آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

قضايا معاصرة: اتجاهات البحث في قضايا المرأة(1)


الشيخ حسن الهادي


"المرأة هي رمز تحقّق آمال البشرية، وهي المربّية للنساء والرجال العظام. فمن أحضان المرأة يتسامى الرجل. وحضن المرأة هو الموضع الذي يتربّى فيه النساء العظام والرجال"(1).

المرأة قلب المجتمع، ومركز حياته وبقائه، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع. ومع هذا، فقد اضطرب المعيار الاجتماعيّ في تقييم المرأة وتحديد منزلتها الاجتماعيّة في عصور الجاهليّة القديمة أو الحديثة...


* الإسلام وإنسانيّة المرأة
لحظ الدِّين الإسلاميّ في تشريعاته المرأة وأعطاها حقوقها كافة، وحفظها وحماها من كلّ الظلم الذي تعرّضت له عبر التاريخ. ومن الواضح أنّ التشريع الإسلاميّ قد حفظ الحقوق المعنويّة والمادّية للمرأة، وساواها في الحقوق مع الرجل، طبعاً بما ينسجم مع طبيعتها وتكوينها كأنثى.

وترتبط فلسفة هذه التشريعات في الدِّين الإسلاميّ بقضيّة إنصاف المرأة كإنسان ذي تكوين جسديّ ونفسيّ يختلف عن الرجل، وبالتّالي فإنّ الإنصاف والرحمة يقتضيان وجود نوع من التفاوت والتمايز في التشريعات على مستوى الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل، وهو ما يُحقّق للمرأة شأنها المتعالي والرفيع، كـ"إنسان" لا كـ"رجل" إذ الرجولة ليست من لوازم إنسانيّة المرأة.

* اتّجاهات البحث في قضايا المرأة
تعدّدت الاتجاهات بين علماء المسلمين ومفكِّريهم من المدافعين عن المرأة وجوداً وإنسانيّة وحقوقاً... وقدّموا لنا العديد من الدراسات في قضايا المرأة. وبغضّ النظر عن النوايا والدوافع التي انطلقوا منها، فقد وقع الكثير منهم في العديد من الشبهات وأوقعوا المرأة نفسها في الكثير من الإشكاليات والأزمات، ما انعكس سلباً على حياة المرأة، وأدّى إلى تشويش المنظومة الحقوقيّة الخاصّة بها على مستوى التصوّرات والممارسة الاجتماعيّة.

ويُمكن تقسيم هذه الاتجاهات إلى ثلاثة:

الأوّل: اتّجاه مقاضاة الفقه الإسلاميّ
فقد نصّب بعض المفكّرين أنفسهم في موقع مقاضاة الفقه الإسلاميّ بشكل عامّ وفقه المرأة بشكل خاصّ، فعمدوا إلى محاكمة نصوصه القاصرة -بنظرهم- عن إيفاء المرأة حقّها، حيث أفرط هؤلاء في نقد طريقة الاستدلال الفقهيّ المتعلّق بالمرأة وحقوقها وواجباتها، واعتبروا أنّه من المشكلات الأساسية التي يواجهها البحث الفقهيّ في قضايا المرأة هو التعرّض لمسائلها بشكل مشتّت، دون نظرة كليّة جامعة، أو حلقات متّصلة، ما أنتج -بنظرهم- فتاوى متناقضة، أو غير منسجمة على الأقلّ(2)، وانعكس سلباً على النظام الحقوقيّ للمرأة. ومن الواضح أنّ هذا الاتّجاه يعتمد في الكثير من مرتكزاته على الدراسات الغربيّة في العلوم الإنسانيّة التي أنتجت الكثير من النظريّات والاتّجاهات والمدارس، وشكّلت المرجعيّة الفكريّة للأنظمة الحقوقيّة المتعلّقة بقضايا المرأة وحقوقها.

الردّ على هذا الاتّجاه:
1 - لقد غاب عن بال هؤلاء أنّنا لا نستطيع الالتزام بنتائج الدراسات الإنسانيّة أو الممارسات الاجتماعيّة بمعزل عن القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة للمجتمع نفسه، هذا مضافاً إلى ما نلمسه من التقوقع والمحدوديّة في هذا النمط من البحث، والممارسة على جزئيّات بعينها، ما يفقد البحث العلميّ طابعه الموضوعيّ والشموليّ، خاصّة وأنّ العلوم الإنسانيّة كلّها تستظلّ -من وجهة النظر الإسلاميّة- بمظلّة واحدة وهي الشريعة، كما إنّ موضوعها واحد وهو الإنسان بصفاته النفسيّة والبدنيّة المعروفة.

2 - أمام هذا الاضطراب الفكريّ في دراسة قضايا المرأة لا بدّ من لفت النظر إلى أنّ غاية البحث الفقهيّ الاجتهاديّ هي استنباط الأحكام والقوانين التي تنظّم حياة المسلمين الفرديّة والاجتماعيّة، على قاعدة اشتراك المكلّفين في جميع الأحكام في أصل التكليف، عدا ما دلّ الدليل الخاصّ على تخصيصه بالرجل أو المرأة. وإنّ الذي ينظر نظرة علميّة فاحصة -بعد أن يخلع ثوب مقاضاة الدين أو المرأة- إلى الفقه الإسلاميّ يجد أنّه يتضمّن منظومة من الأحكام في فقه المرأة تغطّي مستلزماتها الفرديّة الخاصّة والحياتيّة الفرديّة والعامّة، وترسم المسار الطبيعيّ الذي حدّدته الشريعة للمرأة. ويمكن القول -بعد حذف المشتركات- إنّ هذه الأحكام تطغى على الأحكام الخاصّة بالرجل، ولا يوجد في هذا جنبة تفاضل لنوع على آخر، بل هي الحكمة من الخلق.

ولا بدّ من الإلفات -أيضاً- إلى أنّ منهج الاستنباط الفقهيّ يستند إلى ثابتة رئيسة وهي إقامة الحجّة على الحكم الشرعيّ، فإذا قامت الحجّة على عدم إمكانية تولّي المرأة السلطة بمعنى الحاكميّة والولاية مثلاً، فهذا لا يعدّ انتقاصاً لحقوقها ومكانتها وإنسانيّتها، إنّما يُضيء على الوظيفة الطبيعيّة التي يرتضيها الشارع لكلِّ من الرجل والمرأة.

الاتّجاه الثاني: الاتّجاه الإسقاطيّ
انطلق هؤلاء في دراساتهم من تبعيّتهم للمنهج الذي أسّسه الغربيّون في دراسة قضايا المرأة، وبدأوا بدراسة النصوص الدينيّة والفتاوى الشرعيّة الخاصّة بالمرأة بالنقد تارةً، والمقارنة والمقايسة أخرى، والسعي للاستدلال ثالثة... ما جعلهم يتوهّمون قصور النصوص دلالةً ومضموناً عن تلبية ومواكبة التشريعات والقوانين اللازمة التي تحتاج إليها المرأة في العالم المعاصر. حيث عمل هؤلاء على إسقاط الأفكار الغربيّة الرنّانة والجميلة بمظهرها كالحرّية والمساواة وغيرها الكثير، وطرحها على واقع المرأة المسلمة.

وبنظرة موجزة إلى آثار الدراسات الحقوقيّة المتعلّقة بالمرأة عندهم نُدرك بوضوح أنّه في ظلّ شعار تحرير المرأة سُحقت إنسانيّة المرأة، وعُطّل دورها الإنسانيّ الطبيعيّ ورسالتها المقدّسة في تشييد دعائم الأسرة، حيث دُفع بها إلى المصانع لتكدح يومها كلّه من أجل الحصول على لقمة العيش، واستُدرجت باسم الفن والمدنيّة إلى الرذيلة والفساد الخلقيّ. ومن الواضح خطورة وفساد مثل هذا المنهج على قضايا المرأة المسلمة، كونه يقصي قيم الدين ويسقط القيم الوضعيّة مكانها.

الاتّجاه الثالث: اتّجاه التلفيق وأسلمة المعرفة
تعود جذور هذا الاتّجاه إلى ما اصطلح عليه بين المفكّرين المسلمين بـ "أسلمة المعرفة" التي تفترض أنّ العلوم والمعارف قائمة وينتجها غير المسلمين. وهذا التعبير يستبطن إقراراً بأنّ العلوم والمعارف ليس لها جذور في التراث الإسلاميّ، وتُحدّد السقف المعرفيّ الذي نطمح إليه.

ولهذا نجد دعاة هذا الاتّجاه يعملون على التلفيق الإيجابيّ -بنظرهم- بين النتاج المعرفيّ الإنسانيّ، التربويّ والاجتماعيّ والسياسيّ... عند الغربيّين وبين التشريعات والأفكار الإسلاميّة بإسقاط النصوص والأفكار والأحكام الإسلاميّة على ما توصّل إليه الغربيّون من نتائج دراسات وأبحاث وتجارب ممّا طبّق في مجتمعاتهم ولاقى نجاحاً ظاهريّاً، ورواجاً بين الناس.

ولهذا عمد هؤلاء إلى محاولة نقل التجربة الغربيّة إلى العالم الإسلاميّ كأنّها تجربة متعالية تصلح لأيّ مجتمع آخر، دون وعي منهم إلى أنّ نهضة الغرب العلمية قد وُلِدت من رحم تناقضاتها وصراعاتها وتدافعاتها الذاتيّة؛ وهذا أخطر ما في هذا الطرح محاولين بذلك إيجاد نوع من الانسجام بين الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة والتشريعات الحقوقيّة الغربيّة من جهة، والعمل على رفع النقص أو القصور عن بعض النصوص والتشريعات الإسلاميّة التي لا تتوافق مع تلك الأطروحات، من خلال محاولة الجمع بين صورة المرأة ووظيفتها التي يرسمها النصّ، وتلك التي تلائم المدنيّة الغربيّة مع مراعاة بعض الضوابط والقيم الإسلاميّة من جهة أخرى. وهذا ما أنتج صورة جديدة للمرأة لا تنسجم مع الصورة والمكانة التي أعطاها الإسلام لها.

ولقد تحدّث الإمام الخمينيّ قدس سره عن شيوع هذه النماذج والاتّجاهات في المجتمع الإسلاميّ، حيث قال:
"كانت المرأة للأسف مظلومة في مرحلتين؛ الأولى في الجاهليّة؛ وقد منّ الإسلام على الإنسان إذ انتشل المرأة من حالة الظلم التي كانت تُعاني منها في الجاهليّة. فقد كانت مرحلة الجاهلية مرحلة [تُعدّ] فيها المرأة كالحيوان بل أدنى منه. وفي مرحلة أخرى تعرّضت المرأة للظلم في بلدنا إيران في عهد الشاه -حيث هيْمنة الفكر الغربيّ على المجتمع الإيرانيّ-. فقد مارس الشاه أنواع الظلم بحقّ المرأة باسم تحريرها؛ وأنزل المرأة من المكانة الشريفة والسامية التي كانت تتمتّع بها... فالانحطاط الذي تعرّضت له النساء في هذا القرن من الممكن أن لا تكون قد تعرّضت له في قرن الجاهلية"
(3).


1- صحيفة الإمام، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني قدس سره، ج7، ص341.
2- فقه المرأة (دراسات نقدية ومنطلقات التجديد المنهجي)، مهدي مهريزي، ص34.
3- صحيفة الإمام، (م. س)، ج67، ص339-340.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع