مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: الوعدُ الإلهيّ  أخلاقنا: النسل الصالح: رعاية وصيانة أمّهات مفقودي الأثر: عيدنــــا بعودتكم (1) الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*) احذر عدوك: العدوّ والفضاء الافتراضيّ(1)  اللقاح لا يغني عن الكمامة السيّاح الإسرائيليّون يفعلونها مجدّداً تطبيق "معاً" لتتبّع المخالطين 

في رحاب بقية الله: دعاء الافتتاح: منظومة القيم

د. يوسف مَدَن

إنّ دعاء الافتتاح، المنسوب للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، هو إحدى وسائل الإمام في رسم سياسة التوجيه للأمّة وأداة من أدوات المعرفة. وقد أوجزنا في العدد السابق أهداف المبادئ السلوكيّة والسيكولوجيّة في هذا الدعاء، ونكمل في هذا العدد الحديث عن المبادئ والمضامين والقيم الضابطة للسلوك.

*أولاً: خصائص قيم السلوك في الدعاء:
تمكّنك الملاحظة الأوّليَّة، والتأمّل في محتوى المادّة الإرشاديّة - التعليميّة لدعاء (الافتتاح) من رؤية مبادئ ومضامين وقِيَم ضابطة للسلوك، وهي أدوات ضبْط تساعد على تنظيم حركة العلاقة بين الإنسان وربّه، ومع الآخر ونفسه وعالم الأشياء الماديّة المحيطة به في الدنيا. ويرتبط هذا الكشف بمعرفة خصائص عامّة لهذه المبادئ التنظيميّة، وفَهمها كضرورة تربويّة لتربية الذات "العباديّة" بطريقة وقائية، أو مساعدتها على معالجة عيوبها وأمراضها. ومن هذه الخصائص:
1- طابعها الربّانيّ.
2- إنسانيّتها.
3- تنظيمها وطابعها الأخلاقيّ.
4- هدفيّة المبادئ.
5- تشابك وتداخل هذه الخصائص بعضها ببعض.


1 - ربّانيّة المبادئ:

والمراد من مضمون هذا المبدأ ارتباط محتواه الداخليّ بالتعاليم والقِيم الإلهيّة؛ فالتوجيهات الإلهيّة هي المصدر الأساسيّ لمادّة ومحتوى هذه المبادئ التنظيميّة لسلوك الإنسان في علاقته بالله تعالى، وفي علاقاته الاجتماعيّة مع الآخرين، مع عالم الأشياء في البيئة الخارجيّة للفرد، إذ تستمد هذه المبادئ قوّة عملها من رؤية الدين ومن تعاليم الله سبحانه وقِيمه، فإذا طلب المرء (اللّذة) أو أراد تجنّب (الألم)، ودفع الضرر عن نفسه، كانت توجيهات الله سبحانه وتعالى ماثلة أمامه لتنظيم تحقيق هذا المبدأ وتوجيه مساره في حركة الحياة الإنسانيّة وضبطها. وقد أسّس الدعاء كلّ "مبادئه التنظيميّة" الموجّهة للسلوك على أساس طابعها الربّانيّ؛ فكلّ ما يحقّق تنفيذ هذا المبدأ موكول إليه تعالى، وهو المصدر الأساسيّ في تأمين ما يحتاجه الأفراد. وهكذا، فكلّ مبدأ من مبادئ تنظيم السلوك مستمَدّ من تعاليم الله وتوجيهاته، ومربوط تنظيمياً بالأوامر والنواهي الإلهيّة، وبذلك تستفاد فوائد من هذه المبادئ مجتمعة في مهمّتها المحدّدة، وهي: الارتقاء بالذات وإنضاج كيانها بالتعاليم والأساليب والقِيم العباديّة وتحقيق رضا الله سبحانه وتعالى.

2 - إنسانيّة مبادئ الدعاء:

ونعني بـ(إنسانيّة هذه المبادئ) الواردة في دعاء الافتتاح أنها موجّهة للإنسان لضبط وتنظيم تفكيره وأفعاله التكليفيّة، وتمتاز بـ(سموّ طابعها الإنسانيّ) من حيث ما يقوم به الناس من أدوار، ومشاركة الإنسان مباشرة في صنع الأفعال الصادرة عنه، والإتيان بها، سواء كانت من الأفعال (الخاطئة) أو كانت من الأفعال (العباديّة الصحيحة)، والإفادة منها في تكوين وتوجيه السلوك الإنسانيّ.

ولهذا تهتمّ المبادئ، في هذا الدعاء وفي مختلف أدعية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، بتنمية قوى الإنسان الذاتيّة في مرحلة ما قبل وقوع العبد في براثن الأفعال الخاطئة والآثمة (وهي المرحلة الوقائية)، وكذلك تهتمّ بالإنسان ومشكلاته وهمومه في مرحلة العلاج وتعديل السلوك بمحدِّدات إيمانية يرتضيها الله سبحانه لعباده. ولهذا لم تُسمَّ هذه المبادئ "إنسانيّة" إلّا لكونها تخدُم الإنسان وتُحقِّق له درجة مقبولة من "كماله الروحي والمعرفي" يهيّئه للقاء الله تعالى في عالم الآخرة.

3- دعاء الافتتاح ومحتواه المعرفيّ والروحيّ:

تمتاز كلّ أدعية أئمّة أهل البيت عليهم السلام بثروة قيميّة وأخلاقيّة مُربِّية، تنطوي على مبادئ ضابطة وتنظيميّة للسلوك، وكذا دعاء الافتتاح، إذ تتّسم مادّته الإرشاديّة - التعليميّة بطابع أخلاقيّ، ومعرفيّ، وروحيّ يحقّق "صدق العبوديّة": كطلب العفو عن الذات، والاعتراف، والتوبة، والاستغفار، وطلب إشباع الحاجات، والاستعلاء على شهواتنا، والبحث عن اللّذات، وتجنّب الألم، وهي مبادئ مؤسّسة على طابع أخلاقي واضح، وفاعل ومؤثّر في "تربية المنتظرين" وصياغة كياناتهم الذاتيّة.

فما يميّز هذه المبادئ هو ما تتّسم به من طابع أخلاقيّ مؤثّر، يساعد على تكوين أفعال سلوكيّة موسومة بالأخلاق العباديّة التي يبتغي الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تحقيقها في حياة الفرد المؤمن من تطهير داخل النفس الإنسانية من الشكّ والشرك والنفاق، وتخليصها من وثاق الشهوة وأسر الهوى.

4 - هدفيّة المبادئ:

لم توضع هذه المبادئ عبثاً، بل هي منظومة معرفيّة وروحيّة وأخلاقيّة تبتغي ضبط وتنظيم سلوك الإنسان المنتظر. وهي في نظرنا "آليّات عمل" موصولة بأهداف عباديّة واضحة، أكّد عليها الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في دعائه. فمبادئ دعاء الافتتاح تستهدف بناء الشخصيّة العباديّة المطيعة لله سبحانه.

وأهمّ ما تريد هذه المبادئ تحقيقه هدفان أساسيان هما:

أ - تحقيق الرضا الإلهيّ، وتحقيق رضا الله على عباده بحدّه الأدنى.
ب - تحقيق توافق ذاتيّ، وحالة رضا العبد عن ذاته، بتعديل سلوكها أو إزاحة توتّر نفسيّ مؤلم عنها.


فعلى سبيل المثال، نجد (طلب العفو عن الذات كمبدأ تنظيميّ للسلوك) يستهدف محو الأثر النفسيّ المترتّب عن ضغوطات السيّئات أو قهر الذنوب والمعاصي وتراكماتها، واستبداله بتحقيق أثر نفسيّ إيجابيّ مضادّ كالشعور بحالة من الرضا النفسيّ، والإحساس بالراحة داخل النفس، وإزاحة ضغوط مشاعر الاستياء الناجمة عن ارتكاب الذنوب ومنغّصاتها.

وهذا الهدف مع قدرته على الوصول بالفرد إلى مستوى متقدّم من الإنجاز الإيجابيّ فإنّه في الوقت نفسه مظهر لتحقيق هدف أكبر، كالرّغبة في تحقيق رضا الله أو رضا الفرد عن ذاته، وهذا ما ينسحب على مبادئ أخرى، موجّهة لسلوك الفرد في نصّ دعاء الافتتاح.

5 - منظومية المبادئ والتأثير التربويّ:

تتداخل مبادئ تنظيم السلوك الإنسانيّ وضبطه في هذا الدعاء، لأنّ القضايا التي يهتمّ بها دعاء الافتتاح هي الأخرى متداخلة ومتشابكة، فكلّ خاصيّة مرتبطة بالأخرى تتأثّر بها وتؤثّر في مجموعها لتحقيق الأهداف التي يريد الدعاء الوصول إليها (طاعة الله وبناء شخصيّة الإنسان على مرتكزاتها).

إنَّ جميع مبادئ دعاء الافتتاح يتحرّك معاً لبلوغ رضا الله، ورضا الذات عن نفسها، واكتمال حالة النضج لديها، وتحقيق مستوى معقول من الصحّة العقليّة والجسديّة والنفسيّة، حيث إنّ جميع المبادئ منظومة واحدة لا يتعارض في حركته الضابطة والتوجيهيّة لسلوك الذات البشرية. ونفهم من المادة الإرشادية للدعاء تأكيدها على هذا التداخل، وعلى عملها الموحّد كمنظومة توجيه للسلوك.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع