آخر الكلام: ليست كذبة!! تجربتي مع كورونا التعلُّم عن بُعد: هل ينجح الأهل؟ كوفيد- 19 وآثاره النفسيّـــــــة هل كورونا.. كذبة؟ (حوار مع مختصَّين من وزارة الصحّة) توجيهات اجتماعيّة وأسريّة في ظـــلّ كورونا مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله

فقه الولي: أحكام المعلِّم والمتعلِّم


الشيخ محمد توفيق المقداد


يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم ﴿... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الْأَلْبَابِ(الزمر: 9) وقال تعالى ﴿... يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(المجادلة: 11) وقال أيضاً ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(فاطر: 28). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: "قلب ليس فيه شيء من الحكمة كبيتٍ خرب، فتعلَّموا وعلِّموا، وتفقهوا، ولا تموتوا جهالاً، فإن الله لا يعذر على الجهل"(1)، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "رأس الفضائل العلم، غاية الفضائل العلم"(2)، وعن النبيّ صلى الله عليه وآله أيضاً قوله: "العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان"(3)، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "العلم محيي النفس، ومنير العقل، ومميت الجهل"(4)، وقد ورد في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله قوله: "طلب العلم فريضة على كل مسلم... به يُطاع الرب ويُعبد، وبه توصل الأرحام، ويُعرف الحلال من الحرام، العلم إمام العمل تابعه، يُلهم به السعداء، ويُحرمه الأشقياء"(5). إنّ العلم كله محمود سواء الديني منه أو الدنيوي، إلا أن وظيفة الأول أهم بكثير من وظيفة الثاني، فالأول للآخرة والثاني للدنيا، وكلاهما مورد حاجة الإنسان لتأمين السعادة في الدارين.

* علاقة المتعلم بالمعلم

ولا شك أن طريق تحصيل العلم هو الرجوع إلى أهل الاختصاص أي المعلمين الذين قضوا شطراً طويلاً من حياتهم حتى وصلوا إلى مقام يستطيعون فيه تعليم الأجيال القادمة لكي تكون قادرة على حمل المسؤولية في شتى نواحي الحياة، وهذا يعني أن تكون العلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم مبنية على ركائز وثوابت أساسية حتى يستطيع كلٌّ منهما أن يقوم بالمطلوب منه بالشكل الذي يحقق الغاية والهدف. وقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق ما يشير إلى العلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم فيقول عليه السلام: "حق سائسك بالعلم، التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، وأن لا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذُكِرَ عندك بسوء، وأن تستر عيوبه، وتُظهِر مناقبه، ولا تجالس له عدواً، ولا تعادي له ولياً، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس"(6). ورد في استفتاء لسماحة الإمام القائد عن أستاذ أنَّب تلميذه أمام زملائه في الصف بشدة فهل يحق للطالب مقابلة أستاذه بالمثل؟ فكان الجواب التالي: "ليس له المقابلة والإجابة بما لا يليق بمقام الأستاذ والمعلم، بل يجب عليه حفظ حرمة المعلم والمحافظة على النظام في الصف، نعم له المطالبة بذلك بالطرق القانونية، كما تجب على المعلم رعاية حرمة الطالب أمام زملائه، ومراعاة آداب التعليم الإسلامية"(7).

* الأحكام الواجب تعلّمها
ومن أول ما يجب على الإنسان المسلم أن يتعلمه من الأحكام تلك التي تقع محلاً للابتلاء المباشر حتى لا يقع المكلَّف في المحذور الشرعي، وقد ورد استفتاء آخر لسماحته يقول: "هل يأثم الإنسان بترك تعلم المسائل المبتلى بها"؟ وجاء الجواب على الشكل التالي: "يأثم بترك الواجب أو بفعل الحرام فيما لو أدى عدم تعلمه لتلك المسائل إلى ذلك"(8). ولا يمنع الإسلام أتباعه من تعلُّم كل العلوم المفيدة والنافعة والضرورية لحياة الناس ولا يضع العوائق أمامهم في سبيل ذلك؛ بل يشجعهم على دخول كل المجالات العلمية، ويقول السيد القائد حفظه الله: "لا مانع من تعلُّم أي شخص لأي علم أراد، إذا كان لغرض عقلائي مشروع، ولم يكن له فيه خوف الفساد ولا الإفساد..."(9). ويجيز الإسلام أيضاً دراسة كتب أهل الضلال إذا كان المراد الرد عليهم وعلى شبهاتهم وأباطيلهم وأكاذيبهم وكل ما يثيرونه من شبهات حول الإسلام، ويقول سماحته: "لا يجوز بيع وشراء وحفظ كتب الضلال، إلا من أجل الرد عليها، بشرط أن يكون قادراً علمياً على ذلك"(10). ولا شك أن عدم جواز اقتناء ودراسة وشراء كتب الضلال لغير القادرين علمياً على فهم الشبهات وردها، قد يؤدي إلى زعزعة إيمانهم وزلزلة يقينهم، والإسلام يريد حماية عقيدة أتباعه والمؤمنين به، ولهذا يحرم عليهم كتب الضلال إلا للقادرين على فهمها والرد عليها لإبطالها. وكذلك يجيز الإسلام مسألة الاختلاط في الجامعات والمعاهد العليا للدراسة ولكن مع مراعاة الشروط والضوابط الشرعية والآداب والأخلاق الإسلامية ما بين الطلاب والطالبات ويقول سماحة القائد حفظه الله: "لا مانع من دخول المراكز التعليمية للتعليم والتعلم، ولكن يجب على النساء والبنات حفظ الحجاب، وعلى الرجال الامتناع عن النظر إلى ما لا يجوز لهم النظر إليه وعن الاختلاط الموجب لخوف الفتنة والفساد"(11). ويسألونه في هذا المجال أيضاً عن التقاء الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات والتحدث في المسائل العلمية وغيرها فيجيبهم بقوله: "لو كان مع مراعاة الحجاب، ولا بقصد الريبة، ومأموناً من المفاسد، فلا بأس به وإلا فلا يجوز"(12).

*العلوم الدينية والدنيوية

والإسلام يؤكد على أتباعه دراسة العلوم الدينية والدنيوية معاً ولا يميل إلى علم دون آخر، لأن العلوم كلها مطلوبة، خصوصاً ما كان مرتبطاً منها بحياة الناس بشكل مباشر، ولذا يسأل طالب علوم طبية سماحة الإمام القائد حفظه الله عن رغبته في دراسة العلوم الدينية مضافاً إلى دراسة الطب فيجيبه: "للطالب الحرية في اختيار الفرع الدراسي، ولكن هناك مسألة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن دراسة العلوم الدينية إذا كانت ذات أهمية من أجل ما يتوقع منها من القدرة على تقديم الخدمة للمجتمع الإسلامي، فلدراسة الطب بهدف التأهيل لتقديم الخدمات العلمية للأمة الإسلامية وعلاج المرضى وإنقاذ أرواحهم أهمية كبرى أيضاً". ويجيز الإسلام كذلك أن يتعلم الإنسان ويعلِّم ما هو حرام أحياناً بشرط عدم العمل به أو اتخاذه مهنة، بل للاطِّلاع والمعرفة، كما في تدريس المسائل المتعلقة بالربا في المنهج الاقتصادي حيث تشكِّل جزءاً من المنهج وينبغي للطالب دراستها ويُسأل السيد القائد عن ذلك فيجيب: "مجرد تدريس ودراسة كيفية الاستثمار بالقرض الربوي ليس حراماً" (13) وهذا الأمر يجوز أيضاً في علوم أخرى إذا كانت تتضمن بعضاً من المحرمات: "كتشريح الأموات بغرض التعلم شرط أن لا يكون الأموات من المسلمين مع إمكان ذلك" (14)، وهذا ما يجري عند دراسة العلوم الطبية بأنواعها المختلفة. ويهتم الإسلام كثيراً بحفظ عقائد أتباعه والمؤمنين به، ولكن مع ذلك إذا فرضنا أن أبناء المسلمين يريدون التعلّم في مدارس غير إسلامية ويكون أصحابها والمدرسون فيها من ذوي العقائد الفاسدة فالسيد القائد حفظه الله يجيز أن يتعلم أبناء المسلمين في تلك المدارس بشرط عدم وجود خوف على عقيدتهم الصحيحة وبحيث لا يكون التعلُّم في مدارسهم ترويجاً للباطل والحرام وتجنيب أبناء المسلمين دراسة العقائد الفاسدة التي تكون جزءاً من المنهج الدراسي لتلك المدارس(15). ومما لا شك فيه أن العلم وسيلة من وسائل المعرفة وإنتاج معارف جديدة، وهذا ما يؤكد عليه سماحة الإمام القائد لكي يستغني المسلمون عن غيرهم في سبيل تقدم وازدهار ونمو العلوم والاختراعات في العالم الإسلامي، لأن عدم التركيز على العلوم في عالمنا يجعلنا رهينة بيد القوة المعادية للإسلام والمسلمين أو للأجانب الذين يسرقون ثرواتنا وينهوبنها باسم العلم والحضارة، ولذا يجيب سماحته من سأله عن الاختصاصات العلمية التي تحتاجها الأمة في هذا العصر ويقول: "كل التخصصات العلمية المفيدة والتي يحتاجها المسلمون، مما ينبغي أن يهتم بها العلماء والأساتذة والطلبة الجامعيون ليستغنوا بذلك عن الأجانب، لا سيما المعادين للإسلام والمسلمين"(16)


1- محمدي الريشهري، العقل والجهل في الكتاب والسنة، ص182، من كنز العمال.
2- محمدي الريشهري، العلم والحكمة في الكتاب والسنة، ص49، عن غرر الحكم.
3- المصدر السابق، ص585، عن الجامع الصغير.
4- عيون الحكم والمواعظ، ص52.
5- أمالي الشيخ الطوسي، ص487-488، ح1069-38.
6- ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، ص260.
7- الجامع للشرائع، ص627.
8- أجوبة الاستفتاءات، ج2، ص90، س250.
9- المصدر السابق، ص86، س234.
10- المصدر السابق، ص87، س239.
11- م.س، س241.
12- م.س، ص88، س243.
13- م.س، س245.
14- م.س، ص89، س249.
15- م.س، ص87، س238.
16- م.س، ص83، س194.
17- م.س، ص89، س248.
18- م.س، ص88، س246.
(*) مدير مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي قدس سره في لبنان.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع