لستُ شيعيّاً وأحبُّ السيّد مرقد السيّد: ملاذُ القلوب في لبنان إحسان عطايا: السيّد في وجدان فلسطين سيّد شهداء الأمّة: طالبُ علم من النجف حتّى الشهادة الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم السيّد الحيدريّ: ارتباطي بالسيّد نصر الله ولائيّ وفقهيّ مع الإمام الخامنئي | أوّل دروس النبيّ : بنــاء الأمّــة* نور روح الله | تمسّكـوا بالوحدة الإسلاميّة* أخلاقنا | سوء الظنّ باللّه جحود* فقه الولي | من أحكام مهنة الطبّ

الشيخ جابر: شهيدنا الأســمى كـان سيّد القوم وخادمهم

حوار: هيئة التحرير

قلّة من عرفوا سماحة سيّد شهداء الأمّة من قرب، وقلّة كانوا من المحظوظين الذين تعاملوا معه مباشرة، وندرة ممن عملوا بقربه واستمر عملهم المباشر سنوات طويلة، تآخت خلالها قلوبهم مع سيّدٍ ندر نظيره.

هؤلاء القلّة الذين عرفوه مديراً ورئيساً ومنظماً وضابط إيقاع العمل، وعرفوه مخطِطاً ومدقّقاً ومتابعاً، وعرفوه حين يتّصل بهم هاتفيّاً ليلقي التحيّة ويسأل عن إنجاز عمل ما، أو يحمّلهم أداء أمانة وينتظر الخبر، أولئك نغبطهم على ذلك القرب، وتلك المعرفة، وذلك النور الذي اكتسبوه. حملنا قبساً من نوره في حوار الحنين والشجن واكتشاف من نوع خاص، مع سماحة الدكتور الشيخ علي جابر مدير مكتب المراجعات.

كيف كانت بداية لقائكم بسماحة السيّد، هل في قمّ أثناء الدراسة، أم في حزب الله؟
بدأت معرفتي بسماحة السيّد منذ قدومه من النجف إلى بيروت العام 1984م، إذ تعرّفت عليه في إطار تنظيميّ قبل أن أبدأ دراسة العلوم الدينيّة في قمّ. التقيت به لاحقاً في حوزة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في بيروت، حيث كان يقدّم دروساً حول ولاية الفقيه. لكن علاقتنا تعمّقت أكثر العام 1989م عندما انتقلت إلى قمّ للدراسة، فجاء السيّد إليها أيضاً للدراسة وبقي فيها نحو سنة، ثمّ عاد إلى لبنان. ظلّ التواصل قائماً من خلال زياراته إلى قمّ أو أثناء زيارتي لبيروت. وبعد استشهاد السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) العام 1992م وتولي سماحة السيّد الأمانة العامّة، اتّخذت اللقاءات طابعاً مختلفاً واهتمامات أوسع. وفي العام 1996م زار قم، فأخبرته بنيّتي العودة النهائيّة إلى بيروت، فقال لي: "عندما تعود، دعني أراك".

في صيف 1997م، عدت إلى بيروت والتقيت بسماحة السيّد الذي دعاني إلى التحرّك ضمن فضاءات العمل المتاحة، مشدّداً على أهميّة توزيع المهام بناءً على الكفاءة وليس بشكل عشوائيّ. وبما أنّي من الرعيل الأوّل في حزب الله وعضوٌ في التشكيلات قبل العام 1989م، بدأت بالعمل في المجالات الثقافيّة والتربويّة، ثمّ في المؤسّسة الإسلاميّة للتربية والتعليم، قبل أن أنتقل إلى العمل القضائيّ لثلاث سنوات، كنت خلالها على تواصل دائم مع السيّد الذي كان يحوّل لي ملفّات قضائيّة خاصّة. ومع ضغط العمل بين 1999م و2001م، قرّرت التوقّف عن العمل في القضاء. وبعد إشرافي على آخر دورة لانتخاب الأمين العام، التقيت السيّد مجدّداً في العام 2001م، فعرض عليّ العمل معه مباشرة كـ"ضابط متابعة" في الأمانة العامّة، وهو توصيف جديد بالنسبة إليّ، فقبلت وبدأت العمل كما طلب منّي.

كيف تأسّست وحدة مكتب المراجعات التابعة للأمانة العامّة؟
بعد العدوان الصهيونيّ العام 2006م، وتأسيس مشروع "وعد"، ازدادت الرسائل والمتابعات الصعبة والحالات الحرجة الواردة إلى سماحة السيّد، ما دفعه إلى إنشاء وحدة جديدة تابعة له تحت اسم "وحدة المراجعات". ومع توسّع العمل، أصبحت أتابع جميع الشكاوى المتعلّقة بمشروع "وعد" وإعادة الإعمار، إلى جانب ملفّات أخرى تتّصل ببريد سماحة السيّد، وكان هذا البريد في الغالب ذا طبيعة خاصّة. وقد أوصى سماحته جميع الوحدات بإحالة الشكاوى إليّ مباشرة، وكان يردّد: "كلّ الشكاوى تُبعث لأخينا الشيخ علي".

بالإضافة إلى ذلك، كلّفني سماحته بالأمور الشرعيّة الحسبيّة، كمتابعة مسائل الخُمس، والمصالحات، والحسابات، واستلام المبالغ وتحرير الإيصالات. كما كُلّفت بمتابعة عدد كبير من القضايا، منها ما يتعلّق بعلماء الدين، وشكاواهم وحاجاتهم. أمّا على المستوى التنظيميّ، فقد تولّيت ملفّ الرسائل والشكاوى وفق آليّات محدّدة ومتّفق عليها مع سماحته، بحيث كنت أتابع كلّ رسالة أو شكوى حتّى أحصل على الجواب المناسب. ويمكنني القول إنّ علاقتي العمليّة المباشرة بسماحة السيّد امتدّت لأكثر من 23 عاماً.

لماذا كان يرعى سماحته ملفّاً خاصّاً بتزويج الشباب؟
قبل العام 2006م، كان ثمّة جانب لطيف من شخصيّة سماحة السيّد يتعلّق بملفّ الزيجات. فقد كان اجتماعيّاً بدرجة كبيرة، خلافاً لما يظنّه بعضهم بأنّه يعيش في عزلة عن المجتمع. كان مطّلعاً على أوضاع الناس ومهتمّاً بشكل خاصّ بشؤون الشباب، وحريصاً على تزويجهم ومساعدة من يطلب ذلك. كان يتلقّى الطلبات ويُجري بنفسه عقود الزواج، ولم يرفض أيّ طلب.

لكن مع ازدياد الأعداد وتعقيد المتابعة، قال لي السيّد بلطف: "تولَّ هذا الملفّ"، فبدأت أستقبل الراغبين في الزواج في الأمانة العامّة، وأقوم بتعبئة بياناتهم من أسماء ومهر وتفاصيل أخرى. وفي حال تمّ التوافق، يُحال الملفّ إليه مباشرة. وكان يقول مازحاً: "أنا ما بدّي فوت على ألغام". كنت أتولّى حلّ أيّ إشكال قبل أن يدخل السيّد لإجراء العقد والتقاط الصور مع العروسين. أحياناً، كنّا نبقى لساعات متأخّرة ليلاً بسبب كثرة الحالات، وكان السيّد يواصل التزويج بينما أجهّز العقود وأرتّبها.

السيّد والقراءة، كيف تتاح له المطالعة ضمن كلّ انشغالاته؟
قبل العام 2006م، كان سماحة السيّد يفتح مكتبه لساعات متأخّرة من الليل، ويعقد لقاءات وجلسات متواصلة. وكان من طبعه المعروف أنّه لا ينام ليلاً، بل ينام بعد صلاة الصبح. فبعد الانتهاء من التزاماته، يخصّص ما تبقّى من الليل لنفسه، وغالباً ما كان يقضيه في المطالعة. كان قارئاً نهماً، يقرأ في الأسبوع كتابين أو ثلاثة، وقراءاته كانت منتظمة وموجّهة بحسب الأحداث.

عند سقوط نظام صدّام حسين وبداية الوضع الجديد في العراق، لم يترك كتاباً يتناول التاريخ العراقيّ إلّا وقرأه، وكنت شاهداً على ذلك. كان يتابع أيّ حدث من جذوره، ويطّلع على خلفيّاته وتحليلاته ودراساته. وفي أحيان كثيرة، كان يطلب منّي أو من بعض الإخوة تأمين كتب معيّنة في موضوعات محدّدة، فنحضرها له.

السيّد بعد الـ2006م، كان حاضراً بين الناس ومواكباً للمناسبات، هلّا شرحتم لنا اهتمامه بالمناسبات الاجتماعيّة؟
في ما يخصّ ملفّ علماء الدين، خاصّة كبار السنّ منهم، كان سماحة السيّد يتابع أوضاعهم عن كثب. كان يتّصل بي ويقول: "اذهب إلى العالم الفلاني وتفقّده، كيف حاله؟ كيف صحّته؟ هل يحتاج إلى شيء؟". كما كان يطلب منّي القيام بواجبات العزاء عند وفاة أحدهم، فيقول: "شيخنا، قُم بتعزية ذويه"، وكان يُكلّفني أيضاً بتمثيله في مناسبات خاصّة، لألقي كلمة باسمه وأشكر الحضور.

علاقتي بعائلته كانت مباشرة ووثيقة، وكنت أتابع ما يُطلب منّي بما يخصّ والدته (رحمها الله)، ووالده وإخوته. في مناسباتهم الخاصّة، كان السيّد يقول لي: "تابع هذا الموضوع"، فأذهب وأهتمّ بالتفاصيل. حتّى في حالات الوفاة التي يسمع بها، يسألني: "شيخ، أذهبت وعزّيت؟". وكان يُذكّرني دائماً بهذه الواجبات، على الرغم من معرفته بأنّها موزّعة جغرافيّاً بين الجنوب، والبقاع، وبيروت، ما شكّل ضغطاً عليّ أحياناً، لكنّني كنت أحرص على تلبيتها قدر المستطاع. وكان السيّد، على الرغم من الظروف الأمنيّة، حريصاً على أن لا يفوته واجب اجتماعيّ.

السيّد المدير، كيف تصفون شخصيّته كمدير؟
لقد اكتسبت الكثير من سماحة السيّد، فالتعامل معه عن قُرب، بما يحمله من ذكاء، وأخلاق رفيعة، وكاريزما استثنائيّة، يجعلك تتأثّر به تلقائيّاً. كثير من الخصال التي أمتلكها اليوم أعدّها انعكاساً لمزاياه، فكلّ من عمل تحت قيادته تأثّر بها.

كان السيّد مديراً يتميّز بثلاث سمات بارزة:
1. الاهتمام بالتفاصيل: لم يكن يتحدّث بالعموميّات، بل يدخل مباشرة في التفاصيل العمليّة ويتابع الإنجاز بنفسه. كان يراجع تنفيذ المهام بدقّة ويتفقّد حتّى أصغر الأمور التي قد يراها بعضهم غير استراتيجيّة. وكان يقول لي دائماً: "إذا اقتصرنا على الأمور الاستراتيجيّة، فمن يهتمّ بتفاصيل الناس والإخوان؟".

2. عقل منظّم: كان كلّ ما يتعامل معه يخضع لتنظيم وبرمجة دقيقة، بعيداً عن العشوائيّة أو الارتجال.

3. تمييز الأولويات: هذه السمة كانت أساسيّة في فكره وسلوكه العمليّ، سواء في العمل التنظيميّ أو في السياسة. لم يكن يخلط بين المهمّ والثانويّ، بل كان ينسج أولويّاته بدقّة، ويضع الأساسيّ قبل التفاصيل. هذا النهج انعكس حتّى في تعاطيه السياسيّ، بحيث كانت أولويّته دائماً هي الحفاظ على السلم الداخليّ في لبنان. فقد كان يرى أنّ مقاومة الاحتلال لا يمكن أن تنجح بوجود صراع داخليّ أو حرب أهليّة. ومن هذا المنطلق، تعامل بتسامح ويقظة مع كثير من الغدر الذي تعرّض له في الداخل، من دون أن يفتح معارك جانبيّة. ومن أبرز أولويّاته أيضاً، حماية الوجود الشيعيّ في لبنان، والتي كانت وصيّة مباشرة له من السيّد الخامنئيّ دام ظله.

ماذا عن الاهتمام بالمرؤوسين، وبتفاصيل الشباب ووضعهم الماديّ؟
أتحدّث هنا عن تجربة شخصيّة، فقد كان سماحة السيّد يتفقّدني باستمرار. بعد فترة من الجهد المتواصل، أصبت بمشكلة في القلب ونُقلت إلى أحد المستشفيات غير المتخصّصة بعد إصابتي بكورونا، حيث خضعت لعمليّة تمييل وتبيّن وجود تضيّق في الشرايين، فتمّ تركيب راصورات. وعندما علم السيّد سألني: "لماذا لم تذهب إلى مستشفى القلب؟".

أوّل ما فعله عندما علم بالأمر، أنّه طلب من أحد الإخوة أن يذبح شاةً فديةً عنّي. وحين شكرته على ذلك وقلت له: "سيّد، لماذا كلّفت نفسك؟"، أجابني قائلاً: "نريد أن نحتاط، المهمّ أن تكون بخير". كان صادقاً ووجدانيّاً في متابعته، ويهتمّ كثيراً بالمعنويّات، ويحرص على دعم من حوله ومساندتهم بدقّة وحرص حقيقيّ.

ماذا عن البريد الخاصّ؟ هل كان سماحته يقرأ كلّ الرسائل التي تصل إليكم؟
كنت أتابع الرسائل التي تتضمّن طلبات المساعدة، والتي كانت تصلني من مختلف العائلات، ليس فقط من الوسط الشيعيّ، بل من السنّة وحتّى من المسيحيّين. كثير من هذه الرسائل كانت تأتي من عائلات فقيرة في عكّار والمناطق المحرومة، وكان سماحة السيّد يلبّي هذه الطلبات. كان يقول لي: "ثمّة حالة معيّنة، انظروا ما تحتاج، ساعدوها".

وعلى الرغم من وجود مؤسّسات تُعنى بهذا الجانب، إلّا أنّه كان يقول لي: "هم يطلبون منّي أنا شخصيّاً، وواجبي أن أساعدهم".

لا توجد رسالة وصلتني موجّهة إلى السيّد (وأشهد الله على ذلك) إلّا وأوصلتها إليه، إذ كنت مؤتمناً على بريده. وعلى الرغم من كثرة انشغالاته، كان يحرص على قراءة هذا الكمّ من الرسائل. كنت أعدّ له تقارير منظّمة، أرتّب فيها الرسائل بحسب الموضوع والأولويّة، وكان يتابعها بدقّة.

كذلك، كانت ترد رسائل من محبّين من مختلف الطوائف: دروز، ومسيحيّين، وسنّة، يعبّرون فيها عن محبّتهم ومشاعرهم تجاه السيّد الذي لم يكن يترك رسالة من دون ردّ، وكان يقول لي: "اتّصل بهم واشكرهم". وكنت أُجري الاتّصالات فعلاً، وأتقدّم بالشكر باسمه، فكان وقع ذلك على الناس كبيراً، إذ يشعرون أنّهم نالوا تقديراً كبيراً، لأنّ السيّد -مع مسؤوليّاته الجسيمة- قرأ رسائلهم واهتمّ بها. كان لا يقبل أن تُرسل رسالة إليه من دون أن نردّ عليها. لقد كان حريصاً إلى أبعد الحدود على بناء علاقة صادقة ومباشرة مع الناس.

حدّثنا عن القائد الذي لا ينحني، كيف كان يتصرّف عندما تواجهه ضغوط كبيرة؟
لا أستطيع أن أتخيّل مسؤولاً تحمّل هذه الأعباء والضغوط كما فعل سماحة السيّد. لم يقل كلمة "أخ" أو يعبّر عن تعبه، لم يشتكِ يوماً، وكان يتحلّى بصبر غير طبيعيّ ولا يشكو من الضيق. وقد روى في مناسبات أنّه حين يشعر بثقل المشاكل والضغوط، كان يتمنّى لو يكون إمام مسجد في قرية صغيرة، يجلس مع أهلها البسطاء ويؤدّي واجبه كعالم دين بعيداً عن هذا العبء الكبير.

وكان للسيّد الخامنئيّ دام ظله دورٌ كبيرٌ في دعم إرادة السيّد، إذ كان يقول له: "يجب أن نتحمّل هذه المسؤوليّات ونتوجّه إلى الله تعالى وصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف". وعندما كان يشعر بالضيق، كان يلجأ إلى الاستماع إلى مجالس العزاء أو القيام بخلوة مع الله ليبوح له بما في نفسه، من دون أن يبوح أو يشكو أمام الناس، وهذه من الصفات النادرة جدّاً في الإنسان.

السيّد الإنسان، ما هي أكثر مزاياه الإنسانيّة التي رأيتموها عمليّاً من خلال تواصلكم المباشر؟
على الرغم من دقّة السيّد في متابعة التفاصيل وصرامته في العمل، فقد كان يتمتّع بقدرٍ كبير من الحنان والعاطفة، وقد ظهرتا بشكل جليّ في فتراته الأخيرة. كان السيّد لا يمنع دمعته من الظهور في المواقف الوجدانيّة؛ فمن المعروف عنه أنّه يبكي عند رؤية الجرحى. في حادثة جرحى "البايجرز"، لم أكن حاضراً معه حينها، لكنّ ابنه جواد قال: "لم أرَ والدي يبكي كما بكى في يوم البايجرز"، وكانت صدمة وجدانيّة كبيرة بالنسبة إليه، وقد رافقها أيضاً غضب شديد نتيجة ما حصل.

شخصيّة السيّد كانت متفاعلة بعمق مع الأحداث، فإذا تطلّب الموقف غضباً اشتدّ، وإذا استدعى وجداناً لم يكن أحد أكثر تأثّراً منه. من أبرز صفاته أيضاً كرمه الاستثنائيّ وزهده في الدنيا على الرغم من كثرة ما كان يحيط به من مغريات. لم يكن يحتفظ بأيّ شيء لنفسه؛ فكلّ الهدايا التي كانت تُرسل إليه، سواء كانت أموالاً أو أشياء عينيّة، لم يكن يستخدمها لنفسه. الهدايا العينيّة التي تصلح لعوائل الشهداء كنت أحتفظ بها في خزائن خاصّة، وكان يُخصّصها لهم وللعوائل الفقيرة. أمّا الأموال، فكان يوزّعها بالكامل على المحتاجين والعلماء والإخوة، من دون أن يرسل منها شيئاً لعائلته.

ومن شواهد زهده، أنّه حين أُهدي له خاتم السفير الرابع للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، عليّ بن محمّد السمريّ، لم يحتفظ به، بل أرسله إلى الإمام الخامنئيّ دام ظله، الذي بدوره لم يحتفظ به أيضاً، بل أرسله إلى متحف الإمام الرضا عليه السلام. كان السيّد ينفق كلّ ما يصله، مقتدياً بقول جدّه أمير المؤمنين عليه السلام: "المال الذي نفعك ما أنفقته، لا ما أبقيته".

للمسجد اهتمامّ خاصّ لدى سماحته، كيف رأيتم ذلك؟
أنا إمام مسجد، وقد ألزمَني السيّد بأن أكون كذلك، على الرغم من تقدّمي في السنّ. كان يهتمّ كثيراً بأمر المساجد، وكان يقول دائماً: "لو كنت أستطيع، لكنتُ أنا إمام مسجد".

حين أتيت إلى الأمانة العامّة العام 2001م، سلّمني السيّد مجمع الإمام الجواد عليه السلام في منطقة المريجة. بدأتُ الصلاة فيه على التراب، حيث لم يكن المجمع مجهّزاً بعد، فقال لي: "ابدأ، والله يبارك". فبقيت فيه إماماً لمدّة 20 سنة. وبعد أن بدأت أعاني من مشاكل صحيّة، اضطررت إلى الاعتذار وترك المجمع لمدّة 6 إلى 7 أشهر. لكنّ السيّد، وكذلك السيّد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله عليهما)، طلبا منّي أن أؤم الصلاة في مسجد جديد. قلت لهما حينها إنّني بحاجة إلى الراحة، لكنّ السيّد أجابني: "يوجد مسجد في مجمّع وله خصوصيّة، لأنّ فيه مغتربين شيعة، وبيئتهم مختلفة".

السيّد كان حريصاً جدّاً على قضيّة إمامة المساجد، وكان يرى أنّ على علماء الدين أن يؤمّوا الناس، ويشاركوا في المصلّيات والمساجد، ويحضروا المناسبات الدينيّة، وأن يبقوا دائماً على تواصل مباشر مع الناس، ويقدّموا نموذجاً إيجابيّاً في العلاقة والسلوك والأخلاق.

إلى أيّ حدّ كان سماحته ذائباً في الإمام الخامنئيّ دام ظله؟
كان السيّد (رضوان الله عليه) ذائباً بالكامل في شخصيّة الإمام الخامنئيّ دام ظله، فقد كان يعدّه الأب الروحيّ له، ويُكنّ له محبّة وولاءً استثنائيّين. كان السيّد من أوائل المنظّرين لولاية الفقيه في لبنان، وكان حاضراً في تلك اللحظات التأسيسيّة، وأنا كنت شاهداً على ذلك. فقد كانت ولاية الفقيه فكرة جديدة في بيئتنا، وكان السيّد يعمل جاهداً لتبسيطها وتسييلها للناس، ليعيشوا في بركاتها ويؤمنوا بعمقها العمليّ والروحيّ.

وللسيّد أيضاً علاقة عائليّة خاصّة مع بيت الإمام الخامنئيّ دام ظله وأولاده، حتّى أنّه في إحدى زياراته إلى طهران، عبّرت زوجة الإمام عن رغبتها في لقائه، وتمّ اللقاء، ما يعكس عمق العلاقة الروحيّة والوجدانيّة التي ربطت السيّد بعائلة الإمام الخامنئيّ دام ظله.

لقد كان ولاؤه للإمام مطلقاً، حتّى أنّه كان يقول بصدق: "يا ربّ، لا تأخذ من عمري وتعطه له، بل خُذ كلّ عمري وأعطه له". كانت هذه كلماته الأخيرة التي طالما ردّدها، وأوصى بها، وكرّس حياته لتأكيدها: ضرورة الالتصاق بالقائد والرجوع إليه في كلّ أمر.

وكان دائماً يكرّر: "نحن بخير إذا كان القائد بخير، وإذا كان القائد بخير، فإيران بخير، وإذا كانت إيران بخير، فنحن في لبنان بخير".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع