآية الشريفة حول الموبقات الثلاث المتقدمة، أضافت: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ( الفرقان: 68)، وهذا يعني أنّ من يقترف تلك الأمور سيصل إلى عواقب عمله، ومن جملتها حرمانه من الفضائل وإبعاده عن عباد الرحمن.

* حبط الأعمال
لو قام الشخص بالإتيان بآلاف العبادات، واشتغل كامل عمره بالصلاة والعبادة والصيام، وأتى بأنواع الخيرات، إلا أنه ارتكب واحدة من هذه الموبقات، فإنها تحبط تلك العبادات. ونقول إجمالاً إن القدر المتيقن أن الأعمال التي تزيل آثار الأعمال الحسنة هي شرك. وأعمال المشرك كلها هباء منثور. والشرك كالنار التي تلقى في الهشيم فتأتي عليه بأكمله. من هذا النحو يكون تأثير بعض الأعمال فيما يرتبط بروح الإنسان وحالاته وملكاته.

* ضرورة اجتناب مقدمات الحرام
ينبغي أن نجتنب الأمور التي يؤكد القرآن الكريم على الابتعاد عنها بجدية ولا يكون ذلك إلّا بتجنب مقدماتها. فلو حذَّرَنا أحدهم من العبور على طريق جبلي ضيق أثناء هطول الأمطار والثلوج مخافة الانزلاق إلى قعر الوادي، عند ذلك نبادر إلى تلقي الأمر بشكل جدي ونمارس أعلى مستوى من الاحتياط ونبتعد عن أماكن الخطر، وقد قيل: "ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه" (1). أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم في بعض الموارد يؤكد على الاحتياط حتى لا نبتلى بالموبقات، أي أنه اعتبر مقدمات الكبائر من جملة الذنوب أيضاً إلا أنها ليست في مستوى الكبائر.

يتحدث القرآن الكريم حول الغرائز الجنسية ويدعو إلى ضرورة الالتفات إلى مقدماتها: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (النور:30). الواضح أن الآية الشريفة تبيّن حُكم مقدّمة ذاك الفعل. فالمقدّمة هنا أي النظر إلى غير المحارم حرام إلا أنها من الذنوب الصغيرة. إن هذه التعاليم الإلهية عبارة عن إرشادات تدعونا لليقظة لنتمكن من الوصول إلى السعادة. فلو عمل الإنسان من أول شبابه على غضّ بصره لكان في مأمن من المفاسد. ومن هنا نفهم سرَّ الدعوة إلى الحجاب وستر العورة ليبقى الإنسان بعيداً عن الوساوس الشيطانية. وأما الذين يأخذون على عاتقهم مسؤولية الإصلاح الاجتماعي فعليهم تهيئة الظروف لمساعدة أفراد المجتمع في البقاء بعيدين عن المفاسد.


(1) بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 20، ص 127.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع