مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

نور روح الله: العُـجْـب: شجرة الكبائر


اعلم أن العجب بنفسه من المهلكات، والموبقات، ومما يحبط إيمان الإنسان وأعماله ويفسدها. وأنَّ درجةً من العُجْب هي: في الإيمان. والعُجب أشدّ من الذنب في حضرة الله تعالى. ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يصبح آمناً من العجب. وكذلك اعتبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم العجب من المهلكات.

*أوحشُ من العُجْب
ورد في أمالي الصدوق، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "مـَنْ دَخَلَهُ العُجْب هَلَكَ"(1). وصورة هذا السرور -الحاصل من العجب- في البرزخ وما بعد الموت، تكون موحشة ومرعبة جداً، ولا نظير لها في الهول. وأوضح ما يشير إلى ذلك قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام: "ولا وَحْدَةَ أَوْحَشَ من العُجْبِ"(2).

سأل موسى بن عمران (على نبيّنا وآله وعليه السلام) الشيطان: "أَخْبِرْنِي بِالْذَّنْبِ الَّذي إِذَا ارتَكَبَهُ ابنُ آدَمِ اسْتَحْوَذتَ عَلَيه، قال: إِذا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، واسْتكْثَر عَمَلَهُ، وَصَغُر فِي عَيْنِه ذَنْبُه"(3). وقال: قال الله تعالى لداود عليه السلام: "يا داودَ بَشِّرِ المُذْنِبينَ وأُنْذِرِ الصِّدّيقِينَ، قال: يا ربّ كَيْفَ أُبَشِّر المُذْنِبينَ وأُنْذِر الصِّدِّيقين؟ قال: "يا داود بَشِّر المُذْنبينَ أَنِي أَقْبَلُ التّوْبَةَ وأَعْفُو عَنِ الذَّنب. وأَنْذِرِ الصِّدِّيقينَ أَلّا يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِمْ، فَإِنهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسابِ إِلّا هَلَكَ"(4). أعوذ بالله تعالى من المناقشة في الحساب التي يهلك فيها الصدّيقون ومن هو أعظم منهم.

*من مفاسد العُجْب
1 - شجرة خبيثة
ينقل الشيخ الصدوق في الخصال مسنداً إلى الإمام الصادق عليه السلام أنّ الشيطان يقول: "إذا ظَفَرْتُ بِابنِ آدَمَ فِي ثَلاثٍ فَلا يُهِمّنِي عَمَلُهُ بَعْدَ ذلِكَ لأنَّه لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ: إِذا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبَهُ، وَتَسَرَّبَ إِلَيهِ العُجْبُ"!(5).
يضاف إلى ما سمعت من مفاسد العجب، أنه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصل العجب في القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك.

2 - استصغار المعاصي

ومن مفاسده استصغار المعاصي، بل إنّ "ذا العجب" لا ينهض لإصلاح نفسه، ويظنّ أنّ نفسه زكيّة طاهرة، فلا يخطُر على باله أبداً أن يطهّرها من المعاصي. لأنّ ستار الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايِب نفسه. وهذه مصيبة، إذ إنها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، وتؤدي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن علاجه...

3 - غنيٌّ عن الحق تعالى

ومن مفاسده الأخرى أنه يجعل الإنسان يعتمد على نفسه في أعماله. وهذا ما يصبح سبباً في أن يحسب الإنسان الجاهل المسكين نفسه في غنى عن الحق تعالى، ولا يرى عليه فضل الحق تعالى، ويرى - بحسب عقله الصغير - أنّ الحق تعالى ملزَم بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهّم أنه حتى لو عومِل بالعدل أيضاً لاستحق الثواب.

4 - يرى أعماله الأفضل

ومن مفاسد العجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله، ويحسب أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله. فتكون هذه النظرة وسيلة لهلاك الإنسان أيضاً، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته.

5 - يدفع إلى الرياء

ومن مفاسده الأخرى، أنه يدفع الإنسان إلى الرياء، لأنّ الإنسان بصورة عامة إذا استصغر أعماله - وجدها لا شيء - وعندما لا يكون معجباً بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، لا يطرحها ولا يتظاهر بها. أما إذا رأى نفسه كاملاً وأعماله جيدة، فإنّه يندفع إلى التظاهر والرياء، ويعرض نفسه على الناس.

6 - يؤدي إلى الكِبر

وهناك مفسدة أخرى هي أن هذه الرذيلة تؤدي إلى رذيلة الكِبر المهلكة، وتبعث على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبّر. فتنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى يشكّل كل واحد منها سبباً للهلاك الأبدي والخلود في العذاب.

*الاعتراف بالعجز والتقصير
فإذا عرف الإنسان هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة بشأنها عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، فمن المحتمّ أن يعتبر نفسه ملزماً بالنهوض لإصلاح النفس، وتطهيرها من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن النفس، لئلا ينتقل - لا سمح الله - إلى العالم الآخر وهو بهذه الصفة.

*المخلوق فقر محض
ولينظر إلى مناجاة صفوة الله، من الأنبياء والأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم)، يَرَها مشحونة بالاعتراف بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية.
فعندما يعلن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الكائنات وأقربها إلى الله قائلاً: "مَـا عَرَفناكَ حقَّ معْرِفَتِكَ وما عَبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِكَ" فماذا سيكون حال سائر الناس؟ إنهم العارفون بعظمة الله تعالى، والعالمون أن ليس لموجود شيئاً. و"المخلوق" فقير، بل فقر محض يستظل بظله تعالى، وليس بمستقل بذاته.

اللهم تفضل علينا بتوفيق التوبة، وعرفنا أنت بواجباتنا، وتفضل علينا بنصيب من أنوار معارفك التي ملأت بها قلوب العرفاء والأولياء، أظهر لنا إحاطة قدرتك وسلطتك، وعرفنا بنواقصنا. أظهر لنا حقيقة ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ... (النساء: 79).


1.وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج1، ص101.
2.نهج البلاغة، من حكم الأمير عليه السلام (113).
3.وسائل الشيعة، م.س، ص99.
4.م.ن.
5.الخصال، الصدوق، ص112.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع