مع الخامنئي: الجهاد في حياة الإمام السجّاد عليه السلام (1) نور روح الله: المَلِكُ المعبود المستعان مع إمام زماننا: العدل في المدينــة المهدويّــة (*) أخلاقنا: الوسوسة العمليّة.. طاعة شيطانيّة(*) مجتمع: "سلام فرمانده" صرخة جيلٍ مهدويّ(1) مناسبة: ما زالت المُقاومة عزّنا: ومـحمّـد كَبُـــر حكايا الشهداء: "ذَهَبُ خلّة وردة" (2) تقرير: شباب مجتمع المقاومة (الملتقى الشبابيّ الأوّل) قرآنيات: تفسير سورة الهُمزة (*) آخر الكلام: مُرابط الصحراء(*)

إشراق الشهادة


الشيخ محمود عبد الجليل


تجلّت الصفات الإلهيّة بأروع صورها في المشهد الكربلائيّ؛ حيث اجتمعت الصفات والأسماء في وجود الإمام الحسين عليه السلام المقدّس، فلم تغب عنده صفة عن أخرى، بالرغم من كلّ الظروف والضغوط التي اجتاحت المولى عليه السلام في جسده وروحه وقلبه.

* جانب جماليّ مشرق
من هنا، لا بدّ من النظر إلى كربلاء من جميع جهاتها، وعدم الاقتصار على النظر إلى جانبها المأساويّ فقط، فما إن تحضر عاشوراء حتّى تحضر معها الفاجعة من سيل الدماء الزاكية التي روت أرض كربلاء، والأجساد المضرّجة والسليبة للإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام وأصحابه الشهداء، والخيام التي أُضرمت فيها النيران... إلّا أنّه كما لكربلاء مظهر جلاليّ ومأساويّ، فلها أيضاً مظهر جماليّ ومشرق، ويظهر بعضه في ما نجده من التناسق والتناسب بين الأوضاع والأحوال التي جرت على الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلاموأصحابه.

وما أجمل ما وصف به الشاعرُ محمّد مهديّ الجواهريّ الجمال الحسينيّ في عاشوراء! بقوله:

وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ

بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ

وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون

لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ

وأنْ تَتَّقِي دونَ ما تَرْتَئـِي

ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ

وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ

مِنَ "الأَكْهَلِيـنَ" إلى الرُّضَّـعِ

وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ

وخيرَ بني "الأب" مِنْ تُبَّـعِ

وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ

كَانُـوا وِقَـاءَكُ، والأذْرَعِ(1)

* نفسٌ مطمئنّة
استطاع الإمام الحسين عليه السلام أن يجمع بين الجانب المأساويّ والجانب الجماليّ، بل استطاع أن يجعل من الفاجعة والمأساة مظهراً جماليّاً، فإذا كانت نفس الحسين عليه السلام هي التي نقرأ عنها في سورة الفجر:﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفجر27-28)، فإنّنا نجده عليه السلام يبتسم في وقت مصرعه ليجمع ما بين الجمال والجلال في واقعة كربلاء؛ إنّه اليقين الذي تتجاوز به روحه وأفكاره الدنيا وحدود حبّ الذات؛ لتصل إلى الكمال الروحيّ المطلق، الذي يجعل صاحبه قدسيّ الذات لا يرى إلّا الله ولا يأنس إلّا به تعالى، ويرى كلّ ما يرتبط به جميلاً، ويحبّه ويرضى به.

* "ما رأيتُ إلّا جميلاً"
لذلك، لا بدّ أن نقرأ كربلاء بمعايير الجمال التي اختصرتها الحوراء زينب عليها السلام في جوابها لابن زياد، عندما قال لها: الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ عليها السلام: "إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا"، فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ عليها السلام: "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ، يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ"(2).

فقد صبغت بجوابها عليها السلام كربلاء بصبغة الجمال؛ فكانت كربلاء بكلّ فجائعها مظهراً لصبرها وقوّة إرادتها وصمودها من جهة، ومن جهة أخرى حوّلت الفاجعة إلى تسليم وارتباط وثيق بالله تبارك وتعالى. ولذلك، لم تعبِّر عن المصيبة بالحزن، وإنما عبَّرت عن المأساة بالجمال.

وعندما أقبلت قائدة المسيرة الحسينيّة عقيلة الوحي زينب عليها السلام إلى ساحة المعركة وهي تشقّ صفوف الجيش تفتّش عن جثمان أخيها الإمام العظيم عليه السلام، فلمّا وقفت عليه، شخصت لها أبصار الجيش، واستحال إلى سمع، بانتظار ماذا ستقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي مرّت عليها؟ لقد وقفت عليها غير مدهوشة، لم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال، فشخصت ببصرها إلى السماء، وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة قائلة: "اللّهم تقبّل منّا هذا القربان"(3)؛ وهو تعبير عن إيمانها بأنّه لا يصدر من الجميل إلّا الجميل.

* كربلاء لوحة الجمال الحسينيّ
في مقام استعراض الصور الجماليّة لكربلاء، سنجد العديد من المواقف للإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلاموأصحابه يتجلّى فيها مقام الجمال بأبهى صوره حتّى يكاد يطغى على الجانب المأساويّ، ومن هذه النماذج:

1- تعجّب الملائكة من صبر الإمام عليه السلام: يقول الشيخ جعفر التستريّ: "... تدبّر في أحواله وتصوّرها حين كان ملقى على الثرى في الرمضاء، مجرّح الأعضاء، بسهام لا تعدّ ولا تحصى، مفطور الهامة، مكسور الجبهة، مرضوض الصدر... القلب محروقٌ من ملاحظة الشهداء في أطرافه، ومكسورٌ من ملاحظة العيال في الطرف الآخر، الكفّ مقطوعٌ من ضربة زرعة بن شريك، والرمح في الخاصرة، مخضّب اللّحية والرأس، يسمع صوت الاستغاثات من عياله، والشماتات من أعدائه، بل الشتم والاستخفاف من الأطراف، ويرى بعينه إذا فتحها القتلى الموضوع بعضهم على بعض، ومع ذلك كلّه، لم يتأوّه في ذلك الوقت، ولم تقطر من عينه قطرة دمع، وإنّما قال: (صبراً على قضائك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين). وفي الزيارة: ولقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات. وروي عن الإمام السجّاد عليه السلام: "كلّما كان يشتدّ الأمر، كان يشرق لونه، وتطمئن جوارحه، فقال بعضهم: انظروا كيف لا يبالي بالموت"(4).

2- رباطة جأشه وشجاعته عليه السلام: قال بعض الرواة: "فوالله ما رأيتُ مكثوراً [الذي تكاثر عليه الناس فقهروه] قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً، فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول: (لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم)"(5).

3- إشراقة وجه الإمام الحسين عليه السلام مع توالي المصائب والآلام عليه: يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "كلّما كان سيّد الشهداء في يوم عاشوراء يقترب من الشهادة أكثر، كان وجهه يشرق أكثر، وكان شبّانه يتسابقون للفوز بالشهادة، لقد كانوا يعلمون أنّهم عمّا قليل سيستشهدون؛ لكنّهم تسابقوا لأنّهم كانوا يعلمون إلى أين يذهبون، ويعلمون لماذا أتوا، كانوا على وعي: أنّنا جئنا لأداء تكليفنا الإلهيّ، جئنا لحفظ الإسلام"(6).

4- الرضى بقضاء الله تعالى: إنّ متعلّق القضاء الحتميّ والمشيئة الإلهيّة القاطعة للحقّ تعالى هو الرضى بالقضاء، كما قال سيّد الشهداء عليه السلام في اللّحظات الأخيرة من حياته، حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: "رضىً بقضائك وتسليماً لأمرك، لا معبود سواك"(7).

5- نورٌ ظاهر للإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام: لقد تجلّى في الحسين عليه السلام الجمالُ النّبويّ، وكان وجه القاسم كأنّه فلقة قمر، والعبّاس عليه السلام كان يُلقّب بقمر بني هاشم، وكان عليّ الأكبر أشبه الناس خَلقاً وَخُلُقاً ومنطقاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

6- التسليم المطلق للإرادة الإلهيّة: واحدة من تجلّيات عظمة تسليم الإمام الحسين عليه السلام لله تعالى حين قتلوا رضيعه، فرفع كفّه الحاملة لدماء رضيعه إلى السماء، وهو يقول: "هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله"(8)، هو من أشدّ المواقف صعوبة؛ إذ لا يستطيع أن يتخيّل أيّ إنسان كيف يكون ذاك العشق الذي جسّده إمامنا الحسين عليه السلام.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "الإمام الحسين عليه السلام كان يرى جهاده في سبيل الله، ومن أجل الله، ولأنّ الجهاد لله، فإنّه لم يرَ أنّه قد فَقَدَ الأحبّة والأعزّة الذين فقدهم، إنّهم الذخائر لعالم البقاء"(9).

وثمّة شواهد كثيرة لا يمكن حصرها، رسمتها كربلاء بريشتها الفريدة، حتّى قدّمت لنا لوحة غنّاء مشحونة بمظاهر الجمال التي جسّدتها مواقف الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام وأصحابه في كربلاء.

1- ديوان محمّد مهديّ الجواهريّ- أبيات من قصيدة فداءً لمثواك من مضجع.
2- عوالم الإمام الحسين عليه السلام، البحرانيّ، ص 383.
3- حياة الإمام الحسين عليه السلام، القرشيّ، ج2، ص 302.
4- الخصائص الحسينيّة، التستريّ، ص 39.
5- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج45، ص 50.
6- صحيفة النور، الإمام الخمينيّ قدس سره، ج15، ص 55.
7- موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الريشهريّ، ج7، ص 241.
8- اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، ص 70.
9- صحيفة النور، (م. س.)، ج17، ص 239.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع