مع الإمام الخامنئي: القرآن منهاج حياة (*) أخلاقنا: الزواج سكــن واطمئنان (*) إضاءات فكرية: أساس التنمية الاقتصاديّة(*) تسابيح جراح: إنّكَ بأعيُننا أكبر "انقلاب" للإنفلونزا منذ 130 عاماً حلم الأنبياء مثال العلم والأخلاق أول الكلام: إنّي صائم مع الإمام الخامنئي: البعثة: بناءُ المجتمع الرسالـــيّ (*) نور روح اللّه: من آداب القـراءة عظمـة القـرآن

الإمام المهدي رمز العدالة الشَّاملة


في أجواء الولادة الغرّاء لسيد الأرض والسماء.. نقف على أعتابه.. نجدد العهد والولاء نناجيه.. نقدم بين يدي نجواه صدقة.. جهداً متواضعاً متوسلين القبول: يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوفِ لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.

* الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف رمز العدالة الشَّاملة
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا "النور - 55 ".
شهدت الحياة البشرية على هذه المعمورة طوال تاريخها فصولاً مريرة متواصلة من العذابات والاضطهادات، وسائر أنواع الظلم والجور. وقد دفع هذا بها إلى التطلع إلى حكومة عالمية واحدة يسود فيها العدل والسلام، وتهنأ في ظلها الحياة ويرغد العيش وينعم البشر بالأمان والسلام والوئام.
 

والتطلع إلى يوم العدل هذا لاقى، وما يزال، إجماعاً لا مثيل له من البشر. فأتباع الأديان الكبرى اتفقوا على ظهور شخص في آخر الزمان تنعم في ظله البشرية بالعدل والسلام. شواهد كثيرة من التوراة تحدثنا عن عيسى المخلّص، وأخرى إنجيلية تؤكد عودة "المخلّص " و"المسلّي " و"ابن الإنسان " الذي "عندما يأتي يملأ الأرض بالعدل والخير ويهدي إلى جميع الحقائق... " "إنجيل يوحنا - الإصحاح 16 ".
أما في الإسلام فقد تضافرت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تتحدث عن ظهور دين الحق والعدل وغلبة الحكومة الإلهية على سائر الطواغيت. قال تعالى في محكم كتابه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون َ"الأنبياء - 105 " وقال أيضاً: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ - القصص - الآية - 5
 

وليس هذا سعي الأديان العالمية الكبرى فحسب، بل إن جميع البشر، وبالأخص العلماء والفلاسفة في العالم يسعون للوصول إلى حكومة عالمية واحدة. فأتباع المدرسة الإلحادية المبنية على أسس المادية الديالكتيكية تنظر إلى التاريخ على أنه في مسار تطوري جبري إلى مرحلة نهائية تسمى بالشيوعية الأممية، تزول فيها الطبقية والفوارق الاجتماعية حتى أنه يُستغنى فيها عن الحكم والحكومة. ومن الطريف أيضاً أن العلم يرى أن المادة، من الذرة حتى المجرة، تنشد الثبات والاستقرار وتفر من حالات انعدام التوازن.
وإذا كان الحال كذلك، فما هي هذه العدالة التي ينشدها البشر؟ وما هوالضمان الفعلي لتحققها؟

* تعريف العدالة
يستخدم لفظ "العدالة " في معان متعددة. ولما كان حديثنا عن العدالة الاجتماعية، فقد عرّفها علماء الإسلام بأنها "إعطاء كل ذي حق حقه ". ويشكل هذا التعريف ميزاناً تقاس به وعلى أساسه كل العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهويستبطن في طياته وجود واجبات وحقوق لكل فرد من أفراد المجتمع.
وتوضيحه أن الإنسان يمتلك بفطرته قابلية واستحقاقاً، هذه القابلية عبارة عن مجموع الاستعدادات والقدرات عند الإنسان، والتي تمنح الفرد إطاراً يتحرك على أساسه، فإذا انسجم الإنسان وقابليته تلك، امتلك حقوقاً على قدرها. وكلما اتسعت قابليته كلما تملك حقوقاً أكثر.
 

وهنا يلزم أن نوضح مفهوم القابلية قليلاً حتى لا يختلط الأمر على البعض فتذهب بهم الظنون إلى أن القوي مثلاً يستطيع بقوته أن يتسلّط على الآخرين. فعندما نتحدث عن الاستعدادات والقدرات الفطرية للإنسان، نريد بها تلك القوى التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان، ووضع لها الضوابط التي تحدد إطار عملها، وبيّن وجه الاستفادة منها على ضوء مصلحة الفرد والمجتمع الإنساني، لا تلك التطبيقات الشاذة والمنحرفة عن مسارها المعين. فلواعتبرنا مثلاً القوة الغضبية منحة الله، ينبغي أن ننظر إلى دورها الذي أراده الله تعالى لها على الصعد المختلفة، من حفظ النفس ودرء الاعتداء وإقامة الحدود، لا أنها وسيلة للتسلط والقهر.
وبتعبير آخر أكثر دقة، فإن منبع الحقوق والواجبات التي يتمحور حولها العدل في الإسلام هوالتشريع الإلهي، هذا التشريع الذي يأخذ بعين الاعتبار الاستعدادات والقابليات الفطرية لدى الإنسان بما يخدم مصلحة الفرد والمجتمع.

* العدالة في نظر الغرب‏

إن بداهة مفهوم العدالة وكونها من المسائل الفطرية التي تتطلع إليها البشرية بشوق ولهفة، لم يحلْ دون أن يختلط الأمر على الكثيرين، وخاصة علمار الغرب، فينقلب العدل عندهم أبشع أنواع الظلم والقهر.
فلونظرنا في فلسفة نيتشه وميكافيلي، نجد أن العدالة عندهما ترادف معنى القوة. فالعادل هوالأقوى، والحق دائماً مع القوي لأنه يستطيع أن يفرض رأيه على الآخرين، والضعفاء لا يستحقون الحياة إلا بما يخدمون به مصلحة القوي.
 

والحاكم القوي لا ينبغي أن يخضع للقانون، لأنه لا يوجد من يجبره على ذلك، بل لا يوجد قانون بمعزل عن الحاكم فالحاكم هوالقانون.
فمنبع الحقوق والواجبات في هذه النظرة هوالقوة والحكومة مقابل التشريع الإلهي في الإسلام، وبذلك تشرّع قانون الغاب وتحكم على المجتمع بالزوال والغناء.
ولوألقينا نظرة في فلسفة راسل لم يختلف الأمر كثيراً. فهويرى أن العدالة وهمُ لا يمكن أن نطلبه من الناس، لأن الفرد مدفوع دائماً بدافع مصلحته الذاتية ومنفعته الشخصية. فالإنسان لا يفعل شيئاً دون منفعة لذاته، وإذا كانت العدالة تتحقق من خلال سعيه ضمن إطار عدالة المجموع، فماذا لوحصل التعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة المجموع؟
يقول راسل أن الضعيف سوف يلتزم بمصلحة المجموع، لكن القوي لن يخضع لذلك بدافع المصلحة الشخصية في أصل تكوينه.
 

إن الضعف الظاهر في هذه الأقوال وأمثالها يغنينا عن الرد عليها، خصوصاً إذا ما عرفنا أنها انطلقت من بيئة مادية بحتة لا تعرف للإيثار والتضحية وسائر الفضائل والقيم السامية أي معنى في حياة الإنسان.

* الضمان لتطبيق العدالة
بالعودة إلى الطرح الإسلامي، فقد ذكرنا أن العدالة في الإسلام تتحقق من خلال الالتزام بالتشريع الإلهي. والتشريع الإلهي في الوقت الذي يلاحظ مصلحة المجتمع الإنساني كمجموع، كذلك يلاحظ في الوقت عينه الاستعدادات والقابليات الفطرية عند الإنسان كفرد.
 

يتوهم الإنسان أنه مدفوع بشكل ذاتي وفطري لنيل بعض الكمالات المحدودة كالمال والجاه وإشباع بعض الغرائز والشهوات، ولكن حقيقة الفطرة أنا تشده دائماً نحوالكمال الأعلى الذي ما بعده كمال. وتسعى به للوصول إلى الله سبحانه وتعالى ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه. والطريق القويم لهذا السعي الفطري هوالالتزام بالتشريع الإلهي والتوجه إلى الله بالعبادة "... الجن والإنس إلا يعبدون ". وهكذا يتبين أن التشريع الإلهي الذي يحقق العدالة الإجتماعية يؤكد على الاستعدادات والقابليات الفطرية عند الإنسان ولا يلغيها بأي حال من الأحوال. فلا يجري هنا ما جرى على "راسل " من تعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
 

ثم إن الضمان الحقيقي لتطبيق العدالة في الإسلام هوالإنسان المعصوم. فالمعصوم هوالإنسان الكامل العالم بالشريعة والملتزم بها والمدافع عنها حتى بذل النفس. وبتعبير آخر فالمعصوم هوالمجسد الفعلي للقيم والمثل الإسلامية العليا. فقد ورد في وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم "كان خلقه القرآن ". وعن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أنه قال: "هذا القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق ".
والإسلام عندما طرح مبدأ العدالة الشاملة، تميز بأنه قدّم أربعة عشر نموذجاً معصوماً يشكلون ضماناً كافياً وعملياً لتطبيقها، والمهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف هوالنموذج الأخير المدخر لليوم الموعود، حيث يرأس الحكومة الإلهية التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

* صور عن عصر المهدي‏
في ذلك العصر الميمون يسود العدل ويلغى كل أنواع الظلم والتمييز، ويشعر الناس بالأمان والسلام، وتخرج الأرض كنوزها وخيراتها وتنتشر المعارف الإلهية بين جميع الناس.
فقد ورد في أحاديث كثيرة أنه "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً ". وعن الباقر عليه الصلاة والسلام "القائم منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر الله به دينه ول كره المشركون. فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمّر، وينزل روح الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فيصلي خلفه " وعنه عليه الصلاة والسلام أيضاً "...، فيعطيكم في السنة عطاءين ويرزقكم في الشهر رزقين وتؤتون الحكمة في زمانه، حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ". وفي سياق الحديث عن الرفاه الاقتصادي قال عليه الصلاة والسلام: "تخرج له الأرض أفلاذ أكبادها ويحثوالمال حثواً ولا يعده عداً ".
 

فعصر المهدي عجل الله فرجه الشريف هوعصر كمال البشرية على كافة الصعد لاسيما على صعيد تحقيق العدل بين الرعية، ولذا ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "المهدي يُبعث في أمتي على اختلاف من الناس والزلازل، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض فيقولون: الحمد لله الذي نجانا من شر هذا الظلم ".
 

وأخيراً، لا بد من الإلفات إلى نقطة مهمة وهي أن سبب حرمان الناس من بركات وجود إمام الزمان عجل الله فرجه الشريف بين ظهرانيهم، هوظلمهم لأنفسهم وانقطاعهم عن الله تعالى وعدم نصرتهم له.
وإنهم وإن كانوا كذلك، فإنهم ينتفعون به في غيبته عليه الصلاة والسلام. حيث أنه عليه الصلاة والسلام الحي، المدبر لشؤونهم، المراقب لأمورهم، الراعي لهم، والمؤثر فيما يجري عليهم. وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام حين سئل: ما انتفاع الناس بالإمام غائباً؟ فقال: "كانتفاع الناس بالشمس إذا حجبتها الغيوم ".
 

وإن أفضل احتفاء بولادته الميمونة، يكون بالعمل على إزالة الأسباب التي أدت به إلى الغيبة والاحتجاب عن الأنظار، وبالتمهيد لظهوره المبارك، والبيعة له عن طريق البيعة للقيادة المؤيدة والمرجعية الرشيدة المتمثلة بآية الله العظمى الخامنئي دام ظله ، النائب العام له عليه الصلاة والسلام. وهذه خطوة أولى في طريق الوصول إلى عصر العدالة الشاملة.

"اللهم إنا نرغب إليك، في دولة كريمة، تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين ".

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع