نور روح الله: مــن آداب التسبيحـات(*) مع الخامنئيّ: الإمام عليّ: ذروة الكمـال (*) أخلاقنا: المنافق مخادعٌ نفسه(*) مناسبة: رحمة الشهر الأصبّ عمـاد: 25 عاماً عملنا معاً عقائدنا: ما هو البداء؟ مفاتيح الحياة: آداب بناء الدار(*) قصة: لحظة لا تُنسى! مع الإمام الخامنئيّ: تقدّم النساء ببركة الزهراء (*) مع إمام زماننا: هل يعيش الإنسان قــرونــاً؟ (1)(*)

السيّدة زينب عليها السلام مسيرة جهاد في بيان الحقّ

إيمان شبلي

 

ليس غريباً على من ولدت في بيت الجهاد والإيثار، ونشأت في أحضان النبوّة والإمامة، وزُقّت العلم زقّاً، أن تتجلّى فيها كلمات الله وآياته البيّنات؛ فتنطق كنطق عليّ وفاطمة عليهما السلام أمام أهل الكوفة معلنةً صرخة جهاد التبيين.

في تلك الخطبة، أثبتت مولاتنا السيّدة زينب عليها السلام أنّ جهاد التبيين يعمّ الجميع، كلٌّ في مورده، رجالاً ونساءً. ولنا هنا أن نسأل: ما هي المقوّمات التي ينبغي أن تتوفّر في المرأة لتؤدّي جهاد التبيين، تأسيّاً بجهاد كلّ من مولاتنا السيّدة الزهراء عليها السلام ومولاتنا السيّدة زينب عليها السلام؟

* عناصر جهاد التبيين عند السيّدة زينب عليها السلام
1. الصدّيقيّة: يقول علماء اللغة إنّ الصدّيق والصدّيقة تأتي للدلالة على كثرة اتّصاف الموصوف بالصدق والتصديق، وهي أبلغ من الصدوق. ويقول سماحة الإمام الخامنئيّ دام ظله: "فالصِدّيقُ هو الشخصُ الذي يُظهر ما يعتقدُه ويقولُه على سلوكِه وفعلِه، وكلّما كان هذا الصدّيقُ أكبرَ، كانتْ قيمةُ الإنسانِ أكثرَ، فيكونُ صدّيقاً، كما قالَ تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (النساء: 69)، حيث جاءَ ذكرُ الصدّيقينَ بعد النبيينَ، فالأساسُ هو عبادةُ اللهِ"(1).

إنّ من يتتبّع كلام مولاتنا الحوراء زينب عليها السلام أمام يزيد قائلة: "فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند، وأيّامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم (ينادي المنادي) ألا لعنة الله على الظالمين"(2)، يجد فيه العلم بحقائق الأشياء وبمغيّباتها، واليقين بوعد الله، والتشخيص الدقيق لمجريات الأحداث وتبعاتها، والنظرة الاستشرافيّة التي تستشرف المستقبل وعواقب الأمور. كلّ ذلك كان حاضراً في فكر مولاتنا الحوراء زينب عليها السلام ووعيها، الذي هو من نتاج بلوغها مقام الصدّيقيّة.

2. العلم والمعرفة والفهم والحكمة: بحيث تكون هذه العناصر منبعاً للبصيرة، التي كانت سرّ قوّة السيّدة عليها السلام وشجاعتها؛ فترجمت ذلك في جهادها التبيينيّ ودورها الإعلاميّ؛ إذ لم تعتمد في خطابها وإعلامها وبيانها على عنصر العاطفة مجرّداً من عنصر العقلانيّة والحجّة والبرهان، ولم يكن في الوقت نفسه خطاباً وبياناً عقلانيّاً محضاً بعيداً عن تحريك العواطف والمشاعر واستثارة الوجدان والأحاسيس، بل كان خطاباً يجمع بين العقل والعاطفة في آنٍ معاً.

إذاً، استمدّ خطاب السيّدة زينب عليها السلام توازنه من نور البصيرة النابع من خالص العبوديّة، وسعة الأفق، وبُعد النظر المفاض عليها بالعلم والفهم. وهذا ما ينبغي على كلّ امرأة تحصيله، وذلك بشرطين اثنين: (تقوى الله تعالى-التفقّه في الدين).

3. متطلّبات الجهة المخاطَبة: وهو ما نستفيده من طبيعة خطاب الحوراء زينب عليها السلام، سواء في خطابها مع أهل الكوفة أو مع ابن زياد أو في الشام مع يزيد، أو عند رجوعها إلى المدينة والبدء بجهاد التبيين فيها؛ ففي كلّ محطّة نجد أنّ خطابها عليها السلام كان يتلاءم مع الجهة المخاطَبة، وقد اختارت عباراتها المؤثّرة التي تصل إلى العمق، وتهزّ الكيان والوجدان، وتكشف اللثام عن الحقائق المجهولة، فتبيّنها وتُظهرها لتترك أكبر الأثر في النفوس، وتبقى تردّداتها مفهومة لدى كلّ الناس في مختلف الأزمان.

فلا بدّ من أن يؤخذ بعين الاعتبار هذا المقوّم في جهاد التبيين، وهو الانطلاق من احتياجات الساحة ومستلزمات الميدان، وتقديمها بالأسلوب البيانيّ المؤثّر والجاذب، والاهتمام باحتياجات اليوم، وتطوير لغة الخطاب بما يتلاءم مع عقول الناس وأذهانهم واحتياجاتهم.

ويرى سماحة الإمام الخامنئيّ دام ظله أنّ "الإبداع في الأساليب بما يرضي قلوب المخاطبين وعقولهم، والاستفادة من قابليّات سبل رفع مستوى البصيرة، وصناعة الخطاب، كلّها من الشروط اللازمة في جهاد التبيين"(3).

4. لغة قويّة ومتينة: من مقوّمات جهاد التبيين أيضاً، متانة لغة الخطاب وقوّتها، والقدرة على صياغتها بأساليب متنوّعة تنفذ في القلوب والعقول، وهذا ما نلحظه جليّاً في خطبة السيّدة زينب عليها السلام لأهل الكوفة، حيث أدلت بالحجّة القرآنيّة الدامغة، من خلال اعتمادها:

أ- التمثيل والتشبيه: حيث شبّهت عليها السلام أهل الكوفة بتلك المرأة التي كانت تغزل الصوف هي وجوارٍ لها من الصباح ثمّ تنقضه عند الزوال، وقد صارت مضرب مثل لكلّ من نكث البيعة، وتخلّف عن الوعد، وتراجع عمّا تعهّد به؛ فأبطل ما أنجزه وأفسده، وهو ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ﴾ (النحل: 92).

ب- الاستشهاد بالآيات القرآنيّة: أي الآيات التي تحكي قواعدَ وسنناً تاريخيّة، كما في خطبتها في الشام أمام يزيد، حيث افتتحت كلامها بسنّة قرآنيّة تكشف حقيقة يزيد ومن هم على شاكلته، إذ بدأت بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون﴾ (الروم: 10). ومن ثمّ تُقرّع يزيد بحجّة دامغة وسنّة إلهيّة أخرى تستبطن تهديداً قرآنيّاً له، فتتلو عليها السلام قوله تعالى: ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (آل عمران: 178).

ج- التأكيد على الحقائق القرآنيّة الغيبيّة: حيث أكّدت ليزيد وللعالم أجمع افتخارها بالشهداء، الأحياء عند ربّهم يُرزقون، ولتقول له -بما معناه-: إيّاك أن تظنّ أنّك قد محيت أو أفنيت ذكر الشهداء ونهجهم، بل هم باقون، وآثار شهادتهم حيّة ونابضة مدى الدهر؛ وهذه حقيقة إلهيّة قرآنيّة أثبتها المولى عزّ وجلّ في كتابه بقوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (آل عمران: 169 - 170).

* جهاد التبيين لكلّ زمان
من المفيد جدّاً عقد مقارنة بين زماننا هذا وزمان السيّدة زينب عليها السلام لناحية أهميّة جهاد التبيين. وإذا ما فعلنا ذلك، فسنلاحظ، وبشكلٍ جليّ، أنّ ما تبثّه أدوات الحرب الناعمة من الأباطيل والأكاذيب، وتسقيط الدين وأتباع الحقّ ورموزه، لا يختلف أبداً عمّا قام به يزيد وكلّ الطواغيت والمستكبرين عبر الزمن. ولولا تصدّي القادة الإلهّيين لمخطّطات هؤلاء الشيطانيّة عبر جهاد التبيين والتنوير وكشف الحقائق، لما وصلنا شيء من الدين الحقّ.

وفي هذا المقام، يقول سماحة الإمام القائد السيّد علي الخامنئيّ دام ظله: "فلو لم تجدّ زينب الكبرى عليها السلام والإمام السجّاد عليه السلام في الجهاد، وإيضاح حقيقة فلسفة عاشوراء، وتبيين هدف الحسين بن عليّ عليهما السلام، وظلم الأعداء... لما بقيت حادثة عاشوراء نابضة وحيّة وملتهبة حتّى اليوم"(4).

فهنيئاً لمن كان في ركبهم، ونهض بجهادهم، جهاد التبيين والتنوير، فأنار العقول والقلوب، وميّز بين الجبهات والصفوف، واثقاً بوعد الله وسننه الحقّانيّة الحتميّة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 32-33).

 

(1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج45، ص135.
(2) موقع دار الولاية للثقافة والإعلام، مختارات من كلمات الإمام الخامنئيّ دام ظله حول عظمة السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام https://alwelayah.net/post/print/13340
(3) دار الولاية للثقافة والإعلام، جهاد التبيين مقابل التحريف. https://alwelayah.net/post/41792
(4) من كلمة للإمام الخامنئيّ دام ظله، بتاريخ 8/9/1989م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع