منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

مع الإمام الخامنئي: الحمزة..عزمٌ راسخ(*)

 


إنّه حقّاً أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العجيبين، خصوصاً مع ذلك الدور الذي أدّاه؛ فقد صرّح علانيّة: "لقد أسلمت"، وهو يتلقّى ضرباً مبرّحاً من سوط أبي جهل. ثمّ حصلت الهجرة، وتمّ دخول المدينة المنوّرة، فكان لشخصيّته تأثير في بناء هذه العمارة الإسلاميّة العظيمة. بعد ذلك، كانت أوّل سَريّة أرسلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي سَريّة جناب الحمزة عليه السلام؛ إذْ شدّ له راية، وأرسله إلى الحرب.

ومع ذلك، فهذا الرجل العظيم ما زال مجهولاً، واسمه غير مطروح.

* حمزة عليه السلام في كلام أمير المؤمنين عليه السلام
ينقل الإمام الباقر عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "لقد كنتُ عاهدتُ الله -تعالى- ورسولَه أنا وعمّي الحمزة، وأخي جعفر، وابن عمي عُبيدة على أمرٍ، وفّينا به لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم"؛ أي جلس أمير المؤمنين عليه السلام الشابّ مع عمّه المُسنّ، جناب الحمزة عليه السلام -الذي كان يكبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، أو وفق روايةٍ أخرى بأربع سنوات- وتعاهدوا على أمر، وهو بطبيعة الحال "الجهاد حتّى الشهادة"؛ أي سنمضي في هذا الطريق، وفي هذه الحركة بلا هوادة حتّى لحظة الشهادة. ثمّ يقول الإمام عليه السلام: "فَتَقَدَّمَني أصحابي"؛ هؤلاء الرفاق الثلاثة سبقوني. "وَتَخَلَّفتُ بَعدهُمُ لِمَا أَرادَ الله -عَزَّ وَجلّ- فَأنَزَلَ الله فِينَا: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾" (الأحزاب، 23)، ثمّ يقول عليه السلام: "حَمَزةُ وَجَعفَرٌ وعُبَيدَة، وَأَنا وَاللهِ المُنتَظِر".

إذاً، تمجيد هذه الشخصيّات، وتعظيمها، والتفاخر بها على هذا النحو بلسان أمير المؤمنين عليه السلام يدلّ على عظمة هذه الشخصيّة.

* حمزة عليه السلام.. النموذج القدوة
يبدو أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نفسه أراد أن يجعل من جناب الحمزة قدوةً منذ اللحظة الأولى التي استُشهد فيها، حين أعطاه لقب "سيّد الشهداء". وبعد ذلك، عندما دخلوا المدينة، ورأوا نساء الأنصار يبكين، ويحزنّ -لأنّه قد استشهد في معركة أُحُد سبعون شهيداً- استمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيناً، ثمّ قال: "لكنّ الحمزة لا بواكي له!". وصل هذا الخبر إلى نساء المدينة، وقالت كلّ واحدة: إنّنا سنبكي على حمزة عليه السلام قبل أن نبكي على شهيدنا.

لقد حثّهنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ أي جعل المدينة كلّها تبكي عليه، وأحدث صلى الله عليه وآله وسلم ضجّةً في أنحاء المدينة كافّة، من أجله عليه السلام؛ لأنّه يريد إبراز حمزة على أنّه سيّد الشهداء عليه السلام، وهو الشخص الذي يجب أن يبكيه الجميع. هذه هي صناعة الأنموذج، ليس لذلك اليوم فقط، وإنّما إلى الأبد ولجميع المسلمين.

* الحمزة عليه السلام: عزمٌ ومعرفة
من المهمّ تحديد العناصر المكوّنة لشخصيّة الحمزة عليه السلام، حتّى تصبح أنموذجاً لنا؛ لنستفيد منها.

عنصران هامّان في شخصيته عليه السلام، ينبغي الحديث عنهما قدر الإمكان، هما: "العزم الراسخ"، و"قدرة المعرفة".

أحياناً، يكون الإنسان على علمٍ بشيء ما، أو يقبل شيئاً ما أيضاً، فيؤمن به، لكنّه لا يتصرّف وَفقاً لذلك؛ بسبب ضعف النفس. الإرادة القويّة هنا تحدّد أنَّ هذا الشخصَ يتصرّف بعزم راسخ.

ذلك الوقت الذي أعلن الحمزة عليه السلام فيه إسلامه، كان من أصعب أوقات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّ الإسلام قد صار علنيّاً، فكانوا يهاجمون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه من كلّ حدبٍ وصوب. أمّا الحمزة عليه السلام، فقد دافع بجدّيّة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منذ البداية، وقبل إسلامه، وهذا يعود إلى قدرة المعرفة. وفي مثل هذه الظروف، حيث يعيش المسلمون ضائقةً شديدةً، يصرح هذا الشخص في المسجد الحرام في جوار الكعبة: "لقد أسلمت، وليعلم الجميع أنّني مؤمنٌ بدينه".

* واجباتنا تُجاه الأنموذج
فلنعلّم أنفسنا وشعبنا التفكير في القضايا بأسلوب صحيح، والتشخيص بطريقة صحيحة، كما فعل حمزة عليه السلام. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 10-11)؛ إذا لم نسمع ولم نفكّر ولم نتأمّل، فهذا ذنب. يذكر القرآن ذلك بصراحة. إنّ هذا العظيم، وبناءً على كلام أمير المؤمنين عليه السلام، هو مصداق: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، وذلك يتحقّق عندما يصنع الإنسان من نفسه مصداقاً للمعارف والأوامر الإلهيّة، والطريق الذي حدّده الله المتعالي ووضعه أمامنا.

إذا بذل خواصّ المجتمع الهمّة لإنتاج مثل هذه الشخصيّات، فسيكون كلّ واحد منهم قادراً على إنقاذ المجتمع في المواقف الحسّاسة. لا يجب أن نكتفي بتربية بعض الأشخاص، وأن نعظهم، بل فليكن سعي المؤسّسات هو لصناعة شخصيّات، تكون في حدّ ذاتها مصداقاً للمعارف الإلهيّة والأحكام الإسلاميّة، حتى يصبح بناء الحضارة الإسلاميّة أمراً قطعيّاً.


(*) كلمة الإمام الخامنئيّ دام ظله خلال لقائه بالقيّمين على مؤتمر تكريم جناب حمزة بن عبد المطّلب عليه السلام، الذي عُقد في تاريخ 25/1/2022م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع