مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

صوموا تصحّوا



ليس تطفلاً من الإسلام أن تعنى تشريعاته بشؤون الجسم كما تعنى بشؤون الروح، فهذا الدين الذي أعلن من أول يوم من نشوئه أنه دين الدنيا والآخرة، ليس كبقية الأديان التي احتجبت عن قطاعات واسعة من الحياة لتظهر في بعضها، بل أنه اقتحم الساحات كلها بسلاح العلم والمنطق وبدعم من التعبد الواعي بالأحكام الشرعية التي جاءت الدلائل كثيراً لتثبت صحتها ومقبولية الحكمة لها.

وقد تجلى اهتمام الإسلامي بالجانب الجسدي من الإنسان من خلال المجموعة الكبيرة من التشريعات التي كلفه بها الله سبحانه والتي تتبع، من حيث علتها الحكمية، ضرر شيء ما أو نفعه لجسد هذا الإنسان حتى ولو لم يدرك ذلك نتيجة قصوره العلمي أو عدم الإحاطة الكافية بالمعطيات.

ومن تلك التشريعات الصوم، فالصوم الذي شرعته الآية الكريمة:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون - قد ثبت له العديد من الفوائد الصحية على ألسنة أهل الاختصاص، وتأثيره الإيجابي على الجسم من الأمور المسلمة على الرغم من أن تذييل الآية الكريمة جاء بخصوص الفائدة المعنوية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى تلك الحقيقة في مقولته المشهورة "صوموا تصحّوا" التي أعطى فيها الصوم بعده الطبي كواحد من المميزات العديدة بما هو فائدة للإنسان.
وقد أصبح من غير الخافي على أحد ما للصوم من آثار اجتماعية وروحية، فهو يعطي النفس البشرية صفاءً لتسمو في مدارج الكمال المتمثل بكسر أغلال الدنيا من خلال هجر الشهوة وترك الرغبات والميول، وهو يغذي روح الإحساس بالآخرين خصوصاً في نفوس الأثرياء الذين يشعرون بألم الجوع فيشاطروا الفقراء أحاسيسهم ويواسوهم، إنما هل أن الآثار الصحية للصوم لها نفس الدرجة من الإيجابية؟
هل أن البقاء معظم ساعات اليوم من دون طعام ولفترة شهر كامل هو أمر مفيد لجسم الإنسان أم أنه إخلال لتوازن هذا الجسم الذي اعتاد على نمط معين من الحصول على الغذاء؟

في معرض الإجابة عن هذه التساؤلات نجد لزاماً علينا أن نشير أولاً إلى مسألة مهمة وهي أن ممارسة بعض الناس للصوم قد تجعل منه عندهم أمراً مضراً بصحتهم وذلك إذا كان مجرد ترك للأكل خلال النهار وفي آخره ملء معدة خاوية تتوق إلى اللحظة التي تغترف من مائدة الأطايب ما لذ وتحشوها على قاعدة "للصائم فرحتان فرح عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه" غافلين عن أن فرحة الإفطار هي بإدراك الليل وقد أدّى العبد ما عليه من الصيام واجتنب ما حرّم عليه من الذنب، وحتى إذا كانت الفرحة بمعنى التلذذ بالطعام فهي لا تعني حتماً النيل منه بمقدار المضرة و الأذية.

ثانياً نجد أيضاً أنه في حال عدم عثورنا على تعليل واضح لفائدة الصوم الصحية فلا يعني ذلك عدم وجودها، فكما يقول الحكماء "عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود" فلربما كان هنالك ألف مصلحة ولكننا نجهلها تماماً.
على كل حال وعلى الرغم من ذلك فقد أكدت معظم الدراسات الطبية التي أجريت مؤخراً أن نظام الحمية الغذائية التي يؤمنها الصيام على جانب كبير من الأهمية وأن الصوم بالمعيار الطبي يعتبر أسلوب معالجة وطريقة شفاء. فقد قام الأطباء بأبحاث دقيقة حول أسلوب التغذية لدى الإنسان المعاصر كانت نتيجتها أن الناس يأكلون ثلاثة أضعاف حاجتهم وهم بذلك "يحفرون قبورهم بأسنانهم" كما أكدت تلك الأبحاث أن المواد الضارة ليست المصدر الوحيد للأمراض، إنما هناك بعض المواد المغذية والنافعة قد تسبب أمراضاً خطيرةً لا يتوقعها الإنسان إذا كان تناولها بصورة غير معتدلة، ومن هنا فـ"درهم وقاية خير من قنطار علاج" إذ أن الصوم يساهم بنسبة كبيرة في ضبط عملية حصول الإنسان على الغذاء وجعلها عملية متوازنة.

كما قام الأطباء بعرض قائمة طويلة للأمراض التي يدخل الصوم كنسبة من نسب معالجتها، كأمراض القلب والتوتر العصبي والسكري وارتفاع ضغط الدم، كما أشاروا إلى أن بعض البكتيريا المسببة لأمراض خطيرة لا يقتلها إلا الصوم.

ويمكننا هنا أن نضرب مثالاً واقعياً يفيدنا من تصور الموضوع جيداً، وهو أننا إذا تصورنا خزان وقود السيارة الذي ما زال في داخلها منذ سنتين وقد تكدست على جدرانه الداخلية جميع الشوائب الداخلة مع الوقود، فإن الطريقة الوحيدة لتنظيف الخزان من ذلك هي إفراغه وتنشيف داخله، فيعود إلى سابق عهده في المحافظة على نظافة الوقود الموضوع فيه وبالتالي إلى عدم الإساءة لمحرك السيارة.
والصوم بالنسبة لمعدة الإنسان كتلك العملية بالنسبة لخزان الوقود.

أخيراً، بين جنبات الصوم خفايا كثيرة لم يتمكن العقل حتى الآن من الكشف إلا عن جزء قليل منها، والأديان السماوية كلها قد فرضته لما له من تأثير على الحياة المعنوية والمادية للإنسان وذلك ما يبرز أهميته كتشريع يوصل أبعادنا إلى كمالها اللائق.

فهلم إلى ربوع الصحة والتقوى هلم إلى شهر الله وضيافته.
هلم إلى الصوم حقيقة الصوم.



 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع