منبر القادة: المنافقون مرضى القلوب مناسبة: أيّار ٢٠٠٠م: أيّامٌ لا تُنسى مناسبة: السيّد "ذو الفقار".. سيفك لن يُغمد آخر الكلام: سأقول لأحفادي... أوّل الكلام: الكيان العنصريّ "الكيان المؤقّت" وانهيار الداخل "بنو إسرائيل" بيــن التيـه والزوال مع الإمام الخامنئي: القرآن.. كتاب أُنسٍ وهداية نور روح الله: الرّحمة من تجليات البسملة مع إمام زماننا: أيّام الفرج السعيدة(*)

قصة: على قائمةِ العرشِ مكتوبٌ حمزة


أحمد بزّي
 

يُحكى أنّنا أُصِبنا بسنةٍ من القحط، وأنَّ الأوضاع ضاقتْ على الناسِ في مكّة كثيراً -ومنهم أبي- ولذلك كفِلني عمّيَ الحمزة، وكفلَ النبيُّ محمّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم أخي عليّاً عليه السلام. ولكنْ في حقيقةِ الأمر، كنتُ أدركُ أنَّ ما جرى هو إعدادٌ لي ولأخي؛ لكي أكونَ جعفرَ الطالبيّين، ويكون أخي وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يومها، كنتُ قد بلغتُ سنَّ الخامسة عشر.

عمّي الحمزة صبيحُ الوجه، باسم الثّغر، أبيض الأسنان، ذو حاجبين غليظين، وعينين سوداوين، طويل القامة، قويُّ البدن، صريحُ القول، ليِّنُ الخطاب، متواضعٌ في نفسه، مُحبٌّ للخير، وإذا عُدَّ الأبطالُ، كان أوّلهم ورأسهم. كان الأشجع في ركوبِ الخيل ومطاردة الأسود، لم يعبدْ صنماً، ولم يذق خمراً.

صحِبتهُ في ذلك كلّه، ربّاني على عينه، سقاني التّواضع ماءً لهجرتي إلى الحبشة، وعلّمني مساعدة الناس دونِ أن يلفظَ حرفاً. كنّا نذهب للصيد والقنص، لم يُخطئ هدفاً، يتدرّب كلَّ يومٍ على القتال، يحملُ بدل سيفهِ "اللّياحِ" سيفين، ويُتقنُ فنون الدِّفاع بالرّمح، ويركبُ أعجبَ الخيول الوَرد. وكان يُتَّخذُ وحده حليفاً من القبائل؛ لشدّةِ هيبته.

ولقد سرتُ على مواطئِ قدميه، أتدرّبُ على السّلاح والخطاب، أساعدُه في خدمة الناس، ويَرْفَعُ لي في كلّ يَومٍ مِنْ شجاعتهِ وحكمته علَماً، فأقتدي به. ربّاني على الطريقةِ المُحمّديةِ في تربيةِ أخي عليّ عليه السلام.

وكلّما أشرقتْ شمسٌ، أعطاني وِردهُ الأعظم؛ حتّى حفظته كتسابيحِ جدّنا عبد المطلب: "إنَّنا يا جعفر نفدي محمّداً بالأرواح، اسقِ الماء كلَّ يومٍ على حبِّه، وحبِّ أخيك عليّ".

ويَحكي النّاسُ أنَّ عمّيَ الحمزَة كان مُشركاً ثمَّ أسلم، ويختلفون على السَّنة، فيقولونَ في الثانيةِ أو السَّادسةِ للبعثة، إنّما هو مُحمديُّ الهوى قبل بعثة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وتشهدُ المروةُ والصّفا على قوله الذي يُردّده دائماً: "أنا على دينِ أبي إبراهيم". فقد أسلمَ في أوائلِ الرِّجال، لكنّ النّاس تأخّروا في إدراكِ ذلك.

ولمّا عرفت قريشُ أنَّ الحمزة بن عبد المطلب يجهرُ في إسلامهِ، خافوا وارتعبوا، فأخذ عمّي يعلنُ دينهُ أكثرَ في كلِّ مكان، ويتحدّى كبار قريش، وعلى رأسهم فِرعونهم أبو جهل.

ففي يومٍ من الأيّام، اعترض أبو جهلٍ طريق الرسول الأعظم محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم عند جبل الصفا وشتمه، فلم يُكلّمه النَّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ثمّ مضى أبو جهلٍ، وجلس في جماعةٍ من قريش، أقبل بعدها عمِّي الحمزة راجعاً من صيد -وكان إذا مرَّ على مجلسٍ، يجتمع فيه جمعٌ من قريش، وقف وسلَّم وتحدّثَ معهم- يومها، عرف بما فعله أبو جهل، فخطى نحوه وهمَّ بضربه، بل ضربهُ على رأسه. وزجره ببأسٍ: "أتشتمه وأنا على دينه؟ رُدّ ذلك عليَّ إن استطعت".

لكنّ أبا جهلٍ، وكُلَّ قريش، لم يجرؤوا على مواجهةِ عمّي الحمزة. ومن يومها، عرفوا أنّ إلحاق الأذى بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بحضور الحمزة، أو في غيابهِ أصبحَ أمراً من الماضي.

حتّى يوم حدثَ أعظم لقاءٍ ممهِّدٍ لهجرة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب، في العقبة، صحِب عمّي الحمزة النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك الاجتماع السِّريِّ في اللّيل، والتقوا وفد اليثربيّين من قبيلتي الأوس والخزرج. وصل خبرُ الاجتماع إلى قريش، فأقبلوا بالسّلاح، ووقف الحمزة في وجههم شاهراً سيفه.

- "ما هذا الذي اجتمعتم عليه؟"، قال أحدهم للحمزة.

- "ما اجتمعنا، فوالله، لا يجوز منكم أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي".

أجابهم بهذا، فخافوه وتفرَّقوا.

ويُروى أنَّ هذا الأسدَ الهاشميّ أودعَ قلوبَ المشركين أحقاداً، شهِدتْ عليها أحياء مكّة، وساحة الكعبة، وبيعتا العقبة الأولى والثانية، لكنّها بدرٌ، بدرٌ ذروة أحقادهم القديمة على عمّي الحمزة، وأخي عليّ عليه السلام. بدرٌ التي مهّدتْ لهندٍ أكل الكبد.

يحكي أسرى بدرٍ من المشركين عن الرّجلِ المُعلَّمِ بريشةِ نعامة في صدره، فيقولون ذاك هو الذي فعل بنا الأفاعيل، قتل منهُم من قتل، وشارك في قتل آخرين، وجرحَ، وأسرَ، وكان إلى جنبِ عليٍّ عليه السلام يتبعه خطوةً بخطوة، وضربةً إثر ضربة، يقاتلُ بسيفين.

وعلى يديه قتلَ الله أهل الحقد في أحُد، وقد وفدوا إلى النزالِ للتشفّي منه فقط، ففي صدور فراعنة مكّة آلامٌ وأحزانٌ، خلّفها فيهم الحمزة منذ عشرين سنة. وآن أوان الانتقام.

وكبدرٍ كان يقاتل يومئذٍ بسيفين، وهم يتساءلون: "أيّ أسدٍ هو حمزة؟!".

ويحكي أهلُ السماء عن هذا الأسد، يهبط جبرائيل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والحمزة مسجّى على الأرض قتيلاً، مذبوحاً، مُمثَّلاً به، مستخرَجاً كبده: "محمّد، العليّ الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك: على قائمة العرش مكتوبٌ حمزةٌ أسد الله، وأسد رسوله، وسيّد الشهداء".

وقف الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم على حمزة ثم قال: "لن أصاب بمثلك أبداً... رحمك الله، أي عمّ، فلقد كنت وصولاً للرّحم، فعولاً للخيرات... يا حمزة يا كاشف الكُربات، يا حمزة، يا ذابّ، يا مانع عن وجه رسول الله".

كنتُ يومها في الحبشة، لم ينتظر قلبي أن يصلَه خبر الشهادة في رسالة، شعرتُ بألمِ فقد المُربّي، وانتظرتُ وافداً من المدينة أو مكّة يحملُ لي حكاية المصاب، وأشدُّ ما آلمني حديثُ صلاة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على عمّيَ الحمزة؛ لقد وضعه فصلّى عليه باكياً، ثمّ جيء بشهيدٍ من الأنصار، فوُضع إلى جنبه فصلّى عليه، فرُفع الأنصاريُّ وتُرك الحمزة، وجيء بشهيدٍ آخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلّى عليه، ثمّ رُفع وتُرك حمزةُ، حتّى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاة.

سبعون صلاة! أيُّ فقدٍ تراه ذلك، أهو فقد العمِّ فقط؟! فقد القرابة؟! لا والله، يعرف النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قدر عمّنا الحمزة في السماء، كما يعرفه في الأرض، يعرف إيمانه، إخلاصه، وعنوان صحيفته. يعرف أنّه حامل لواء التكبير يوم القيامة. يعرف أنّه سيخرج مع قائم آل محمّد عجل الله تعالى فرجه الشريف في الشهداء. ويعرف أنّ له رجعةً يطلب فيها ثارات الحسين عليه السلام. ويعرفُ أنَّ فاطمة عليها السلام لن تملَّ من زيارة قبره.

كلّ ذلك على قائمة العرش، مكتوب.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع