لقاء مع المجاهد الجريح لواء
حنان الموسويّ
كنت أنتظر اللحظة التي ستغادر فيها روحي هذا الجسد الذابل حتّى أنضمّ إلى قافلة الشهداء، ولكنّ مسعفاً أبى إلّا أن يحاول المحاولة الأخيرة، بعد أن اتّجه بي إلى بعلبك على وجه السرعة.
* صبرٌ واحتساب
كان أخي برفقة خالي في مستشفى دار الحكمة يساعدان في نقل الجرحى. وعند وصول الإسعاف التي تقلّني، اقترب أخي من السيّارة وأسرع بحملي، فعرفني رغم تغيّر ملامحي وتورّم وجهي. أمّا أمّي، فعند وصولها إلى المستشفى، نزعت عنّي بزّتي العسكريّة المشبعة بالدماء. وبعد أن صارحها الطبيب أنّي خسرت إحدى عينيّ، حاولت إيقاظي فاستجبت لصوتها وفتحت عينيَّ، فانبرت تدعو لي، وسجدت لله شكراً. خضعت لجراحةٍ دامت ستّ ساعات إذ استأصلوا ما تبقّى من العين ورممّوا الجرح.
* وجهٌ جديد
استيقظت في اليوم التالي ظهراً. طلبت من أهلي أن يحضروا لي مرآةً رغم علمي بفقدان عيني. رأيت وجهي الجديد بكامل تورّمه، فحمدت الله على ما أكرمني به، وتقبّلت إصابتي. ولأنّ الطلقة كانت مسمومة، عانيت من التهاباتٍ حادّةٍ ما استدعى نقلي إلى مستشفى بهمن في بيروت حيث بقيت شهرين. كما خضعت لأربع جراحاتٍ لترميم عظم الوجه والحنك. أثناء عودتنا إلى القرية، قدتُ السيّارة وصولاً إلى المنزل برفقتي أهلي وخطيبتي، وهذا ما أشعرني بعودتي إلى الحياة الطبيعيّة، وأنّ شيئاً لم يختلف.
* صديقٌ شهيد
مكثت شهرين في المنزل فضاق صدري. قرّرت العودة إلى العمل الجهاديّ، وقد ساعدني في ذلك رفيق والدي. استثناءً، تقبّل المعنيّون عودتي إلى العمل، وتحديداً في سوريا، حيث تنقّلت بين مدن حلب ويبرود والقلمون بصفتي مسانداً للهجوم. وخلال هذه الفترة، ارتقى العديد من أصدقائي بين شهيدٍ وجريح. تزوّجت عام 2015م، ورزقني الله بطفلين: صبيٌّ وفتاة، تعلّقي بهما لم يثنني عن التوجّه إلى الجبهة مجدّداً، خاصّةً بعد استشهاد صديقي المقرّب ياسر شمص في الهجوم الأوّل على الدواعش في السلسلة الشرقيّة عام 2017م. تأثّرت كثيراً عندما طلب والده منّي أن ألحده في قبره، هذا ما أضرم في داخلي نار الإصرار على متابعة المعركة.
* إصابةٌ جديدة
تسلّمت مهمّة خاصّة في 16/5/2017م، وبقيت أيّاماً عدّة في السلسلة الشرقيّة. لدى وصولنا إلى معبر ميرا، سمعنا إطلاق نار، فجاء الأمر بالانسحاب الفوريّ. سارت بنا الآليّة رويداً رويداً لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمراً، وإذ بها تدوس فجأةً على عبوة كان المسلّحون قد زرعوها سابقاً، فانفجرت وطارت بنا وانقلبت. أُصبت في قدمي وبرز عظمها، عندها، قفزتُ من السيّارة، رفعتُ قدمي المصابة بيدي، واحتميت لأنّ المسلّحين اكتشفوا مكاننا إثر الانفجار، واستهدفونا بوابلٍ من النيران، كما أنّ السائق والمرافق أصيبا أيضاً في أقدامهما. كانت قدمي شبه مبتورة وقد تعلّقت بكامل عزمها بما تبقّى من الجلد. حملت هاتفي واتّصلت بالإخوة لأخبرهم بما حصل.
* ألمٌ حادٌّ
كان ألم الإصابة حادّاً، لأنّ موجة الشظايا تناثرت في جسدي، وضغط الانفجار تسبّب بخروج عيني الزجاجيّة، فسال الدم على وجهي. طلبت من المسعف أن يعطيني مسكّناً، وسط دهشته ممّا رأى، صدمتُه منَعَتهُ من إخباري بأن عيني قد فقئت، فتبسّمت له وأخبرته بأنّها إصابة قديمة. نُقلنا إلى مستشفى قارة، بقينا يوماً واحداً حيث عاقرت الكثير من المسكّنات، وكنت طوال الطريق أمازح الإخوة في الإسعاف، كما دأبت على تسلية رفاقي قبل انفجار العبوة. وصلنا إلى مستشفى البتول ومنها إلى مستشفى دار الحكمة حيث خضعت لجراحة تثبيتٍ للكاحل والأصابع عبر الصفائح والبراغي استمرّت أربع ساعات. بعد شهرين، خضعت في بيروت لعمليّة ترميم الأوتار، وما زالت قدمي معطوبة حتّى الآن. اتّصلت بصديقي طبيب العظم وطلبت منه الحضور إلى المستشفى ليجري لي الجراحة فور وصولي.
أخي كان يتوقّع إصابتي بسبب غيابي عن المنزل، وقد وصله الخبر سريعاً. فأبلغ الأهل، ثمّ اصطحب زوجتي ليلقياني في المستشفى.
* استثمار الألم
بقيت حبيس المنزل خمسة أشهر حتّى ضاق صدري، وخلالها خضعت لعلاجٍ فيزيائيّ مكثّف، فقرّرت متابعة دراستي، وحصلت على شهادة TS في اختصاص هندسة الإلكترونيات وLT في اختصاص إدارة الأعمال. وبعد إلحاح كبير، وافق المعنيّيون على رجوعي إلى العملبقدر استطاعتي. أتابع حاليّاً الملف الرياضيّ في مؤسّسة الجرحى، مثل كرة القدم والسباحة، و"البينج بونج" وكرة السلّة، وأنشأت فرقاً خاصّة بهذه الرياضات، وقد حصّلنا مجموعة كؤوس وميداليّات. ذاع صيتي حتّى وصل إلى وزارة الرياضة، فذهبت مع وفدٍ لبنانيٍّ ضمن بعثةٍ رياضيّةٍ إلى أفريقيا برفقة فريق المؤسّسة، وقد حصلنا على الميداليّة الذهبيّة الوحيدة لفرق ذوي الإعاقات.
كما أنّي خضعت لدورات تأهيليّة مع المؤسّسة في اختصاصات عدّة، وأخرى في الرماية واللغة الفارسيّة، ودورة مع الجيش اللبنانيّ للتوعية من مخاطر الألغام، وأضحيت مدرّباً للتوعية من مخاطرها، وشاركت مع الاتّحاد اللبنانيّ في ألعاب عدّة.
* جهاد على جبهات عدّة
أثناء جولتي على المعسكرات، ألتقي ببعض الشبّان اليافعين الذين علموا أنّي أعمل تطوّعاً، فشجعهم ذلك على الرضى والقناعة والزهد عمليّاً. كما ألتقي فئة الأكبر سنّاً الذين أخبرونيّ بأنّهم يخجلون من التذمّر أثناء تأدية أيّ عملٍ جهاديٍّ مهما كان شاقّاً عندما يجدون جريحاً مثليّ مثابراً ومقداماً في عمله رغم وضعه، وأنّ هذا يمدّهم بالعزيمة أكثر.
على الصعيد الاجتماعيّ، استفدت من محاضرات السيّد كميل باقر زادة حول جهاد التبيين حتّى رحت أمارسه على مستوى الفئة الاجتماعيّة المتعلّمة والمثقّفة، حيث يكمن دوري في إقناعهم في سبب تمسكّي بقرار المقاومة عبر الأدلّة والبراهين، وضرورة تلك المعركة لحماية أنفسنا. وكذلك للفئات الاجتماعيّة الأخرى، فليس الجميع يدرك أنّنّا مجاهدون سلكنا هذا الطريق قناعةً وطوعاً.
* بوح وفاء
أمّا كلامي عن مؤسّسة الجرحى فيتيم، إذ مهما تحدّثت لا أفي العاملين فيها حقّهم وقدرهم، فهم يعاملوننا بفائض العطف والقربى، وعندما نكون بينهم، نكون مع عائلتنا.
الاسم الجهاديّ: لواء.
تاريخ الولادة: 5/8/1990م.
تاريخ الإصابة الأولى ومكانها: القصير 21/5/2013م.
نوع الإصابة الأولى: استئصال العين اليسرى.
تاريخ الإصابة الثانية ومكانها: جرود عرسال 20/5/2017م.
نوع الإصابة الثانية: تلف القدم اليسرى.