مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: الوعدُ الإلهيّ  أخلاقنا: النسل الصالح: رعاية وصيانة أمّهات مفقودي الأثر: عيدنــــا بعودتكم (1) الإمام الخامنئي دام ظله: تعلّمتُ من أمّي(*) احذر عدوك: العدوّ والفضاء الافتراضيّ(1)  اللقاح لا يغني عن الكمامة السيّاح الإسرائيليّون يفعلونها مجدّداً تطبيق "معاً" لتتبّع المخالطين 

دعاء الافتتاح (6): واجبُر به فقرنا


د. يوسف مَدَن


ورد في الأعداد السابقة أنّ قيم تنظيم السلوك، المستخلصة من دعاء الافتتاح والتي تعمل على ضبط السلوك في اتّجاه واحد، متعدّدة، وتحدّثنا عن مبادئ ثلاثة منها هي: مبدأ البحث عن اللذة وتجنّب الألم، مبدأ طلب العفو عن الذات، ومبدأ مراعاة الحالة الانفعالية. والآن نتحدّث عن المبدأين الرابع والخامس.

* المبدأ الرابع: إشباع الحاجات الإنسانيّة
كما إنّ نصّ دعاء الافتتاح ليس موضوعاً مخصوصاً للانفعالات والقيم والسلوك الأخلاقي وغيرها، فإنّه أيضاً ليس موضوعاً لبحث الحاجات الإنسانيّة وطريقة تنظيم إشباعها كما في كتب علم النفس ومصادره. بيد أنّ هذا النصّ كما اتّسع في إشارات للموضوعات المذكورة، فإنّه كذلك تضمّن إشارات متفرّقة ومجملة لإشباع الحاجات الإنسانيّة، حيث يشير بعض عبارات الإمام المهديّ عجل الله تععالى فرجه الشريف إلى ما يستحقّ الثناء على الله سبحانه لأنّه سبحانه مصدر الإشباع، وكان ذلك في أوّل عبارة من الدعاء، وفي مواضع متفرّقة منه.

ويُعرَّف الإشباع عند المشتغلين بعلم النفس بأنّه: "إعطاء الفرد كميّة مناسبة من المعزّز لسدّ النقص لديه، فإذا أحسّ بنقص في الماء أو الطعام أو الحبّ فإنّ الفرد لا يحصل على إشباع مناسب إلّا بإعطائه كمية معقولة من المعزِّز، أي كميّة ممّا يحتاجه أو قدر حاجته من الطعام أو الشراب أو الحنان المفقود، وبالتالي تتحقّق له حالة من الرضا والارتياح والشعور باللذّة"(1). وقد عالجنا مسألتي "الحاجات الإنسانيّة وطرائق تنظيم إشباعها" برؤية الإمام المهديّ في فصلين كاملين ومطوّلين من كتابنا (بناء الشخصيّة في خطاب الإمام المهديّ).

*الشكر على توافر النعم
وعبّر دعاء الافتتاح في الوقت نفسه عن تعظيمه لله تعالى، فالإنسان طلب من ربّه سبحانه مطالب كثيرة استحقّت الثناء عليه من الإمام المهديّ عجل الله تععالى فرجه الشريف. وقد توزّعت هذه المطالب على نحو مجمل في مفردات هذا الدعاء، فاستجاب الله عزَّ وجلَّ لها بحكمته، وتمّت تلبية حاجات العباد وإشباعها، فاستوجب ذلك أن يقول الإمام المهديّ عجل الله تععالى فرجه الشريف: "أفتتح الثناء بحمدك"، و"الحمد لله بجميع محامده كلّها على جميع نعمه كلّها"، و"فأثني عليه حامداً، وأذكره مُسَبِّحاً". ويوحي كلام الإمام عن شكره للنعم الإلهيّة لتوافرها، وينطوي هذا الشكر على إشباع حاجات الإنسان المتنوّعة، فيشعر المنتظرون وغيرهم بالأمن، وتقلّ مشاكلهم، ويتعمّق إيمانهم بكون الله تعالى هو مصدر الإشباع.

*تحقق إشباع الحاجات
وتجسّد عملية تحقق (مبدأ الإشباع) للحاجات الإنسانيّة في جمل عديدة من نصّ الدعاء مثل: "جميع نعمه كلّها، كثرة العطاء، أسألك ما لا أستوجبه منك الذي رزقتني، وأريتني من قدرتك، باسط الرزق، لم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إليَّ، والتفضّل عليَّ بجودك وكرمك، والفضل والإنعام، ويُعَظّم النعمة عليَّ فلا أجازيه، كم موهبة هنيئة قد أعطاني، وعظيمة مخوفة قد كفاني، وبهجة مونقة قد أراني، يرفع المستضعفين، ويضع المستكبرين، موضع حاجات الطالبين، ومعتمد المؤمنين".

وهكذا تنوّعت في حياتنا كبشر (كنّا من المنتظرين أو من غيرهم) صور عديدة "لإشباع الحاجات" سواء كانت ماديّة أو معنويّة. وكلمتا "جميع نِعَمه" في إحدى الجمل السابقة شملت كلّ النعم، فاستحقّ سبحانه في عبارات الإمام كلّ ثناء، واستحقّ أن يقول له: "فاسمع يا غفور مدحتي، أفتتح الثناء بحمدك، فأثني عليه حامداً، وأذكره مسبّحاً"، وعبارات ثَناء متفرّقة في مواضع من الدعاء.

وممّا لا شكّ فيه أنّ لذلك الإشباع انعكاساتٍ طيّبةً في الحياة الإنسانيّة سواء على مستوى الصحّة السيكولوجيّة أو على مستوى العلاقة مع الله سبحانه وتحقيق رضاه عن الإنسان وأفعاله. فتوافر الإشباع المتعدّد والمنوّع لحاجات الإنسان من المنتظرين والأتقياء وغيرهم يعزّز سلوكهم الدينيّ، ويرسّخ عقائدهم بالله عزَّ وجلَّ، حيث يظلّون جميعهم يلهجون ليل نهار بذكره تعالى بصرف النظر عن نوع (الإشباع)، وحجمه ومقداره، وتوقيته.

*المبدأ الخامس: تقابل السلوك والأفعال
يقوم هذا المبدأ في توجيه السلوك الإنسانيّ على تقابل الأفعال، واكتشاف خصائص السلوك بين هذا الطرف والطرف الآخر، بل حتّى في داخل كيان الفرد الواحد. وهو مبدأ سلوكيّ استهدف تحقيق مقابلة بين الأفعال لمعرفة ذواتنا أولاً، ومعرفة سمات الطرف الآخر وخصائصه ثانياً، ثمّ انتقاء الأفضل والارتقاء بالذات على هدى النموذج الأفضل الذي يعرضه الطرف الآخر، وهو - كما في نصّ الدعاء - طرف خارج كيان الذات البشريّة كالذات الإلهيَّة. ولقد اعتمد هذا المبدأ في نصّ دعاء الافتتاح طريقةً واقعيةً في المقارنة والفرز والتمييز، بين ما يصدر عن الإنسان من أفعال الانحطاط، وما يقابلها من أفعال الله سبحانه وتعالى كخالق حكيم، فيتعلّم الإنسان من حكمة هذا الخالق ما يحتاجه وما يسدّ نقائصه وعيوبه، وبذلك يحاول تصحيحها بما يحقّق رضا الله وتوافق الإنسان مع تعاليم ربّه، ومنهجه، وقيمه العليا، حيث قال الإمام المهديّ عجل الله تععالى فرجه الشريف عن الحقّ في مقطع من أواخر دعائه ما لفظه: "اللهمّ.. واجبُر به فقرنا، وسُدَّ به خلَّتنا"؛ أي بالحقّ(2).

*بين سلوكين: ربّ كريم وعبد لئيم
وعرض الإمام عجل الله تععالى فرجه الشريف نموذجاً للتقابل الفاصل بين فعل (العبد اللئيم) كما وصف في الموقف نفسه أفعال (الربّ الحكيم) كطرف مقابل، وترك لنا التأمّل في المقابلة بين أفعالنا، وأفعال خالقنا الحكيم، فهذه اللوحة التي رسمها مقطع من النصّ تستثير إحساساً عميقاً بتقصير العباد في القيام بأفعالهم التكليفيّة. وقادت هذه اللوحة تفكيرنا إلى التأمّل بين ما نفعله، وما يفعله ربّ العباد، ثمّ البحث عن فرص للتغيير على هدي النموذج الإلهيّ كي تتحرّك أنفسنا في طلب التطوير وبلوغ الأفضل بمعرفة جوانب النقص ذاته، وإدراك نموذج الاقتداء والرقيّ الذي يوفّره النموذج الربَّاني، فقد عرض الإمام المهديّ عجل الله تععالى فرجه الشريف في مقطعين من دعائه (دعاء الافتتاح) موقفين متباعدين بوصف أفعال (العبد اللئيم) مقابل وصف أفعال الله سبحانه كـ(ربّ حكيم كريم).

أ- الموقف الأوّل
قال الإمام المهديّ عجل الله تععالى فرجه الشريف في الموقف الأوّل وهو يخاطب ربّه: "لم أرَ مولى (مُؤّمَّلاً) كريماً أصبر على عبد لئيم منكَ عليَّ يا رب، إنّك تدعوني فأُوَلِّي عنك، وتتحبّب إليَّ فَأَتبغَّض إليك، وتتودّد إليَّ فلا أقبل منك، كاَنَّ لي التطوُّل عليك، فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي، والإحسان إليَّ، والتفضل عليَّ بجودك وكرمك، فارحم عبدك الجاهل، وجُدْ عليه بفضل إحسانك، إنَّك جواد كريم"(3).

وهذا التقابل بيِّن وحاسم لا يحتاج إلى مزيد من القول والبيان، إذ يصف الإمام عجل الله تععالى فرجه الشريف الفرق بين سلوك البشر وسلوك خالقهم الحكيم.

ب - الموقف الثاني
أمّا الموقف الثاني فهو قوله عجل الله تععالى فرجه الشريف: "الحمد لله الذي يجيبني حين أناديه، ويستر عليَّ كل عورة وأنا أعصيه، ويُعَظِّم النعمة عليَّ فلا أجازيه، فكم من موهبة هنيئة قد أعطاني، وعظيمة مخوفة قد كفاني، وبهجة مُونقة قد أراني، فَأُثني عليه حامداً، وأذكره مُسَبِّحاً"(4).


1- بناء الشخصيّة في خطاب الإمام المهدي، يوسف مَدَن، ص119.
2- إقبال الأعمال، ابن طاووس، ص330.
3- م.ن، ص330.
4- م.ن، ص328 - 329.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع