آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

الوصيّة ميراث الروح

الشيخ أبو صالح عبّاس


يتصالح المؤمن مع فكرة الموت، ويتعامل معها بوصفها نهاية مرحلة وبداية أخرى، وينظر إلى حياته على أنّها أوسع من حدود الحتف الحتميّ، وتتعدّى خطّ النهاية الجسديّة التي تحدث بالموت. ولهذا، فإنّه يفتّش في حياته عن إشعاعات لا تذهب بذهاب بدنه، ومن هذه الإشعاعات، كتابة وصيّة. من هنا، سيتناول المقال الحديث عن الوصيّة وأنواعها.

•الوصيّة زرع الخير
يحاول المؤمن أن يضمن لنفسه الزيادة في نطاقه الوجوديّ، إن كان لناحية زيادة الحسنات وعلوّ الدرجات، التى تنتج عن بعض الأعمال، كالتي يشير إليها الإمام الصادق عليه السلام في المأثور عنه من قوله: "لَيْسَ يَتْبَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِه مِنَ الأَجْرِ إِلَّا ثَلَاثُ خِصَالٍ: صَدَقَةٌ أَجْرَاهَا فِي حَيَاتِه فَهِيَ تَجْرِي بَعْدَ مَوْتِه، وسُنَّةُ هُدى سَنَّهَا فَهِيَ يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِه، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَه"(1)، أو لناحية اتّساع نطاقه الشخصيّ ليذوب في الجماعة والأمّة، فيرى أنّ من واجبه الأخلاقيّ أن يتحمّل مسؤوليّةً تُجاه الباقين في دار الدنيا من بعده، فيتحرّك في اتّجاهين؛ أحدهما مادّيّ، فيهب أعضاءه -مثلاً- ليُستفاد منها، بدلاً من أن تمسي طعمة لدود القبر، أو يهب من ماله مقداراً لصالح المؤمنين. والآخرُ معنويّ، فيهب من روحه وخلاصة فكره ونفسه وصيّةً، يروم بها زرع الخير بكلمات طيّبة ومفاهيم عميقة، لا يريد من ورائها إلّا الصلاح والرشاد للناس أجمعين.

•الوصايا الخالدة

دأب الأنبياء والأولياء عليهم السلام، والمؤمنون الواعون على الإيصاء، بكلّ ما من شأنه أن يزيد من حرارة النفوس المشتاقة إلى بارئها والعاملة لمستقرّها. وفي القرآن الكريم، آياتٌ تتحدّث عن وصيّة الله تعالى إلى عباده، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)، وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (الأحقاف: 15). وثمّة آياتٌ تخبر عن حرص الأنبياء عليهم السلام على الوصيّة، كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132).

وقد استعان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعترته عليهم السلام بالوصيّة لحفظ تعاليمهم وتوجيهاتهم للمؤمنين وللناس أجمعين، كوصايا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للإمام عليّ عليه السلام وبعض أصحابه، ووصايا الإمام عليّ عليه السلام لولديه الحسنين عليهما السلام وللمؤمنين وغيرهم، ووصايا الأئمّة عليهم السلام لأصحابهم ولعموم الناس كذلك. ومن هذه الوصايا على سبيل المثال، ما روي عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم من أنّه أوصى الإمام عليّاً عليه السلام فقال: "يَا عَلِيُّ، أُوصِيكَ فِي نَفْسِكَ بِخِصَالٍ فَاحْفَظْهَا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَعِنْه، أَمَّا الأُولَى فَالصِّدْقُ..."(2)، وما روي عن الإمام الصادق عليه السلام من قوله: "أوصيكم بتقوى الله، والعمل بطاعته واجتناب معاصيه..."(3)، وهي تعدُّ بعد القرآن أعظم الوصايا الواردة إلينا.

ويليها من حيث الأهميّة وصايا المقدّسين من أولي العلم والحكمة، كوصايا أصحاب الأئمّة عليهم السلام والعلماء والعرفاء والشهداء الأبرار. وقد شاع منها وصايا بعض العلماء الكبار إلى أولادهم مثل وصيّة العلّامة الحلّي، والعلامة الكراجكي، وابن طاووس وغيرهم.

ولعلّ أبرز الوصايا المعاصرة، الوصيّة السياسيّة الخالدة للإمام الخمينيّ قدس سره، والوصيّة الجهاديّة للقائد الشهيد قاسم سليماني (رضوان الله عليه)، وهذه الوصايا تعدّ بحقّ معالم حضاريّة وشواهد حيّة لا يمحوها الزمن.

•أنواع الوصايا

1. الوصيّة الشرعيّة
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180)، وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "ما ينبغي لامرئ مسلمٍ أن يبيت ليلةً، إلّا ووصيّته تحت رأسه"(4)؛ وهي إمّا تمليكيّة، كأن يوصي بشيءٍ من تركته، وإمّا عهديّة، كأن يوصي بما يتعلّق بتجهيزه، أو باستئجار الحجّ، أو الصلاة... وإذا ظهرت للإنسان علامات الموت، يجب عليه إيصال ما عنده من حقوقٍ للناس، وأداء ما عليه لخالقه، وإن لم يتمكّن من الإيصال، يجب عليه أن يوصي بذلك(5). 

2. الوصيّة العهديّة
وهي تعبّر عن رحمة الله وتفضّله على عبده، إذ فتح له باباً ليقوم بنوع من التعويض بعد موته. ومن ناحية أخرى، تعبّر عن درجة اعتناء الموصي بآخرته، واستعداده لموته، وتطلّعه لإصلاح أموره بعد الموت في قبره، ثمّ في حشره ونشره، وصولاً إلى تحديد مصيره النهائيّ. ومن ناحية ثالثة، تؤكّد دور عائلة الميّت لجهة تنفيذ الوصيّة، مضافاً إلى المساهمة في جبر ما فات فقيدَهم، وانشغلت به ذمّته.

3. الوصيّة الأخلاقيّة
هي وصيّةٌ ذات طابع أخلاقيّ تربويّ، وهي التي تقدّم الكلام في فلسفتها وأبعادها. فهي من أجلى مصاديق العمل لما بعد الموت، وتحقيق الجهوزيّة الروحيّة. ومن جهة أخرى، تعبّر عن عطاءٍ روحيٍّ عظيمٍ، يفتح أُفق المُوصي؛ ليخرج من أناه الضيّقة إلى فضاء الآخرين، فيمتدّ وجوده الدنيويّ بكلماته الطيّبة، ويتّسع عطاؤه موعظةً وتربيةً، كلّما قرأ الآخرون وصيّته، فتغدو بذلك زرعاً طيّباً، والقارئون لها بمنزلة حصّادين، ينعمون بجنى الوصية، كلّما جابوا روضاتها الغنّاء وحصدوا من أغراسها القدسيّة.

وثمّة كلام جميل للشيخ المفيد قدس سره يقول فيه: "فينبغي للمرء المسلم أن يتحرّز من خلاف الله تعالى وخلاف رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الوصيّة وإهمالها، ويستظهر لدينه، ويحتاط لنفسه بالوصيّة لأهله وإخوانه بتقوى الله عزّ وجلّ، والطاعة له، واجتناب معاصيه، وما يحب..."(6).

•كالمسترشد بالخريطة
بادر -أيّها المؤمن- إلى كتابة وصيّتك لأهلك وإخوانك وناسك، وخذ القلم بيدك واستودع وصاياك في أوراقك؛ لعلّك تضيء بها ظلمة تائه، أو تزيل بها ضلالة حائر.

لقد أثبتت التجربة أنّ الوصايا التي تصدر عن العاملين بمضامينها، تفتح أبواب القلوب وتلج النفوس أسرع من تلك التي تصدر عمّن يناقضها في سلوكه وأفعاله. لذلك، لا تنسَ حين الوصيّة لأهلك ولإخوانك بالتقوى والطاعة، أن تسبقهم إلى ذلك، فتتعامل مع ما تخطّه في وصيّتك كما يتعامل المُسترشد بالخريطة، حيث يتقيّد برموزها واتّجاهاتها؛ مخافة أن يتوه عن المقصد، وإلّا فما نفع الخريطة التي يستهدي بها الآخرون، فيما صاحبها يغرق في بحرٍ من الضياع والجهالة؟! 


1.الشيخ الكليني، الكافي، ج 7، ص 56.
2.المصدر نفسه، ج 8، ص 79.
3.الشيخ الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج 1، ص 116.
4.الشيخ المفيد، تفسير القرآن الكريم، ص 48.
5.الإمام الخمينيّ قدس سره، تحرير الوسيلة، ج 2، ص 93.
6.الشيخ المفيد، مصدر سابق، ص 49.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع