آداب وسنن: سبِّح تســبيحَ فاطمـة وصايا الأطهار: يا أبا ذر، قرّة عيني الصلاة مناسبة: الشيخ فضل مخدّر.. رائدُ الثقافة والأدب شهداء استعدّوا للرحيل الوصيّة ميراث الروح مظالم العباد: أنواعها وكيفيّة ردّها "أيتـــام آل محمّـــد" في المأثور عن الإمام العسكريّ عليه السلام الإمـام العسكــريّ عليه السلام في زمن النصر الصامت مع الإمام الخامنئي: رسائل الشهداء(*) نور روح الله: مـن أدب الركـوع والسجود(*)

معارف إسلامية: حالة المجتمعات العربية قبل الإسلام

فضيلة الشيخ علي دعموش


البداية الطبيعية للحديث عن السيرة النبوية لرسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم تفرض علينا إعطاء لمحة عن تاريخ ما قبل البعثة وما اتصل بها من أحداث ووقائع لنتعرف إلى الظروف والأوضاع التي كانت تحكم المجتمعات العربية آنذاك والمنطقة التي انطلقت فيها دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام.
وسوف نستعرض في حديثنا هنا الظروف والأوضاع الدينية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية التي كانت سائدة في منطقة شبه الجزيرة العربية في العصر الجاهلي.

1 ـ الوضع الديني:
على المستوى الديني: كانت الوثنية هي الديانة الكبرى في شبه الجزيرة العربية وكانت عقيدة الشرك، وعبادة الأصنام متفشية بين سكان هذه المنطقة.
ويكفي أن نذكر أن عبادتهم كانت ملونة باللون القبلي فلكلّ قبيلة، بل لكل بيتٍ وثنٌ وطريقةٌ في العبادة، وبالرغم من أنهم كانوا يعتقودن بوجود الله وخالقيته إلاَّ أنهم كانوا يعتبرون أن عبادتهم للأصنام تقرِّبهم إلى الله وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زُلفى} (الزمر/3).
أضف إلى ذلك أنهم ما كانوا يعتقدون بالمعاد والحياة بعد الموت، وقد أشار القرآن إلى ذلك في كثير من الآيات.

2 ـ الوضع السياسي:
وأما على المستوى السياسي: فإن سكان شبه الجزيرة العربية آنذاك، لم يخضعوا لأيّ سلطةٍ أو نظام غير سلطة القبيلة.
وبسبب أن معظم سكان هذه المنطقة كانوا من البدو الرحّل الذين يُمسون في مكان ويصبحون في آخر من جهة وبسبب رفضهم لجميع أنواع التسلُّط الذي يحدُّ من حرية الأفراد والأسرة والقبيلة من جهةٍ ثانية، وبسبب بعض العوامل الاقتصادية نظراً لكون طبيعة المنطقة صحراوية لا تصلح للزراعة والعمل، ولا تساعد على الاستقرار وتنظيم الحياة والإنتاج من جهة ثالثة، لأجل كل ذلك نجد أن هذه المنطقة بقيت بعيدةً عن سيطرة ونفوذ الدول الكبرى آنذاك كدولة الفرس ودولة الرومان، فلم تخضع المنطقة لحكم ونظام أي من الرومان والفرس والأحباش، ولم تتأثّر بمفاهيمهم وأديانهم كثيراً.
ومن هنا فقد نشأت عن هذا الوضع ظاهرةُ الدويلات القبلية، فكان لكل قبيلة حاكم ولكل صاحب قوة سلطان، ولم يكن يجمعهم نظام واحد، أو سلطة سياسية واحدة، وإنما كانوا يعيشون فراغاً سياسياً في هذا الجانب.

3 ـ الوضع الاجتماعي:
أما الوضع الاجتماعي: فإن الحياة الصعبة التي كان يعيشها الإنسان العربي في البادية، والحكم القبلي، وعدم وجود روادع دينية أو وجدانية قوية دفعت بالقبائل إلى ممارسة الحرب والاعتداء على بعضها البعض كوسيلة من وسائل تأمين العيش أحياناً، وأحياناً لفرض السيطرة، وأحياناً أخرى للثأر والاقتصاص. فكانت تُغيرُ هذه القبلة على تلك وتستولي على أموالها وتسبي نساءها وأطفالها وتقتلُ أو تأسر من تقدر عليه من رجالها، ثم تعود القبيلة المنكوبة تتربّص بالقبيلة التي غلبتها وهكذا.
ولذلك فإن من يطالعُ كتب التاريخ يرى بوضوح إلى أيّ حد كانت الحالةُ الاجتماعية متردية في ذلك العصر، فالسلِّبُ والنهبُ والإغارة والتعصُّب القبلي كان من مميزات ذلك المجتمع، حتى إذا لم تجد القبيلةُ من تُغيرُ عليه من أعدائها أغارت على أصدقائها وحتماً على أبناء عمّها.
وكانت لأتفه الأسباب تحدث بينهم حروب طاحنة ومُدمِّرة يذهب ضحيتها آلاف الناس وتستمر لسنين طويلة. ولعلَّ أبرز الأمثلة على ذلك ما عُرف بحرب داحس والغبراء وهما فرسان يملكُ أحدهما قيس بن زُهير ويملك الآخر حذيفة بن فزارة فقد استبقا واختلفا حول السابق منهما وقد أدّى اختلافهما بسبب هذا الأمر التافه إلى التنازع ونشوب الحرب بين قبيلتيهما التي استمرّت أربعين سنة من سنة 568 وحتى سنة 608م.
وأفضل مرجع للتعرّف إلى ملامح الوضع الاجتماعي في العهد الجاهلي هو كلماتُ أمير المؤمنين التي يصف فيها حال العرب قبل بعثة النبي حيث يقول في بعض كلماته:
(إنَّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار، منيخون ـ أي مقيمون ـ بين حجارة خُشنٍ وحيّات صُمّ، تشربون الكدر وتأكلون الجشب ـ أي الطعام الغليظ ـ وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحكامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة) نهج خ26.
ويقول جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه وهو يصف الوضع الجاهلي لما دخل على النجاشي وقد سألهم عن أحوالهم. قال: كنا قوماً أهل جاهلية نعبدُ الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطعُ الأرحام ونسيءُ الجوار ويأكل القويَّ منَّا الضعيف.

4 ـ الوضع الأخلاقي:
وأما الوضع الأخلاقي العام، فقد كانت القسوة والفاحشة وتعاطي الخمر والربا ووأد البنات والأبناء خشية العار والفقر هي السمات العامة للأخلاق المتفشية في المجتمع الجاهلي.
ويكفي أن نشير إلى بعض النماذج من العادات والتقاليد اللاّأخلاقية التي كانت سائدة آنذاك والتي أشار إليها القرآن لمعرفة مدى شيوع الفاحشة، وظاهرة انعدام الغيرة والتحلل الأخلاقي في تلك المجتمعات الجاهلية.
فمن ذلك على سبيل المثال:
الزواج بالأم والبنت والأخت وأول من فعل ذلك هو حاجب بن زرارة سيد قبيلة بني تميم حيث تزوّج ابنته وأنجبت منه.

ومن عاداتهم اللاأخلاقية أيضاً الجمع بين الأختين في الزواج منهما معاً، وأول من جمع بينهما سعيد بن عاصم حيث تزوج من هند وأختها صفية ابنتي المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم فنزلت الآية الكريمة التي تقول: {حُرّمت عليكم أمهاتكم...} إلى أن تقول: {وأن تجمعوا بين الأختين إلاَّ ما سلف إن الله كان غفوراً رحيماً} (النساء/23).
كما أنَّ الزواج من الخالة زوجة الأب كان من جملة سلوكهم الجاهلي وقد أشار القرآن إلى تحريم هذا السلوك بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاَّ ما قد سَلفَ إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً}.
وكانوا يكرهون الجواري والإماء والخدم على البغاء والزنا من أجل كسب المال وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا}. ويقال: إنه كانت لعبد الله بن أبيّ رئيس المنافقين ست جوارٍ وكان يكرههنَّ على البغاء للحصول على المال عن هذا الطريق.
ومن عاداتهم القبيحة أيضاً الطواف حول الكعبة وهم عراة سواء الرجال والنساء، وكان الرجل إذا هدده الإفلاس وشعر بأنه سيُصاب بالفقر كان يبادر إلى قتل أولاده خوفاً من أن يراهم أذلاء جائعين وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم}.

كما إننا نستطيعُ معرفة مدى شيوع ظاهرة وأد البنات ودفتهن وهن أحياءٌ من تعرض القرآن الكريم لهذه العادة، وإدانته لهذه الجريمة وتعنيفه لتلك المجتمعات على هذا السلوك الوحشي البشع. فقد قال تعالى: {وإذا الموؤودة سُئلت بأي ذنب قتلت}، وقال أيضاً: {وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به، أيُمسكه على هونٍ أم يدسُّه في التراب ألا ساء ما يحكُمون}، هذه هي أوضاع وأحوال المجتمع العربي في شبه الجزيرة العربية آنذاك.

ومن قلب هذا المجتمع ومن قلب هذا الجوّ القبلي المعقد والمشرذم الذي توافرت فيه كلّ أنواع الفساد والبعد عن القيم والأخلاق، وأصبح بحاجة إلى عملية تغيير شاملةٍ، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكون قائد عملية التغيير هذه. وقد استطاع هذا الرسول في فترةٍ وجيزةٍ جداً أن ينقل هذه الأمة من حضيض الذل والمهانة إلى أوج العظمة والعزّة والكرامة، وأن يغيّر فيها كلّ عاداتها ومفاهيمها وأن يقضي على كل أسباب شقائها وآلامها.
لقد استطاع الإسلام في فترةٍ لا تتجاوز سنواتها عدد أصابع اليدين أن يحقق أعظم إنجاز في منطقة كانت لها تلك الصفات والمميزات، وأن يحدث انقلاباً حقيقياً وجذرياً في عقلية ومواقف وسلوك وأخلاق تلك الأمة وفي مفاهيمها، وأن ينقلها من العدم إلى الوجود، ومن الموت إلى الحياة.

وقد عبّر ذلك جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة بعدما بيّن له الأوضاع المتردية التي كانوا يعيشونها قبل مبعث النبي فقال:
فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقهُ وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدقِ الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع